لسنوات، استطاعت سوق الأسهم السعودية أن تقدم الاكتتاب العام باعتباره واحدًا من أكثر الأبواب جاذبية للمستثمر المحلي: شركات تُطرح بتقييمات مشجعة، طلب مرتفع، وسيولة تبحث عن فرصة، وفي حالات بارزة كانت الشركات الحكومية وشبه الحكومية تُسعّر بطريقة تترك للمكتتب مساحة واضحة لتحقيق مكاسب بعد الإدراج.
لكن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها.
وبحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى سيمافور، وصلت المشكلة إلى حد دفع هيئة السوق المالية السعودية إلى التحقيق مع بنوك استثمارية بشأن النصائح التي قدمتها للشركات الراغبة في بيع أسهمها للجمهور، بعد سلسلة من الأداء الضعيف للاكتتابات.
الأرقام تفسر القلق: نحو 100 شركة تنتظر الإدراج، ومع ذلك لم يُغلق أي اكتتاب كبير هذا العام. والأسوأ أن 10 من أصل 13 شركة أُدرجت خلال 2025 كان سعر سهمها في يناير أقل من سعر الطرح الأولي، وفق بيانات ANB كابيتال.
هذه ليست عثرة لشركة واحدة. عندما تخسر الأغلبية الساحقة من دفعة كاملة من الاكتتابات قيمتها مقارنة بسعر البيع للمستثمر، فإن السؤال ينتقل من أداء الشركات إلى الطريقة التي جرى بها تسعير السوق نفسها.
الهيئة تسأل البنوك: ماذا قلتم للشركات؟
الجزء الأكثر حساسية في تقرير سيمافور ليس انخفاض الأسهم، وإنما التحقيق نفسه.
فبحسب المصادر، يجري التدقيق في النصائح التي قدمتها البنوك الاستثمارية للشركات التي باعت أو تستعد لبيع أسهمها.
وهذا يضع عملية التسعير تحت المجهر.
البنك الذي يدير الاكتتاب يقع بين طرفين لهما مصلحتان مختلفتان: الشركة تريد أعلى تقييم ممكن لتحصل على أكبر قدر من المال مقابل الأسهم التي تبيعها، بينما المستثمر يريد سعرًا يترك له فرصة لتحقيق عائد معقول.
إذا مال الميزان أكثر من اللازم إلى مصلحة البائع، يمكن إنجاح الاكتتاب يوم الطرح، لكن السوق الثانوية ستصدر حكمها لاحقًا.
ويبدو أن هذا الحكم كان قاسيًا في عدد كبير من إدراجات 2025.
10 من 13 تحت سعر الاكتتاب
هذه النسبة وحدها كافية لتفسير تراجع الحماس.
المستثمر لا يدخل الاكتتاب من باب المجاملة للشركة أو البنك الذي يدير الصفقة. هو يضع أمواله لأنه يتوقع عائدًا.
وعندما يرى أن 10 شركات من أصل 13 أصبحت قيمتها أقل من السعر الذي طلب من المستثمرين دفعه عند الطرح، تبدأ ذاكرة السوق في التغير.
الاكتتاب الذي كان يُنظر إليه باعتباره فرصة يصبح مخاطرة.
والسؤال الذي كان: «كم سيكون ارتفاع السهم في أول يوم؟» يتحول إلى: «لماذا أشتري الآن إذا كان بإمكاني شراء السهم لاحقًا بسعر أقل؟»
وهذه النقلة النفسية شديدة الخطورة على سوق الاكتتابات.
انتهى زمن الربح شبه المضمون
يلفت تقرير سيمافور إلى جانب مهم من تاريخ السوق السعودية.
لسنوات، استفاد المستثمرون من إدراجات، خصوصًا لشركات حكومية، كانت أسعارها جذابة نسبيًا، ما جعل بعض الاكتتابات تبدو كأنها فرصة شبه مضمونة لتحقيق الربح.
لكن هذه البيئة نفسها ربما صنعت مشكلة لاحقة.
فحين يعتاد المستثمر على المكسب السريع، ثم تأتي موجة من الشركات بتقييمات أكثر طموحًا ولا تحقق الأداء نفسه، تكون ردة الفعل قوية.
والسوق اليوم يبدو أقل استعدادًا لتصديق أن مجرد وضع كلمة «اكتتاب» أمام شركة يعني أن شراء سهمها صفقة رابحة.
وهذا في حد ذاته ليس أمرًا سيئًا. السوق الناضجة لا يفترض أن تضمن الربح لكل اكتتاب.
المشكلة هي الانتقال من مبالغة في التفاؤل إلى فقدان الثقة في التسعير.
100 شركة تنتظر لكن من سيشتري؟
هنا تصبح الأزمة أكبر من المستثمر الذي خسر في سهم.
هناك نحو 100 شركة في طابور الإدراج.
أي أن المملكة تمتلك خط أنابيب ضخمًا من الشركات التي تريد جمع الأموال من السوق.
لكن وجود الشركات الراغبة في البيع لا يعني وجود مستثمرين مستعدين للشراء بأي سعر.
وإذا أصبحت الإدراجات السابقة تحذيرًا بدل أن تكون دعاية للاكتتابات الجديدة، فقد تضطر الشركات المقبلة إلى واحد من ثلاثة خيارات: خفض تقييماتها، أو تأجيل الإدراج، أو قبول طرح حصة أصغر بشروط أقل جاذبية لها.
وفي الحالات الثلاث، تتلقى قصة «طفرة الاكتتابات» ضربة.
ولا اكتتاب كبير أُغلق هذا العام
هذه ربما تكون المفارقة الأوضح.
هناك عشرات الشركات التي تنتظر الوصول إلى السوق، وفي المقابل لم يتم إغلاق اكتتاب كبير خلال العام حتى الآن، وفق سيمافور.
أي أن المشكلة ليست نقص المعروض.
المشكلة أن المعروض لا يتحول بسهولة إلى صفقات مكتملة.
وفي أسواق رأس المال، الفارق بين «لدينا 100 شركة تستعد للإدراج» و«نجحنا في إدراجها» هائل.
الأولى قائمة أمنيات.
الثانية أموال حقيقية دفعها مستثمرون.
هل بالغت الشركات في تقييم نفسها؟
التحقيق مع البنوك يفتح هذا السؤال مباشرة.
في سنوات الانتعاش، يمكن للشركة أن تنظر إلى ارتفاع السوق والسيولة الوفيرة والإقبال على الاكتتابات ثم تطلب تقييمًا مرتفعًا.
البنك أيضًا يريد الفوز بتفويض إدارة الصفقة، وقد تصبح هناك منافسة بين المستشارين على تقديم التقييم الأكثر إرضاءً للعميل.
لكن السوق لا يهتم بالعروض التقديمية إلى الأبد.
بعد الإدراج تبدأ الأرباح والإيرادات والنمو والتدفقات النقدية في تحديد السعر.
وإذا هبطت أغلبية الشركات تحت أسعار الطرح، فإن أحد الاحتمالات الواضحة هو أن السعر الأول كان متفائلًا أكثر مما ينبغي.
المستثمر الصغير هو من يدفع ثمن التقييم الخاطئ
عندما تبالغ شركة في تقييم نفسها داخل صفقة خاصة، يكون الطرف الآخر عادة مستثمرًا محترفًا يستطيع إجراء فحصه المالي والتفاوض على السعر.
أما في الاكتتابات العامة، فجزء من الأسهم يصل إلى الأفراد.
وهؤلاء يعتمدون بدرجة كبيرة على نشرة الإصدار، وعلى المؤسسات التي أدارت التسعير، وعلى وجود رقابة تضمن أن العملية تمت بصورة سليمة.
لذلك فإن التحقيق التنظيمي مهم.
فالسوق لا تحتاج فقط إلى مزيد من الإدراجات، وإنما إلى مستثمر يثق بأن السعر الذي يُعرض عليه ليس نتيجة سباق بين البنوك لإرضاء الشركة البائعة.
المشكلة تأتي في توقيت غير مريح لرؤية 2030
السعودية تريد سوق رأس مال أكبر وأكثر عمقًا.
فالتنويع الاقتصادي لا يمكن تمويله بالكامل من الحكومة وصندوق الاستثمارات والبنوك.
الشركات الخاصة تحتاج إلى جمع رأس المال من المستثمرين، والخصخصة تحتاج إلى سوق قادرة على استيعاب الأصول، والحكومة نفسها تريد زيادة دور القطاع الخاص.
وهنا تصبح سوق الاكتتابات أداة أساسية.
لكن هذه الأداة لا تعمل بلا ثقة.
وإذا كان المستثمر المحلي قد بدأ ينظر إلى الاكتتاب الجديد باعتباره سهمًا قد يشتريه بعد أشهر بخصم، فإن الدولة تواجه مشكلة تتجاوز المؤشر اليومي للبورصة.
المال أصبح مطلوبًا في كل مكان
المشهد أكثر حساسية لأن الاقتصاد السعودي يعيش أصلًا منافسة قوية على السيولة.
هناك مشاريع حكومية عملاقة، وشركات تابعة لصندوق الاستثمارات، وتمويل عقاري، ومراكز بيانات، وبنية تحتية، وإصدارات سندات وقروض، وشركات خاصة تريد التوسع.
الجميع يريد رأس المال.
وفي هذه البيئة، لا يستطيع سوق الاكتتابات أن يفترض أن المستثمر سيقبل أي تقييم يعرض عليه.
كل ريال يوضع في اكتتاب هو ريال يمكن أن يذهب إلى وديعة أو سند أو صندوق أو سهم قائم أو أصل آخر.
لذلك يجب أن يكون العائد المتوقع مقنعًا.
السوق بدأت تقول «لا»
وربما تكون هذه أهم خلاصة.
لسنوات كان من السهل الاحتفاء بعدد طلبات الاكتتاب وحجم التغطية باعتبارهما دليلًا على نجاح السوق.
لكن المستثمر أصبح أكثر انتقائية.
وهذا ليس فشلًا للسوق في حد ذاته؛ بل قد يكون علامة نضج.
الفشل سيكون إذا حاولت المؤسسات الاستمرار في بيع الشركات بتقييمات صنعتها ظروف حقبة انتهت.
فالتحقيق مع البنوك لا يستطيع إجبار المستثمرين على استعادة حماسهم.
الثقة ستعود فقط عندما يرى المكتتب أن السعر عادل، وأن الشركات القادمة ذات جودة، وأن المستشار الذي يحدد النطاق السعري لا يتعامل معه باعتباره الطرف الذي يمكن تحميله أقصى تقييم ممكن.
من «اكتتب واربح» إلى «اكتتب وتحمل الخسارة»
المفارقة أن النجاح القديم للاكتتابات السعودية ربما جعل الأزمة الحالية أكثر وضوحًا.
المستثمر اعتاد نموذجًا كان الربح فيه شائعًا، خصوصًا عندما كانت بعض الأصول الحكومية تُطرح بأسعار جاذبة.
أما اليوم فقد انقلب المشهد: 10 من 13 إدراجًا في 2025 هبطت دون سعر الطرح بحسب الرقم المذكور في التقرير.
وإذا استمر هذا النمط، فإن مئة شركة في قائمة الانتظار لن تكون خبرًا إيجابيًا بالضرورة.
قد تصبح اختناقًا.
لأن كل شركة جديدة ستدخل السوق مطالبة بإقناع مستثمر تضررت ثقته من الشركات التي سبقتها.
وهنا يصبح التحقيق الذي تجريه هيئة السوق المالية أكثر من مراجعة لسلوك بعض البنوك. إنه اختبار لقدرة السوق السعودية على إصلاح آلية كانت إحدى واجهات ازدهارها المالي.
فالمملكة تريد مئة شركة جديدة في البورصة، لكنها تحتاج أولًا إلى شيء لا تستطيع هيئة السوق ولا البنوك الاستثمارية إصداره بقرار: مستثمر يصدق أن السعر الذي يُعرض عليه يستحق أن يدفعه.
وإذا كان المستثمر الذي اشترى غالبية اكتتابات الدفعة السابقة يستطيع اليوم شراء أسهمها بأقل مما دفع عند الطرح، فمن الطبيعي أن يسأل قبل الاكتتاب القادم:
لماذا أشتري من البنك بالسعر الذي يقترحه اليوم، إذا كانت تجربة السوق تقول لي إن الانتظار قد يمنحني الشركة نفسها بسعر أرخص غدًا؟






