لم تعد الضغوط المالية على السعودية محصورة في مؤشر واحد يمكن تفسيره باعتباره تقلبًا مؤقتًا في أسعار النفط. فالأرقام التي يجمعها تقرير Modern Diplomacy ترسم أربعة ضغوط تتحرك في الاتجاه نفسه: سعر نفط أدنى بكثير من المستوى المطلوب لموازنة المالية العامة، توزيعات أقل من أرامكو، تراجع السيولة النقدية لدى صندوق الاستثمارات العامة، وعجز بمليارات الدولارات ينتظر موازنة 2026.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، يتجاوز سعر التعادل النفطي للمملكة 90 دولارًا للبرميل وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، بينما دار الخام قرب 60–65 دولارًا خلال معظم العام الماضي. وفي الوقت نفسه، انخفضت توزيعات أرامكو بنحو الثلث إلى 84.5 مليار دولار في 2025، بينما تراجعت الاحتياطيات النقدية لصندوق الاستثمارات العامة إلى قرابة 15 مليار دولار بنهاية العام.
وفوق ذلك، يُتوقع أن تسجل موازنة 2026 عجزًا يقارب 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي، أو نحو 165 مليار ريال.
كل رقم من هذه الأرقام يمكن التعامل معه منفردًا. لكن وضعها معًا يكشف المشكلة الحقيقية: المملكة تحتاج إلى المال في اللحظة نفسها التي تتعرض فيها أهم قنوات تمويل طموحاتها للضغط.
أكثر من 90 دولارًا والسوق يعطي أقل بكثير
سعر التعادل النفطي لا يعني أن السعودية تخسر في استخراج النفط عندما ينخفض السعر عنه؛ تكلفة إنتاج أرامكو أقل بكثير. المقصود هو السعر التقريبي اللازم حتى تتوازن الإيرادات والمصروفات العامة وفق مستوى الإنفاق الحكومي.
وهنا تكمن المشكلة.
إذا احتاجت المالية العامة إلى نفط فوق 90 دولارًا بينما يدور السعر حول 60 أو 65 دولارًا لفترات ممتدة، فنحن نتحدث عن فجوة قد تصل إلى عشرات الدولارات في كل برميل.
ومع اقتصاد ما زال النفط يمثل مصدرًا محوريًا لإيراداته العامة، تصبح هذه الفجوة شديدة الأهمية.
رؤية 2030 كان يفترض أن تقلل حساسية المملكة لتقلبات النفط. لكن المفارقة أن تنفيذ الرؤية نفسها يتطلب إنفاقًا رأسماليًا هائلًا، ما يرفع مستوى الإيرادات المطلوبة لتمويل الدولة ومشروعاتها.
أي أن النفط الذي تريد المملكة تقليل الاعتماد عليه لا يزال مطالبًا بتمويل جزء كبير من عملية تقليل الاعتماد عليه.
أرامكو ماكينة التوزيعات لم تعد تدفع بالمعدل نفسه
الضربة الثانية تأتي من أرامكو.
بحسب التقرير، انخفضت توزيعات الشركة بنحو الثلث إلى 84.5 مليار دولار خلال 2025.
ولا يعني 84.5 مليار دولار رقمًا صغيرًا بأي مقياس. لكن القضية هي اتجاه الحركة ومن يعتمد على هذه الأموال.
الحكومة السعودية هي المستفيد الأكبر بصورة مباشرة وغير مباشرة من توزيعات أرامكو، وبالتالي فإن انخفاضها يضغط على التدفقات المالية المتاحة للمنظومة الحكومية.
وعندما تقل الأموال القادمة من أهم أصل اقتصادي في المملكة في الوقت الذي تستمر فيه فاتورة المشاريع الكبرى، تظهر المعضلة سريعًا: إما تخفيض الإنفاق، أو البحث عن إيرادات أخرى، أو بيع أصول، أو زيادة الاقتراض.
ولا يوجد خيار مجاني بينها.
صندوق الاستثمارات: أصول هائلة.. لكن النقد قصة أخرى
ربما يكون رقم 15 مليار دولار الأكثر إثارة للاهتمام.
فصندوق الاستثمارات العامة يمتلك محفظة هائلة من الأصول، لكن حجم الأصول شيء والسيولة النقدية المتاحة شيء آخر تمامًا.
لا تستطيع دفع فاتورة مقاول أو تمويل شركة ناشئة أو تغطية احتياجات مشروع ضخم بقيمة أصل عقاري على الورق.
تحتاج إلى نقد.
وإذا كانت الاحتياطيات النقدية للصندوق قد تراجعت إلى نحو 15 مليار دولار بنهاية العام كما يورد التقرير، فإن الرقم يسلط الضوء على مقدار رأس المال الذي تستهلكه الاستراتيجية الاستثمارية المحلية.
الصندوق مطالب بتمويل أو دعم مجموعة ضخمة من المشاريع والشركات، من نيوم والسياحة والعقارات إلى الرياضة والألعاب والسيارات الكهربائية والتعدين والذكاء الاصطناعي.
وهذه المشاريع لا تحقق جميعها تدفقات نقدية فورية.
بعضها يحتاج إلى سنوات وربما عقود.
وهنا تظهر مشكلة «الأصول الغنية والسيولة الضيقة»
قد يكون لديك مئات المليارات من الأصول، لكنك تضطر مع ذلك إلى الاقتراض.
لا يوجد تناقض محاسبي في ذلك.
لكن عندما تتراجع السيولة بينما تتزايد الالتزامات، تصبح إدارة التدفقات النقدية أكثر حساسية.
والصندوق أمام خيارات واضحة: تسييل بعض الاستثمارات، أو إدخال شركاء، أو إصدار المزيد من الدين، أو إعادة ترتيب المشاريع وتأجيل الأقل أولوية.
وقد بدأت بالفعل خلال السنوات الأخيرة تظهر إشارات إلى إعادة ترتيب الأولويات وتقليص أو إعادة جدولة بعض الطموحات.
وهذا ليس مفاجئًا.
المفاجئ كان سيكون الاعتقاد بإمكانية تمويل كل شيء في الوقت نفسه إلى ما لا نهاية.
165 مليار ريال عجزًا
ثم تأتي الموازنة.
عجز متوقع بنحو 165 مليار ريال، أي قرابة 44 مليار دولار، ليس إعلان إفلاس ولا يعني أن السعودية عاجزة عن الاقتراض. المملكة تمتلك أصولًا ضخمة وقدرة معتبرة على الوصول إلى أسواق الدين.
لكن العجز يعني شيئًا أكثر بساطة: الدولة تنفق أكثر مما تجمع.
وإذا كان العجز جزءًا من سياسة مؤقتة لتمويل استثمارات ترفع النمو والإيرادات مستقبلًا، فقد يكون اقتصاديًا قابلًا للدفاع.
أما السؤال فهو ماذا يحدث إذا أصبح العجز مستمرًا، وأسعار النفط بقيت أقل من مستوى التعادل، وتراجعت توزيعات أرامكو، واستمرت المشاريع الكبرى في طلب رأس المال؟
عندها يبدأ الدين في سد الفجوة عامًا بعد عام.
الرؤية تدخل المرحلة التي لا تكفي فيها الإعلانات
خلال المرحلة الأولى من رؤية 2030، كان الإعلان عن مشروع جديد بحد ذاته خبرًا عالميًا.
مدينة جديدة.
منتجع جديد.
شركة طيران.
مصنع سيارات.
دوري رياضي.
مشروع ألعاب.
مراكز بيانات.
لكن الاقتصاد يصل في النهاية إلى مرحلة مختلفة تمامًا: من سيدفع؟
ثم يأتي السؤال الأصعب: ماذا سيعيد المشروع مقابل ما دُفع فيه؟
فالاستثمارات ليست إنجازًا ماليًا بمجرد إنفاق الأموال عليها.
النجاح يأتي عندما تتحول إلى شركات مربحة، ووظائف منتجة، وصادرات وإيرادات ضريبية وتدفقات نقدية تستطيع تمويل المرحلة التالية من النمو.
كل الطرق بدأت تقود إلى الاقتراض
عندما يقل النفط عن مستوى التعادل، وتنخفض توزيعات أرامكو، وتتراجع السيولة لدى الصندوق، بينما تستمر الحكومة في الإنفاق، يصبح الدين الحل الأكثر وضوحًا.
لكن الاقتراض ليس إيرادًا.
إنه نقل للفاتورة إلى المستقبل.
يمكن أن يكون ممتازًا عندما يُستخدم لتمويل أصل ينتج عائدًا أعلى من تكلفة الدين.
ويصبح مشكلة عندما يُستخدم باستمرار لتغطية مشاريع لا تنتج التدفقات النقدية المتوقعة.
لهذا لا يكفي النظر إلى نسبة الدين الحالية والقول إنها ما زالت قابلة للإدارة. يجب النظر أيضًا إلى سرعة ارتفاع الدين وحجم الالتزامات المستقبلية التي لم تُموَّل بعد.
المعادلة أصبحت أكثر قسوة
ضع الأرقام الأربعة بجوار بعضها:
سعر التعادل فوق 90 دولارًا.
نفط أقل بكثير من ذلك لفترات طويلة.
توزيعات أرامكو تهبط إلى 84.5 مليار دولار.
سيولة صندوق الاستثمارات عند نحو 15 مليارًا وفق التقرير.
وعجز متوقع بنحو 165 مليار ريال.
هذه ليست أربعة أخبار منفصلة.
إنها أجزاء من معادلة تمويل واحدة.
فالحكومة تحتاج إلى الأموال، وأرامكو ترسل أقل، والصندوق يحتاج إلى المحافظة على سيولته، والموازنة تسجل عجزًا، بينما قائمة المشاريع لا تزال ضخمة.
الاختبار لم يعد القدرة على الإنفاق بل القدرة على الاستمرار
السعودية أثبتت خلال السنوات الماضية شيئًا لا يحتاج إلى مزيد من البرهنة: تستطيع إنفاق مبالغ هائلة.
السؤال الجديد مختلف.
هل تستطيع المحافظة على هذا المستوى من الإنفاق عندما تصبح البيئة النفطية أقل سخاءً؟
هذا هو الاختبار الحقيقي لرؤية 2030.
فإذا استطاعت القطاعات غير النفطية والمشاريع الجديدة البدء في إنتاج تدفقات مالية كبيرة ومستدامة، يمكن النظر إلى العجوزات الحالية باعتبارها تكلفة انتقال.
أما إذا ظلت المشاريع تحتاج إلى رأس مال جديد أسرع مما تنتجه من عوائد، فستصبح الدولة أمام خيارات أصعب: مزيد من الدين، أو مزيد من بيع الأصول، أو ضرائب ورسوم أعلى، أو تقليص المشاريع وتأجيلها.
وفي النهاية، المشكلة التي تكشفها هذه الأرقام ليست أن السعودية ستفلس؛ هذه مبالغة لا تدعمها الأرقام المذكورة.
المشكلة أكثر واقعية وأهمية: هامش الإنفاق الذي سمح بإطلاق عشرات المشاريع العملاقة في وقت واحد أصبح أضيق.
والسؤال الذي سيحكم السنوات المقبلة ليس كم مشروعًا جديدًا تستطيع الرياض الإعلان عنه، وإنما كم مشروعًا من المشروعات التي أعلنتها بالفعل تستطيع تمويله حتى النهاية دون أن يتحول النفط الرخيص والعجز والاقتراض وتراجع السيولة إلى سقف يفرض عليها اختيار ما يبقى وما يُؤجل وما يُلغى.






