عندما أطلق محمد بن سلمان مشروع “ذا لاين”، لم يقدمه باعتباره مجرد مدينة جديدة، بل باعتباره ثورة معمارية ستغيّر مفهوم المدن في العالم، ومشروعًا سيعيد كتابة تاريخ التخطيط العمراني. وعلى مدى سنوات، أُنفقت مئات المليارات على حملات التسويق، واستُقطب أشهر المعماريين والمهندسين العالميين برواتب ضخمة، بينما رُسمت صور خيالية لمدينة قيل إنها ستتفوق على كل ما عرفه العالم.
لكن مع مرور الوقت، بدأت الشهادات تتساقط من داخل المشروع نفسه، لا من معارضيه. وأصبح الذين شاركوا في صياغة الفكرة أو إدارة مراحلها الأولى أكثر من يكشف حجم الفجوة بين الدعاية والواقع. أحدث هذه الشهادات جاءت من أنتوني فيفيس، أحد الأسماء التي ارتبطت بالبدايات الأولى لفكرة “ذا لاين”، والذي روى أن المعماري العالمي بيتر كوك لم يصدق الفكرة عندما استمع إليها، وسأله ساخرًا: “ماذا كنت تشرب؟”
هذه العبارة الساخرة تختصر اليوم كثيرًا مما يقال عن مشروع تحوّل من رمز للطموح إلى مثال عالمي على المبالغة في الوعود، ومن مدينة يُفترض أن تستوعب ملايين السكان إلى مشروع تتوالى حوله التقارير عن التقليص والتأجيل وإعادة المراجعة.
“اشترِ العقول ثم تجاهلها” إدارة لا تحتمل كلمة “مستحيل“
منذ البداية، اعتمدت السعودية على استقطاب عشرات الخبراء والمهندسين العالميين لإضفاء المصداقية على مشاريع نيوم. وكانت الرسالة واضحة: إذا كان أفضل الخبراء في العالم يعملون هنا، فلا بد أن المشروع قابل للتنفيذ.
لكن ما بدأ يتكشف لاحقًا أن وجود الخبراء لم يكن يعني بالضرورة أن آراءهم تُسمع.
فعدد متزايد من المسؤولين السابقين والموظفين الذين غادروا المشروع تحدثوا عن بيئة لا تسمح بالاعتراض، وعن ضغوط هائلة للموافقة على أهداف غير قابلة للتنفيذ، لأن مجرد التشكيك في الرؤية قد يُنظر إليه باعتباره تحديًا للإرادة السياسية.
وفي هذا السياق، تبدو رواية بيتر كوك أكثر من مجرد تعليق ساخر؛ إنها تعكس كيف استقبل بعض أبرز المعماريين في العالم الفكرة منذ لحظتها الأولى، عندما بدت أقرب إلى الخيال منها إلى مشروع يمكن تنفيذه على أرض الواقع.
حين يتحول المروجون إلى أكبر المنتقدين
الأكثر إحراجًا للمشروع أن الانتقادات لم تعد تصدر من الخارج فقط، بل من شخصيات كانت جزءًا من منظومته.
فأنتوني فيفيس، الذي ساهم في المراحل الأولى لتطوير الفكرة، ظهر لاحقًا في مقابلة إعلامية ليصف النظام السعودي بأنه “استبدادي“، منتقدًا الطريقة التي تُفرض بها الحلول والقرارات داخل المملكة.
هذا التحول ليس تفصيلًا عابرًا، بل يكشف أن كثيرًا ممن انجذبوا إلى المشروع بسبب الرواتب الضخمة والوعود غير المحدودة، خرجوا لاحقًا بصورة مختلفة تمامًا، بعد أن اصطدموا بطريقة إدارة المشاريع وآلية اتخاذ القرار.
وخلال السنوات الأخيرة، تكررت شهادات مشابهة من موظفين ومستشارين سابقين تحدثوا عن بيئة يغيب عنها النقاش المهني الحقيقي، ويصبح فيها المطلوب تنفيذ الرؤية لا اختبار قابليتها للتطبيق.
وعندما تأتي هذه الشهادات من أشخاص كانوا جزءًا من المشروع، فإنها تكتسب وزنًا أكبر من أي انتقاد خارجي.
مدينة المستقبل التي اصطدمت بالواقع
اليوم، وبعد سنوات من إطلاق “ذا لاين”، تبدو الفجوة بين الوعود والواقع أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
فالمدينة التي قيل إنها ستمتد بطول 170 كيلومترًا، وتستوعب ملايين السكان خلال سنوات قليلة، أصبحت تخضع لمراجعات متكررة، بينما تتحدث تقارير دولية عن تقليص مراحل التنفيذ، وإعادة ترتيب الأولويات، وتأجيل أجزاء واسعة من المشروع بسبب ضغوط التمويل.
ولم تعد الأسئلة تدور حول موعد الإنجاز، بل حول مدى إمكانية تنفيذ الفكرة بالشكل الذي رُوّج له أصلًا.
فكل مشروع يحتاج إلى توازن بين الطموح والواقعية، لكن عندما يختفي هذا التوازن، تتحول الرؤية إلى عبء مالي وإداري، وتصبح محاولة الحفاظ على الصورة الدعائية أهم من معالجة المشكلات الحقيقية.
ولهذا لم يعد “ذا لاين” يُناقش عالميًا باعتباره مشروع القرن، بل باعتباره أحد أكثر المشاريع إثارة للجدل في تاريخ التخطيط العمراني الحديث.
حين يصبح “الإمبراطور العاري” وصفًا لمشروع كامل
تشبيه “ذا لاين” بقصة “الإمبراطور العاري“ لم يعد مجرد استعارة أدبية، بل أصبح توصيفًا يتكرر في أحاديث من عملوا داخل المشروع.
ففي تلك القصة الشهيرة، لم يكن أحد يجرؤ على قول الحقيقة خوفًا من السلطة، حتى استمرت الخدعة أمام الجميع.
وهذا ما يرى كثير من المنتقدين أنه حدث داخل نيوم؛ حيث تحولت المبالغة في الوعود إلى سياسة، وأصبح التشكيك في قابلية التنفيذ أمرًا غير مقبول، بينما استمرت المليارات في التدفق على مشاريع لم تكن قد تجاوزت مرحلة التصورات.
والنتيجة أن المشروع الذي قُدم باعتباره أيقونة المستقبل، أصبح يواجه اليوم أسئلة أكثر مما يقدم إجابات، بينما تتزايد الشهادات التي تؤكد أن المشكلة لم تكن في نقص الإمكانات، بل في غياب الواقعية منذ اللحظة الأولى.
ذا لاين من أعجوبة معمارية إلى درس في مخاطر صناعة الأوهام
تكشف التصريحات الأخيرة أن أزمة “ذا لاين” ليست أزمة هندسية فقط، بل أزمة نموذج كامل يقوم على تضخيم الطموحات، وتهميش الاعتراض المهني، وربط المشاريع بإرادة سياسية لا تقبل التشكيك.
قد تستمر أعمال البناء، وقد تُنفق مليارات إضافية في محاولة لإنقاذ المشروع، لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها أن الصورة التي بُنيت حول “ذا لاين” بدأت تتآكل من الداخل، على ألسنة من شاركوا في صناعتها.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يواجه أي مشروع ليس نقص التمويل، بل فقدان الثقة. وعندما يبدأ مهندسو المشروع أنفسهم في التشكيك بواقعيته، فإن الأزمة لم تعد في الخرسانة والزجاج، بل في الفكرة التي بُني عليها المشروع منذ يومه الأول.






