من كوشنر إلى دفتر الشيكات كيف تحولت أموال السعودية إلى بوابة للنفوذ في واشنطن؟

من كوشنر إلى دفتر الشيكات كيف تحولت أموال السعودية إلى بوابة للنفوذ في واشنطن؟

كوشنر
كوشنر

لم تعد العلاقة بين السعودية وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تُقرأ فقط من زاوية التحالفات التقليدية أو صفقات السلاح، بل باتت ترتبط أيضًا بشبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية والشخصية، كان المال أحد أبرز أدواتها. وما كشفه الوثائقي الذي بثته شبكة PBS الأمريكية يعيد تسليط الضوء على جانب حساس من هذه العلاقة، يتمثل في الكيفية التي سعت بها حكومة محمد بن سلمان إلى تعزيز نفوذها داخل الدائرة المقربة من ترامب، عبر الاستثمار في الأشخاص قبل المؤسسات.

وبحسب ما عرضه الوثائقي، فقد اعتُبر جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره، البوابة الأكثر تأثيرًا للوصول إلى البيت الأبيض، الأمر الذي دفع الرياض إلى التركيز على بناء علاقة وثيقة معه، مدعومة باستثمارات ضخمة استهدفت ولايات تُعد معاقل انتخابية للحزب الجمهوري.

السياسة تُدار بالأموال لا بالدبلوماسية

تكشف هذه الرواية تحولًا لافتًا في أسلوب إدارة العلاقات الخارجية السعودية خلال السنوات الأخيرة. فبدل الاكتفاء بالقنوات الدبلوماسية التقليدية، أصبح الاستثمار المالي وسيلة رئيسية لبناء النفوذ السياسي داخل الولايات المتحدة.

ولم يعد الأمر يقتصر على شراء الأسلحة أو توقيع الاتفاقيات التجارية، بل امتد إلى ضخ الأموال في مشاريع واستثمارات داخل بيئات سياسية بعينها، بما يعزز العلاقات مع مراكز النفوذ وصناع القرار.

هذا النهج يعكس قناعة بأن النفوذ في واشنطن يمكن تعزيزه عبر المصالح الاقتصادية المباشرة، حتى وإن تطلب ذلك توظيف أموال الصندوق السيادي في مشاريع تتجاوز الاعتبارات الاستثمارية البحتة.

المال العام في خدمة الحسابات السياسية

يثير هذا المسار تساؤلات واسعة حول طبيعة الأولويات التي تحكم إدارة الموارد المالية السعودية.

ففي الوقت الذي تواجه فيه المملكة تحديات اقتصادية داخلية، وعجوزات متكررة في الميزانية، وتقليصًا لبعض المشاريع، وتوسعًا في الاقتراض، تظهر تقارير متلاحقة تتحدث عن استثمارات ضخمة ارتبطت باعتبارات سياسية أكثر من ارتباطها بالعائد الاقتصادي المباشر.

ويرى منتقدون أن استخدام الأموال العامة لبناء النفوذ السياسي في الخارج يحمّل الاقتصاد السعودي أعباء إضافية، خصوصًا عندما تكون العوائد الاستثمارية غير واضحة، أو عندما تتداخل المصالح السياسية مع قرارات الصندوق السيادي.

تحالف الأشخاص مخاطرة استراتيجية

تكمن خطورة هذا النهج في أنه يربط مصالح دولة بأكملها بعلاقات شخصية مع مسؤولين قد يغادرون مناصبهم مع تغير الإدارات.

فالاستثمار في أفراد، مهما بلغت مكانتهم، لا يضمن استمرارية النفوذ، لأن المشهد السياسي الأمريكي يتغير بصورة مستمرة، وتتعاقب الإدارات، وتتبدل الأولويات.

ولهذا، فإن بناء العلاقات الخارجية على أساس شخصي أكثر منه مؤسسي قد يجعل الدولة مضطرة إلى إعادة بناء شبكات نفوذها مع كل تغيير سياسي في واشنطن، وهو ما يزيد من كلفة هذا النهج على المدى الطويل.

صورة تكشف أولويات المرحلة

ما يورده الوثائقي لا يقدم مجرد رواية عن علاقة سياسية، بل يرسم صورة لأسلوب إدارة النفوذ الذي اتبعته القيادة السعودية خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبح المال أداة أساسية لتعزيز الحضور السياسي في الخارج.

لكن هذا الأسلوب يثير في المقابل أسئلة حول مدى توافقه مع مصالح الدولة طويلة الأمد، وحول كلفة تحويل الصندوق السيادي إلى وسيلة لتحقيق أهداف سياسية خارجية، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد المحلي إلى استثمارات تحقق قيمة مضافة مستدامة.

وفي النهاية، فإن النفوذ الذي يُبنى على تدفق الأموال قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه يبقى رهينًا بتغير المصالح والوجوه السياسية. أما النفوذ المستدام، فيُبنى على قوة المؤسسات، ومتانة الاقتصاد، واستقلال القرار، وهي عناصر لا يمكن تعويضها مهما بلغ حجم “دفتر الشيكات”.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية