صندوق ابن سلمان يواصل حرق المليارات.. لوسيد تتحول إلى حفرة مالية بلا قاع

صندوق ابن سلمان يواصل حرق المليارات.. لوسيد تتحول إلى حفرة مالية بلا قاع

بن سلمان
بن سلمان

في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة السعودية عن ترشيد الإنفاق، وإعادة ترتيب الأولويات، وتقليص عدد من المشاريع العملاقة بسبب الضغوط المالية، يواصل صندوق الاستثمارات العامة ضخ مئات الملايين من الدولارات في شركة لوسيد موتورز، رغم استمرار خسائرها التشغيلية، وتراجع أداء سهمها، وفشلها حتى الآن في إثبات قدرتها على التحول إلى شركة تحقق أرباحًا بصورة مستدامة.

فبحسب ما أورده موقع TipRanks، اضطرت لوسيد إلى سحب 800 مليون دولار جديدة من تسهيل ائتماني مدعوم من شركة تابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، في خطوة تعكس استمرار اعتماد الشركة على التمويل السعودي للبقاء، بدلًا من الاعتماد على إيراداتها التجارية أو قدرتها على جذب استثمارات مستقلة من السوق.

وتأتي هذه الخطوة في وقت فقد فيه سهم الشركة نحو 16.7% من قيمته، بينما جاءت تسليمات الربع الثاني أقل من توقعات المحللين، مع استمرار الشكوك حول قدرة الإدارة الجديدة على وضع استراتيجية تنقل الشركة من مرحلة استنزاف السيولة إلى تحقيق الاستدامة المالية.

استثمار بلا نهاية ونتائج لا تتغير

عندما استثمر الصندوق السيادي السعودي لأول مرة في لوسيد، قُدمت الصفقة باعتبارها رهانًا استراتيجيًا على مستقبل صناعة السيارات الكهربائية، وبوابة لنقل التكنولوجيا إلى المملكة، وبناء صناعة محلية قادرة على المنافسة عالميًا.

لكن بعد سنوات من ضخ المليارات، لا تزال الشركة تعتمد على الدعم المالي السعودي كلما واجهت أزمة سيولة.

فبدل أن تصبح لوسيد شركة تمول نفسها من مبيعاتها، تحولت إلى شركة تعود باستمرار إلى الصندوق السعودي كلما احتاجت إلى أموال جديدة، في مشهد يثير تساؤلات متزايدة حول حدود هذا الدعم، وما إذا كان الاستثمار لا يزال يستند إلى منطق اقتصادي، أم أصبح محاولة لتأجيل الاعتراف بفشل الرهان.

كل سيارة تُباع تعني خسارة جديدة

تكمن المشكلة الأساسية في أن الأزمة لا ترتبط فقط بتراجع سعر السهم، بل بالنموذج التشغيلي نفسه.

فالشركة لا تزال تواجه صعوبة في تحقيق حجم إنتاج ومبيعات يسمح بتغطية تكاليفها، فيما يشير محللون إلى أن الإدارة الجديدة لم تقدم حتى الآن رؤية واضحة لكيفية تحويل الشركة إلى مشروع مربح.

ومع استمرار انخفاض التسليمات عن التوقعات، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إلى متى سيستمر الصندوق في تمويل شركة لم تثبت بعد قدرتها على الوقوف على قدميها؟

فالاستثمار بطبيعته يقوم على ضخ رأس المال لتحقيق عائد مستقبلي، أما عندما يتحول إلى عمليات إنقاذ متكررة، فإنه يبدأ بفقدان صفته الاستثمارية، ويقترب أكثر من كونه دعمًا ماليًا مفتوحًا.

المفارقة السعودية

ما يزيد المشهد تناقضًا أن ضخ هذه الأموال يأتي في مرحلة تشهد فيها المملكة مراجعة واسعة لسياساتها المالية.

فقد جرى تأجيل مشاريع، وإلغاء أخرى، وإعادة تقييم خطط الإنفاق، مع تصاعد الحديث عن العجز المالي، وزيادة الاقتراض، والحاجة إلى رفع كفاءة استخدام الموارد.

لكن في المقابل، تستمر المليارات في التدفق إلى شركة أجنبية تواجه صعوبات متزايدة، دون أن تظهر مؤشرات واضحة على اقترابها من تحقيق أرباح أو تقليل اعتمادها على التمويل السعودي.

وهنا يبرز التساؤل الذي يطرحه كثير من المراقبين: إذا كانت الحكومة تطالب المواطنين والقطاع الخاص بتحمل تبعات الإصلاح المالي، فلماذا لا يخضع هذا النوع من الاستثمارات للمراجعة الصارمة نفسها؟

هل أصبح الصندوق ممولًا للخسائر؟

كان من المفترض أن يتحول صندوق الاستثمارات العامة إلى أحد أكبر الصناديق السيادية تحقيقًا للعوائد، وأن يقود تنويع الاقتصاد السعودي عبر استثمارات عالية القيمة.

لكن عدداً متزايدًا من التقارير الدولية بدأ يتحدث عن استثمارات تستنزف السيولة أكثر مما تحقق الأرباح، سواء في بعض المشاريع العملاقة أو في شركات مثل لوسيد.

ومع كل جولة تمويل جديدة، تتراجع القناعة بأن الشركة تقترب من نقطة التعادل، بينما يزداد الانطباع بأن الصندوق أصبح يؤدي دور “المنقذ الأخير”، الذي يمنع الانهيار دون أن ينجح في تحقيق التحول المطلوب.

الرهان الذي يزداد كلفة

قد يكون الاستثمار في التقنيات المستقبلية خيارًا مشروعًا، لكن الإصرار على ضخ المزيد من الأموال في مشروع لم يثبت جدواه الاقتصادية يحمل مخاطر متزايدة.

فكل تمويل جديد يعني زيادة حجم التعرض للمخاطر، ويجعل تكلفة التراجع عن الاستثمار أعلى بكثير في المستقبل.

كما أن استمرار هذا النهج يثير أسئلة حول آليات تقييم الأداء داخل الصندوق، ومدى وجود حدود واضحة للاستمرار في تمويل المشاريع المتعثرة.

المشكلة ليست في لوسيد وحدها

تكشف قضية لوسيد نمطًا أوسع في السياسة الاستثمارية السعودية خلال السنوات الأخيرة، حيث جرى ضخ مبالغ هائلة في مشاريع وشركات تحمل وعودًا كبيرة، لكن كثيرًا منها واجه لاحقًا تحديات في تحقيق العوائد المتوقعة.

وفي ظل الضغوط المالية المتزايدة، وارتفاع الدين العام، واتساع الاعتماد على الاقتراض، تصبح الحاجة أكثر إلحاحًا إلى مراجعة الاستثمارات التي تستنزف الموارد دون أن تقدم نتائج تتناسب مع حجم الأموال التي ضُخت فيها.

وفي النهاية، لم يعد السؤال يدور حول ما إذا كانت لوسيد ستنجح يومًا ما، بل حول حجم الكلفة التي سيدفعها الصندوق السيادي السعودي قبل الوصول إلى تلك اللحظة، إن وصلت أصلًا. فاستمرار ضخ مئات الملايين من الدولارات في شركة تخسر على مستوى التشغيل، ويتراجع سهمها، وتعتمد على التمويل السعودي للبقاء، يجعل الاستثمار يبدو أقرب إلى محاولة لإبقاء المشروع على قيد الحياة، لا إلى رهان اقتصادي ناجح يحقق القيمة التي وُعد بها.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية