البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
البحث
تابعنا عبر شبكات التواصل
السعودية بين فكيّ واشنطن وطهران هدنة مؤقتة تكشف تراجع النفوذ وتصاعد كلفة الرهانات

السعودية بين فكيّ واشنطن وطهران هدنة مؤقتة تكشف تراجع النفوذ وتصاعد كلفة الرهانات

لم تحمل مذكرة إسلام آباد للسعودية انتصارًا سياسيًا ولا ضمانة أمنية، بل كشفت حجم المأزق الذي وجدت المملكة نفسها فيه بعد واحدة من أخطر الأزمات الإقليمية في السنوات الأخيرة. فالحرب انتهت مؤقتًا، لكن أسبابها لم تختفِ، والاتفاق لم يعالج جذور الصراع، بل أجّل الانفجار إلى موعد آخر، تاركًا الرياض أمام معادلة أكثر تعقيدًا: اقتصاد يعتمد على استقرار الخليج، وخصم إقليمي مرشح لاستعادة قوته، وحليف أمريكي يصعب التنبؤ بقراراته.

وبينما تحاول السعودية تقديم الاتفاق باعتباره خطوة نحو التهدئة، تكشف الوقائع أن المملكة كانت تسعى قبل كل شيء إلى احتواء الخسائر، بعدما وضعت الحرب أحد أهم أعمدة اقتصادها على المحك. فالنفط، الذي لا يزال المصدر الرئيسي للدخل، وجد نفسه رهينة التوترات في مضيق هرمز، فيما أثبتت الأزمة أن المشاريع الاقتصادية العملاقة التي تقوم عليها رؤية 2030 أكثر هشاشة مما توحي به الحملات الدعائية.

لقد خرجت السعودية من الحرب دون مواجهة مباشرة مع إيران، لكنها لم تخرج مطمئنة، لأن ما كسبته هو هدنة قصيرة، بينما بقيت التحديات الكبرى على حالها، وربما أصبحت أكثر تعقيدًا.

اقتصاد رهينة مضيق واحد والحرب كشفت نقطة الضعف الكبرى

رغم سنوات من الحديث عن تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، جاءت الأزمة الأخيرة لتؤكد أن السعودية لا تزال أسيرة المعادلة القديمة نفسها.

فمعظم صادراتها النفطية تمر عبر مضيق هرمز، وأي اضطراب في هذا الشريان الحيوي ينعكس مباشرة على الإيرادات العامة والاستقرار المالي. وحتى خط الأنابيب البديل الذي طالما قُدم باعتباره خطة طوارئ، اقترب من الحد الأقصى لطاقته، وهو ما كشف أن خيارات المملكة في مواجهة أي إغلاق طويل للمضيق تبقى محدودة.

وهكذا اصطدمت رؤية 2030 بحقيقة جغرافية لا يمكن تجاوزها بالدعاية أو بالمشاريع العملاقة. فالاقتصاد الذي يعتمد على تدفق النفط يحتاج قبل أي شيء إلى بيئة إقليمية مستقرة، وهو ما لم تعد المملكة قادرة على ضمانه بمفردها.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن يكون الهدف الأول للرياض هو إنهاء الحرب بأسرع وقت، حتى لو لم تحقق أي مكاسب سياسية واضحة.

ضربات إيرانية وصمت سعودي معادلة الردع تغيّرت

من أكثر ما أظهرته الأزمة أن قواعد الاشتباك في الخليج لم تعد كما كانت.

فاستهداف منشآت وقواعد داخل السعودية خلال الأزمة لم يدفع الرياض إلى الانخراط في مواجهة مباشرة، بل فضلت احتواء التصعيد والإبقاء على قنوات الاتصال مع طهران مفتوحة.

هذا السلوك يعكس إدراكًا متزايدًا داخل القيادة السعودية بأن أي حرب واسعة ستكون كلفتها الاقتصادية والسياسية أكبر بكثير من أي مكاسب محتملة.

لكن في المقابل، فإنه يكشف أيضًا تراجع هامش الردع التقليدي، إذ باتت المملكة أكثر ميلًا إلى تجنب المواجهة حتى عندما تتعرض لضربات مباشرة، خشية أن يتحول التصعيد إلى تهديد وجودي لمشاريعها الاقتصادية واستقرارها الداخلي.

وهذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في العقيدة الأمنية، بل يعكس أيضًا إدراكًا بأن البيئة الإقليمية أصبحت أكثر خطورة، وأن القدرة على التحكم بمسار الأحداث لم تعد بيد الرياض وحدها.

واشنطن تطلب والرياض تدفع الثمن

الأزمة الأخيرة أعادت طرح سؤال قديم حول طبيعة العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة.

فعلى الرغم من الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في الخليج، أظهرت التطورات أن هذا الوجود لا يقدم الضمانات المطلقة التي كانت تتصورها بعض العواصم الخليجية.

بل إن النقاشات التي رافقت الأزمة فتحت الباب أمام احتمال مطالبة دول الخليج بالمساهمة في تمويل إعادة إعمار إيران، في وقت تتحمل فيه هذه الدول أصلًا كلفة الاضطرابات الأمنية والخسائر الاقتصادية التي خلفتها الحرب.

وفي الوقت نفسه، استمر الضغط الأمريكي على السعودية للمضي في مسار التطبيع مع إسرائيل، رغم استمرار الخلافات بشأن الدولة الفلسطينية ورفض الحكومة الإسرائيلية تقديم أي تنازلات جوهرية.

وهكذا تجد الرياض نفسها أمام ضغوط متزامنة: مطالبة بالحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن، والحفاظ على التهدئة مع طهران، وإدارة ملف التطبيع، وتمويل مشاريعها الداخلية، وكل ذلك في ظل بيئة إقليمية شديدة التقلب.

رؤية 2030 في مواجهة الجغرافيا السياسية

الحرب الأخيرة أثبتت أن أكبر تحديات رؤية 2030 ليست اقتصادية فقط، بل جيوسياسية أيضًا.

فالمشاريع العملاقة مثل نيوم والبحر الأحمر والقدية تعتمد على تدفق الاستثمارات الأجنبية والسياحة والاستقرار طويل الأمد، وهي عناصر تتأثر مباشرة بأي توتر إقليمي.

ولهذا فإن أي أزمة في الخليج لا تعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل تعني أيضًا تراجع شهية المستثمرين، وارتفاع تكاليف التأمين، وإعادة تقييم المخاطر، وتأجيل قرارات الاستثمار.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: فبينما تنفق السعودية مئات المليارات لبناء اقتصاد جديد، يبقى هذا الاقتصاد مرتبطًا بعوامل أمنية وسياسية لا تملك السيطرة الكاملة عليها.

فلا يمكن جذب الاستثمارات العالمية إلى منطقة يخشى المستثمرون فيها من اندلاع مواجهة جديدة في أي لحظة، ولا يمكن بناء قطاع سياحي عالمي بينما تبقى الممرات البحرية وأسواق الطاقة عرضة للتقلبات المستمرة.

هدنة تشتري الوقت لكنها لا تشتري المستقبل

تكشف مذكرة إسلام آباد أن ما تحقق ليس تسوية شاملة، بل مجرد فترة لالتقاط الأنفاس.

فالقضايا الأساسية بقيت دون حل، والنفوذ الإيراني مرشح للتوسع إذا رُفعت العقوبات واستؤنفت عمليات إعادة الإعمار، فيما تستمر الخلافات حول مستقبل المنطقة ودور القوى الإقليمية فيها.

أما السعودية، فتبدو اليوم أقرب إلى سياسة إدارة الأزمات منها إلى صناعة التوازنات.

فهي تحاول تقليل الخسائر، وتجنب المواجهات، وحماية اقتصادها، وتأمين مشاريعها، دون أن تمتلك القدرة على فرض مسار سياسي جديد في الإقليم.

وفي النهاية، لا تبدو المملكة اليوم في موقع المنتصر أو صاحب المبادرة، بل في موقع الدولة التي تسعى إلى منع الأسوأ، بينما تتحرك بين ضغوط واشنطن، وحسابات طهران، وتقلبات سوق النفط، ومخاطر رؤية اقتصادية لا تزال تعتمد على استقرار إقليمي لم يعد مضمونًا.

لقد كشفت الحرب حقيقة يصعب تجاهلها: السعودية لم تعد تواجه فقط تحدي تنويع اقتصادها، بل باتت تواجه تحدي حماية هذا الاقتصاد في منطقة تتغير موازينها بسرعة، فيما تتراجع قدرتها على التأثير في مسار الأحداث مقارنة بحجم الرهانات التي وضعتها على مستقبلها.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية