حين تحتفي إسرائيل بما يُحذف من كتب أطفال السعودية.. من القدس و«فلسطين» إلى إعادة صياغة العقيدة في المناهج

حين تحتفي إسرائيل بما يُحذف من كتب أطفال السعودية.. من القدس و«فلسطين» إلى إعادة صياغة العقيدة في المناهج

لم تعد التغييرات المثارة حول المناهج السعودية نقاشًا داخليًا عن تطوير التعليم أو تحديث لغة الكتب المدرسية فحسب. القضية اكتسبت بعدًا سياسيًا أكثر حساسية عندما بدأت أصوات ووسائل إعلام إسرائيلية تقرأ هذه التعديلات باعتبارها تحولًا في الطريقة التي يُراد للجيل السعودي الجديد أن ينظر بها إلى القدس وفلسطين وإسرائيل.

الجدل هذه المرة لا يقوم على تعديل واحد. وفق المواد التي أوردتها، نحن أمام مجموعة تغييرات منسوبة إلى طبعات حديثة من المناهج: حذف عبارة «المسلمون لن يتخلوا عن القدس»، وإزالة اسم «فلسطين» من بعض الخرائط، واستبدال تعبير «العدو الصهيوني» بـ«الاحتلال الإسرائيلي»، إضافة إلى تعديلات في كتاب الدراسات الإسلامية للصف الأول الابتدائي شملت حذف عبارة «كل دين غير الإسلام باطل» وتغيير الآية المستخدمة دليلًا في الدرس.

الأكثر حساسية ليس مجرد حدوث تعديلات، وإنما القراءة السياسية التي يقدمها آخرون لها.

«خطوة شجاعة» هكذا قُرئ حذف العبارة المتعلقة بالقدس

في ظهور على قناة i24NEWS، قدمت داليا زيادة تفسيرًا سياسيًا صريحًا لحذف عبارة «المسلمون لن يتخلوا عن القدس».

فبحسب النص المنقول عنها، وصفت اتخاذ الخطوة الآن بأنه «شجاع جدًا»، ثم ذهبت أبعد من مجرد الإشادة بتطوير المناهج، معتبرة أن أهميتها تكمن في تغيير التصور حول القدس وفي إعداد جيل أصغر يحمل موقفًا أقل عداء تجاه إسرائيل، معربة عن أملها في أن يؤدي ذلك إلى علاقة إيجابية بين السعودية وإسرائيل.

هذه قراءة سياسية، وليست دليلًا بحد ذاتها على نية واضعي المناهج السعودية.

وهذا التفريق مهم.

لكن أهمية التصريح تكمن في أنه يكشف كيف تُستقبل التعديلات خارج السعودية.

فعندما ينظر طرف معني مباشرة بالصراع إلى تغيير داخل كتاب مدرسي سعودي ويعتبره خطوة تساعد على تغيير موقف الجيل المقبل تجاه إسرائيل، يصبح من الصعب التعامل مع النقاش باعتباره مسألة تربوية تقنية لا أكثر.

لماذا الاحتفاء الإسرائيلي؟

العناوين المنقولة عن وسائل إعلام إسرائيلية تعزز السؤال.

«معاريف» تتحدث عن تغيير كبير يتعلق بالقدس و«فلسطين» و«العدو الصهيوني»، بينما تقدم «تايمز أوف إسرائيل» الاتجاه العام باعتباره حركة نحو مزيد من التسامح في الكتب المدرسية السعودية.

مرة أخرى، ينبغي الفصل بين التغيير نفسه وتفسير الصحافة له.

فوسيلة إعلام إسرائيلية ليست الناطق الرسمي باسم وزارة التعليم السعودية، ولا تستطيع إثبات أهداف التعديل بمجرد الاحتفاء به.

لكن عندما تتكرر القراءة ذاتها لدى أكثر من جهة، يصبح هناك سؤال سعودي مشروع: لماذا تبدو هذه التغييرات متوافقة إلى هذا الحد مع ما تعتبره إسرائيل تطورًا إيجابيًا في البيئة الإقليمية؟

الأكثر حساسية: حساب حكومي إسرائيلي يدخل على الخط

تزداد المسألة حساسية مع المادة المنسوبة إلى الحساب الرسمي الإسرائيلي الناطق بالعربية، والتي تقدم تنقية المناهج السعودية باعتبارها مساهمة في خلق بيئة أكثر ملاءمة للتعاون مع إسرائيل، وتضع ذلك في سياق رؤية 2030 والتقارب مع الغرب.

هنا لم نعد أمام تعليق كاتب أو تحليل صحفي فقط.

إذا كان النص منقولًا بدقة عن الحساب الحكومي الرسمي، فإن جهة حكومية إسرائيلية نفسها تنظر إلى تحول المناهج السعودية من زاوية العلاقات المستقبلية.

لكن هذا أيضًا يظل تفسيرًا إسرائيليًا للسياسة السعودية، وليس إثباتًا أن وزارة التعليم أجرت التعديلات بناءً على طلب إسرائيلي أو كجزء من اتفاق تطبيع. الادعاء الأخير يحتاج إلى دليل مستقل لا توفره هذه التصريحات وحدها.

وهذه النقطة ضرورية حتى يكون النقد قويًا ولا يتحول إلى قفزة استنتاجية يسهل نقضها.

من السياسة إلى العقيدة

الأشد إثارة للجدل في المواد المطروحة ربما يكون ما يتعلق بكتاب الدراسات الإسلامية للصف الأول الابتدائي.

بحسب المقارنة المذكورة، حُذفت في طبعة 2023–2024 عبارة:

«كل دين غير الإسلام باطل».

ثم تغير في الطبعات اللاحقة الدليل القرآني المستخدم، من قوله تعالى:

﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾

إلى قوله تعالى:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.

وهنا ينبغي الانتباه إلى أمر مهم: الآية الأولى لم تُحذف من القرآن بالطبع، والآية الثانية تؤكد بدورها الإسلام دينًا. لذلك فإن وصف التعديل بأنه إلغاء للعقيدة الإسلامية سيكون غير دقيق.

لكن تغيير اختيار النص داخل المنهج يحمل مع ذلك دلالة تربوية.

فالآية الأولى تركز بصورة مباشرة على حكم اتباع غير الإسلام، بينما الآية الثانية تركز على اكتمال الدين ورضا الله بالإسلام.

المعنى التعليمي وطريقة تقديم العقيدة لطفل في السادسة ليست متطابقة.

لماذا تغير الدرس أصلًا؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه وزارة التعليم.

قد تكون هناك فلسفة تربوية ترى أن الطفل في الصف الأول يحتاج إلى صياغة إيجابية تشرح له دينه بدل البدء بتحديد الحكم على أديان الآخرين.

وهذه حجة تربوية يمكن مناقشتها.

لكن من حق المجتمع أيضًا أن يعرف: من قرر التعديل؟ وما المعيار العلمي والشرعي المستخدم؟ وهل راجعه متخصصون شرعيون وتربويون؟ وهل يمثل جزءًا من سياسة أوسع لإعادة صياغة مناهج الدراسات الإسلامية؟

الشفافية هنا أهم من التخمين.

المشكلة في تراكم التغييرات

لو كانت القضية عبارة واحدة في كتاب واحد، لكان من السهل تفسيرها باعتبارها تحديثًا تربويًا.

لكن الجدل يتغذى من تراكم أمثلة مختلفة:

إسرائيل وفلسطين.

القدس.

المصطلحات السياسية.

الخرائط.

ثم نصوص الدراسات الإسلامية.

وهنا يبدأ السؤال عن الفلسفة العامة التي تقود إعادة كتابة الكتب السعودية.

فالمنهج ليس مجموعة جمل منفصلة. عندما تتغير مئات المواضع عبر سنوات متتالية، يمكن في النهاية أن تتغير الصورة الفكرية الكاملة التي يتلقاها الطالب.

هل المطلوب مكافحة الكراهية أم إعادة تعريف الثوابت؟

هذا هو الخط الفاصل الذي يحتاج إلى نقاش جاد.

تنقية المناهج من التحريض على أتباع الديانات الأخرى أمر مختلف عن تغيير العقائد التي يؤمن بها المسلم.

وتعليم الطفل عدم الاعتداء على اليهودي أو المسيحي شيء، وتعليمه المعتقد الإسلامي بشأن صحة دينه شيء آخر.

وبالمثل، رفض خطاب الكراهية تجاه الإسرائيليين كأفراد شيء، وتعليم الطالب تاريخ القضية الفلسطينية والاحتلال والاستيطان والقدس شيء آخر.

يمكن الجمع بين الاثنين بسهولة.

لا كراهية دينية، ولا محو للتاريخ.

فلسطين ليست خطاب كراهية

وهذه النقطة تستحق أن تقال بوضوح.

وجود كلمة «فلسطين» على خريطة ليس تحريضًا.

وتعليم تاريخ القضية الفلسطينية ليس تطرفًا.

وشرح مكانة القدس ليس كراهية لليهود.

إذا كانت هناك عبارات قديمة تحرض دينيًا أو عرقيًا، يمكن تعديلها دون أن تصبح فلسطين نفسها ضحية لعملية التنقية.

وهذا تحديدًا ما يجعل إزالة اسم فلسطين من بعض الخرائط — إذا أكدت المقارنة الدقيقة بين الطبعات ذلك — أكثر إثارة للأسئلة من استبدال تعبير سياسي حاد بتعبير أكثر تحديدًا.

لماذا تبدو إسرائيل سعيدة إذن؟

الإجابة لا تحتاج إلى نظرية مؤامرة.

إسرائيل لديها مصلحة واضحة في أن تتراجع النظرة العدائية تجاهها داخل المجتمعات العربية، وأن تصبح العلاقات معها أكثر قبولًا لدى الأجيال الجديدة.

لذلك من الطبيعي أن ترحب بأي تغيير تعتقد أنه يسير في هذا الاتجاه.

لكن المعضلة بالنسبة للسعودية هي أن الاحتفاء الإسرائيلي المتكرر يضع الحكومة أمام مسؤولية تفسير مشروعها التعليمي لجمهورها هي.

إذا كان الهدف تحديثًا تربويًا بحتًا، فلتشرح ذلك.

وإذا كان الهدف مكافحة التطرف، فلتحدد المواد التي اعتبرتها متطرفة.

وإذا تغيرت خرائط فلسطين، فلتشرح المعيار الجغرافي المعتمد.

التطبيع الثقافي يسبق أحيانًا التطبيع السياسي

الدول لا تنتقل دائمًا من العداء إلى العلاقات الدبلوماسية بتوقيع مفاجئ.

أحيانًا يسبق السياسة تحول طويل في اللغة.

تختفي بعض المفردات.

تظهر مفردات أخرى.

تتغير الخرائط.

تتبدل طريقة تقديم الطرف الآخر.

ثم ينشأ جيل لا يحمل الحمولة السياسية والنفسية نفسها التي حملها الجيل السابق.

هذا ليس بالضرورة ما تخطط له السعودية؛ لا تكفي المواد المذكورة لإثبات ذلك.

لكن اللافت أن بعض الأصوات الإسرائيلية نفسها تقرأ التعديلات بهذه الطريقة، بل وتقول ذلك علنًا.

وهنا تكمن أهمية تصريحات داليا زيادة: ليست لأنها تثبت النية السعودية، بل لأنها تكشف بوضوح النتيجة التي يأمل المؤيدون للتقارب مع إسرائيل أن تنتجها هذه التغييرات.

المناهج أخطر من التصريحات

تصريح سياسي يعيش يومًا.

أما كتاب الصف الأول فيدخل إلى مئات آلاف البيوت.

والخريطة التي يراها طفل في الصف الخامس قد تصبح جزءًا من ذاكرته الجغرافية والسياسية طوال حياته.

لذلك فإن التغيير في المناهج يحتاج إلى مستوى من التدقيق والشفافية ربما يفوق التغيير في الخطاب الإعلامي.

فالقضية ليست ما سيفكر فيه السعوديون هذا الأسبوع.

القضية هي ما الذي سيعتبره الجيل الذي يبلغ السادسة اليوم بديهيًا عندما يبلغ السادسة والعشرين؟

ضعوا النسخ على الطاولة

أفضل طريقة لحسم جانب كبير من هذا الجدل ليست الصراخ المتبادل.

إنها المقارنة.

نسخة 2022 بجوار 2023.

ونسخة 2023 بجوار 2024.

ثم 2025 و2026.

الخرائط بجوار بعضها.

دروس القدس وفلسطين بجوار بعضها.

الدراسات الإسلامية قبل التعديل وبعده.

عندها يمكن معرفة حجم التغيير الحقيقي بعيدًا عن المبالغة والتبرير.

فإذا كانت التعديلات مجرد تحديث تربوي يحافظ على العقيدة والتاريخ والقضية الفلسطينية مع إزالة خطاب الكراهية، فستظهر الكتب ذلك.

أما إذا كان الاتجاه المتراكم هو تقليص حضور فلسطين والقدس بالتوازي مع إعادة صياغة المواد التي يُنظر إليها باعتبارها عائقًا أمام التقارب مع إسرائيل، فستظهر الكتب ذلك أيضًا.

وهنا تحديدًا تكمن المفارقة السياسية الأكثر إحراجًا:

بينما لا توجد حتى الآن علاقات دبلوماسية سعودية إسرائيلية كاملة، هناك من ينظر في إسرائيل إلى صفحات الكتب السعودية ويرى فيها بالفعل استثمارًا في شكل العلاقة بعد عشر أو عشرين سنة.

ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا حُذف من المنهج؟

السؤال الأثقل هو: لماذا يرى المؤيدون للتقارب مع إسرائيل في هذا الحذف مكسبًا لهم، وأي صورة عن فلسطين والقدس وإسرائيل يجري تسليمها اليوم إلى الطفل السعودي الذي سيشكل مجتمع الغد؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية