من صندوق الثروة إلى صندوق الإنقاذ لماذا أصبح المال الحكومي آخر محركات الاقتصاد السعودي؟

من صندوق الثروة إلى صندوق الإنقاذ لماذا أصبح المال الحكومي آخر محركات الاقتصاد السعودي؟

لم يعد السؤال المطروح اليوم هو حجم الأصول التي يديرها صندوق الاستثمارات العامة السعودي أو احتياطيات البنك المركزي، بل مصدر هذا النمو، وقدرته على الاستمرار في ظل الضغوط المالية المتزايدة. فالتقارير الدولية الأخيرة ترسم صورة مختلفة تمامًا عن الرواية الرسمية التي تتحدث عن نجاح استثنائي في بناء أكبر صندوق سيادي في العالم وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط. إذ تكشف الأرقام أن الجزء الأكبر من نمو أصول الصندوق لم يأتِ من استثمارات ناجحة أو أرباح استثنائية، وإنما من تحويلات حكومية مباشرة، ونقل حصص من أرامكو، والتوسع في الاقتراض، بينما بدأ البنك المركزي في الوقت نفسه سحب مليارات الدولارات من مديري الأصول العالميين في خطوة تعكس إعادة ترتيب الأولويات المالية والبحث عن سيولة أكبر.

هذه التطورات لا تبدو منفصلة عن بعضها، بل تمثل حلقات في سلسلة واحدة عنوانها الرئيسي أن نموذج التمويل الذي اعتمدت عليه رؤية 2030 يواجه اختبارًا صعبًا. فالاقتصاد الذي كان يُفترض أن يصبح أكثر استقلالًا عن الدولة، أصبح يعتمد عليها بصورة أكبر، والصندوق الذي كان يُفترض أن يمول المستقبل بعوائد استثماراته، أصبح يعتمد بصورة متزايدة على ضخ الأموال العامة والاقتراض للحفاظ على وتيرة الإنفاق.

أصول تتضخم لكن من أين جاء هذا التضخم؟

الوصول إلى أصول تقدر بنحو 1.2 تريليون دولار يبدو في ظاهره إنجازًا ضخمًا، لكنه يفقد كثيرًا من بريقه عندما تُفحص مكونات هذا النمو.

فبحسب البيانات المنشورة، فإن الجزء الأكبر من الزيادة لم يكن نتيجة نجاح استثماري، بل جاء عبر تحويل الحكومة حصصًا ضخمة من أسهم أرامكو إلى الصندوق، إلى جانب توسع واضح في إصدار السندات والاقتراض.

بمعنى آخر، فإن الأرقام الضخمة لا تعكس بالضرورة أرباحًا استثمارية، بل تعكس إعادة توزيع للأصول داخل الدولة، مع إضافة ديون جديدة إلى ميزانية الصندوق.

وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كان النمو يعتمد أساسًا على نقل أصول حكومية واقتراض إضافي، فأين هي العوائد الاستثمارية التي كان يُفترض أن تصبح المحرك الرئيسي للصندوق بعد سنوات من الإنفاق العالمي؟

إن تضخم الميزانية شيء، والقدرة على تحقيق أرباح مستدامة شيء آخر تمامًا، والتقارير الأخيرة تشير إلى أن الفجوة بين الاثنين لا تزال واسعة.

البنك المركزي يسحب أمواله إشارة لا يمكن تجاهلها

في الوقت نفسه، جاء قرار البنك المركزي السعودي بسحب مليارات الدولارات من بعض أكبر مديري الأصول العالميين ليضيف مؤشرًا آخر على تغير المزاج المالي داخل المملكة.

ورغم أن إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية أمر طبيعي في عالم المال، فإن توقيت هذه الخطوة، وحجم الأموال المسحوبة، وكونها بدأت حتى قبل الحرب الإقليمية الأخيرة، يعكس أن المؤسسة النقدية السعودية أصبحت أكثر ميلًا إلى السيولة والأدوات الأقل مخاطرة.

فالانتقال نحو أدوات الدخل الثابت والاستثمارات الأعلى سيولة يوحي بأن الحفاظ على القدرة المالية الفورية أصبح أولوية تتقدم على السعي وراء عوائد طويلة الأجل.

وهذا التحول يحمل دلالة مهمة؛ فحين تبدأ المؤسسات المالية الكبرى في تفضيل السيولة على التوسع الاستثماري، فإنها غالبًا ما تستعد لمرحلة تتوقع فيها ارتفاع الضغوط أو زيادة الحاجة إلى التمويل.

الدولة تمول الدولة والاقتصاد يدور في دائرة مغلقة

أحد أكثر المشاهد إثارة للانتباه في التجربة السعودية الحالية هو أن الدولة أصبحت تمول نفسها بنفسها.

الحكومة تنقل أصولًا إلى صندوق الاستثمارات العامة، والصندوق يقترض لتمويل المشاريع، والبنك المركزي يعيد ترتيب احتياطياته لتوفير سيولة أكبر، بينما تستمر المشاريع العملاقة في استهلاك عشرات المليارات دون أن تحقق حتى الآن عوائد قادرة على تخفيف هذا الضغط.

وهكذا تدور المنظومة الاقتصادية داخل دائرة مغلقة؛ فالنفط يمول الحكومة، والحكومة تمول الصندوق، والصندوق يمول المشاريع، ثم تعود الحاجة إلى مزيد من الاقتراض أو نقل الأصول كلما اتسعت الفجوة بين الإنفاق والعائد.

هذا النموذج قد ينجح في الحفاظ على النشاط لفترة، لكنه يثير تساؤلات جدية حول استدامته إذا استمرت أسعار النفط في التقلب، أو إذا تراجعت قدرة الدولة على ضخ مزيد من الأموال.

المشاريع العملاقة استثمارات أم التزامات مفتوحة؟

منذ إطلاق رؤية 2030، راهنت القيادة السعودية على مشاريع غير مسبوقة مثل نيوم، والقدية، والبحر الأحمر، إضافة إلى استثمارات ضخمة في الرياضة، والتكنولوجيا، والألعاب الإلكترونية.

لكن بعد سنوات من الإنفاق، بدأت التقارير الدولية تتحدث بصورة متزايدة عن مراجعة المشاريع، وتقليص بعضها، وتأجيل أجزاء أخرى، وإعادة تقييم أولويات الإنفاق.

وإذا أضيفت إلى ذلك فاتورة الدفاع المتزايدة، ومشاريع البنية التحتية الأمنية، والعجز المستمر في الميزانية، فإن الضغط على الموارد المالية يصبح أكثر وضوحًا.

فالمشكلة لم تعد في إطلاق مشاريع جديدة، بل في القدرة على تمويلها حتى نهايتها دون استنزاف متواصل للمال العام.

رؤية 2030 بين الطموح والقدرة المالية

كان الهدف المعلن هو بناء اقتصاد يقوده القطاع الخاص والاستثمارات المنتجة، بحيث يصبح صندوق الاستثمارات العامة مصدرًا للعوائد التي تمول التحول الاقتصادي.

لكن المؤشرات الحالية تعطي انطباعًا مختلفًا.

فالقطاع العام لا يزال هو المحرك الرئيسي، والدعم الحكومي ما زال المصدر الأكبر لنمو الصندوق، بينما يعتمد جزء معتبر من التمويل على أدوات الدين.

وهذا يعني أن الاقتصاد الجديد لم يتحرر بعد من الاعتماد على الدولة، بل أصبح أكثر التصاقًا بها.

فكلما احتاجت المشاريع إلى تمويل، تدخلت الحكومة. وكلما احتاج الصندوق إلى دعم، نُقلت إليه أصول جديدة أو توسع في الاقتراض. ومع مرور الوقت، يصبح من الصعب التمييز بين النمو الحقيقي والنمو الناتج عن إعادة تدوير الموارد داخل القطاع العام.

الاقتراض ليس أزمة لكن الاعتماد عليه قد يصبح كذلك

لا يوجد اقتصاد كبير يخلو من الاقتراض، لكن الفارق يكمن في الغاية والقدرة على السداد من خلال عوائد إنتاجية.

أما عندما يتحول الاقتراض إلى وسيلة مستمرة لسد الفجوات وتمويل المشاريع غير المكتملة، فإن المخاطر تتراكم تدريجيًا.

فالديون تعني التزامات مستقبلية، وكل ريال يُقترض اليوم يجب أن يُسدد غدًا، مع فوائده.

وإذا لم تحقق المشاريع الممولة بهذه الديون العوائد المتوقعة، فإن العبء سينتقل إلى المالية العامة، ويزيد الضغط على الميزانية في السنوات المقبلة.

ولهذا فإن الاعتماد المتزايد على السندات والقروض لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد خيار تمويلي، بل باعتباره مؤشرًا على أن مصادر التمويل التقليدية لم تعد كافية وحدها.

اقتصاد يبحث عن الوقت أكثر مما يبحث عن الأرباح

تكشف التطورات الأخيرة أن الأولوية لم تعد تحقيق قفزات استثمارية كبرى، بل الحفاظ على استقرار المنظومة المالية وتأمين السيولة اللازمة لاستمرار المشاريع.

وهذا ما يفسر تحركات البنك المركزي، وإعادة هيكلة بعض استثمارات الصندوق، ومراجعة عدد من المبادرات العملاقة.

فالهدف أصبح شراء الوقت، على أمل أن تتحسن الظروف الاقتصادية وأسواق الطاقة والاستثمار العالمي، بما يسمح باستكمال المشاريع دون ضغوط إضافية.

لكن شراء الوقت ليس استراتيجية دائمة، لأن التحديات البنيوية ستبقى قائمة ما لم تبدأ الاستثمارات الجديدة في إنتاج عوائد تغطي كلفتها.

الرقم الأكبر ليس حجم الأصول بل حجم الاعتماد على الدولة

قد تستمر أصول صندوق الاستثمارات العامة في الارتفاع، وقد يواصل البنك المركزي إدارة احتياطياته بكفاءة، لكن القضية الأساسية لم تعد في حجم الأرقام، بل في مصدرها.

فحين يأتي معظم النمو من تحويلات حكومية واقتراض، يصبح السؤال الحقيقي: هل ينمو الصندوق بقوة السوق، أم بقوة خزينة الدولة؟

وهنا تكمن المفارقة التي تكشفها التقارير الدولية. فبعد سنوات من الحديث عن اقتصاد يقوده الاستثمار، تبدو الدولة اليوم هي المستثمر، والممول، والمقرض، والضامن، والمنقذ في الوقت نفسه.

وفي النهاية، فإن أخطر ما تواجهه التجربة الاقتصادية السعودية ليس انخفاض أسعار النفط أو تعثر مشروع بعينه، بل استمرار نموذج يعتمد على ضخ المال العام للحفاظ على صورة النجاح. لأن أي مشروع يستطيع أن ينمو إذا ظل يتلقى التمويل باستمرار، لكن النجاح الحقيقي يبدأ فقط عندما يصبح قادرًا على تمويل نفسه، وهي المرحلة التي لا تزال بعيدة عن كثير من مشاريع رؤية 2030.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية