تريليونيات تحت الإدارة والعائد يتراجع صندوق الاستثمارات يواصل ضخ الأموال بينما تهبط حصيلة 2025

تريليونيات تحت الإدارة والعائد يتراجع صندوق الاستثمارات يواصل ضخ الأموال بينما تهبط حصيلة 2025

تراجع العائد السنوي لصندوق الاستثمارات العامة السعودي خلال 2025 إلى 5.8%، مقارنة بـ7.2% في 2024، بحسب رويترز، في انخفاض يضع من جديد أداء أحد أهم أعمدة رؤية 2030 تحت المجهر.

قد تبدو نسبة 5.8% إيجابية بمجرد النظر إليها باعتبارها عائدًا موجبًا، لكن الرقم لا يمكن تقييمه بمعزل عن حجم الموارد الموضوعة تحت تصرف الصندوق، والمخاطر التي يتحملها، والتزاماته المتزايدة تجاه عشرات المشروعات المحلية، والأهم: الدور الاستثنائي الذي أُسند إليه في تمويل التحول الاقتصادي السعودي.

فالفرق بين 7.2% و5.8% ليس مجرد 1.4 نقطة مئوية على ورقة حسابات. عندما نتحدث عن محفظة بمئات المليارات من الدولارات، فإن كل نقطة مئوية من العائد تعادل مليارات الدولارات من القيمة الاستثمارية المحتملة.

العائد يتراجع بينما المسؤوليات تتضخم

بحسب رويترز، يرجع انخفاض العائد إلى عاملين رئيسيين: تراجع قيمة بعض الأصول نتيجة ظروف السوق الأوسع، واستمرار الصندوق في ضخ الأموال في استثمارات محلية طويلة الأجل.

والعامل الثاني هو الأكثر أهمية لفهم المعضلة.

صندوق الاستثمارات لم يعد صندوق ثروة سياديًا تقليديًا يوزع أمواله عالميًا بحثًا عن أفضل عائد معدل بالمخاطر. لقد أصبح في الوقت نفسه ممولًا ومطورًا ومستثمرًا وأداة لتنفيذ السياسة الاقتصادية الحكومية.

من نيوم والقدية والدرعية إلى السياحة والرياضة والسيارات الكهربائية والألعاب والتكنولوجيا والطيران والتعدين ومراكز البيانات، أصبحت قائمة المهام ضخمة بصورة استثنائية.

وبالتالي أصبح الصندوق مطالبًا بتحقيق هدفين قد لا يتوافقان دائمًا: تحقيق عائد استثماري قوي، وتمويل مشروعات تعتبرها الحكومة استراتيجية حتى لو احتاجت سنوات طويلة قبل أن تحقق أرباحًا.

5.8%.. السؤال ليس هل هو موجبًا بل هل هو كافيًا؟

لا يصح وصف عائد 5.8% بأنه خسارة. الصندوق حقق عائدًا موجبًا.

لكن السؤال الاستثماري الصحيح هو: هل العائد يتناسب مع حجم المخاطر والالتزامات؟

هناك فرق بين صندوق يحتفظ بمحفظة محافظة من السندات والأسهم العالمية ويحقق 5.8%، وبين مؤسسة تستثمر في شركات ناشئة ومشروعات عقارية عملاقة وبنية تحتية ورياضة وسيارات كهربائية ومشروعات تطوير تمتد لعقود.

كلما ارتفعت المخاطرة يفترض أن يرتفع العائد المتوقع لتعويض المستثمر عنها.

ولهذا فإن الرقم المجرد لا يكفي للحكم على الأداء.

الاستثمارات المحلية تبدأ بابتلاع جزء أكبر من المعادلة

تبرير انخفاض العائد باستمرار ضخ الاستثمارات المحلية طويلة الأجل يكشف أيضًا عن طبيعة المرحلة التي دخلها الصندوق.

هذه المشروعات تحتاج إلى رأس المال الآن، بينما قد لا تأتي عوائدها إلا بعد سنوات.

المشكلة أن رؤية 2030 نفسها تفرض جدولًا زمنيًا ضاغطًا.

السعودية تريد بناء قطاعات جديدة بسرعة، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى بنية تحتية ضخمة واستعدادات لكأس العالم ومشروعات سياحية وتقنية وصناعية.

كل مشروع يستهلك رأس المال قبل أن يصبح منتجًا له.

وعندما تتكاثر هذه المشروعات في الوقت نفسه، يتحول الصندوق من مستثمر يبحث عن الفرص إلى مصدر تمويل مطلوب منه إطعام منظومة كاملة من المشاريع العملاقة.

ليست كل زيادة في الأصول دليلًا على نجاح الاستثمار

وهنا يصبح التفريق بين حجم الصندوق وعائد الصندوق ضروريًا.

يمكن لأصول أي صندوق سيادي أن ترتفع لأسباب مختلفة: تحقيق الأرباح، أو ارتفاع تقييم الاستثمارات، أو نقل الحكومة إليه أصولًا جديدة، أو ضخ رأس مال، أو الاقتراض.

لذلك لا يكفي الاحتفاء باتساع حجم الأصول باعتباره دليلًا مستقلًا على كفاءة الإدارة الاستثمارية.

المعيار الأصعب هو مقدار القيمة التي استطاع مدير الاستثمار خلقها من الأموال والأصول الموجودة تحت إدارته.

ولهذا يكتسب انخفاض العائد من 7.2% إلى 5.8% أهمية خاصة.

المشكلة ليست عامًا واحدًا

عام ضعيف نسبيًا لا يحكم على استراتيجية استثمارية طويلة الأجل.

هذه قاعدة أساسية في تقييم الصناديق السيادية.

بعض الاستثمارات التي تبدو اليوم عبئًا قد تحقق عوائد ضخمة بعد عشر سنوات، وبعض المشروعات المحلية لا يفترض أصلًا تقييمها بعد عام أو عامين.

لكن هذا الدفاع يعمل في الاتجاه الآخر أيضًا.

إذا كان المطلوب انتظار عشر سنوات قبل الحكم على المشروعات، فلا يمكن في الوقت نفسه تقديم مجرد ارتفاع قيمة الأصول أو إطلاق مشروع جديد باعتباره نجاحًا نهائيًا.

الاستثمار طويل الأجل يحتاج إلى محاسبة طويلة الأجل في الاتجاهين.

فاتورة الفرصة البديلة

هناك أيضًا تكلفة لا تظهر بسهولة في البيانات: ماذا كان يمكن أن تحقق الأموال لو استُثمرت في مكان آخر؟

كل مليار يضخه الصندوق في مشروع محلي طويل الأجل هو مليار لم يوضع في سهم عالمي أو سند أو بنية تحتية خارجية أو أصل آخر قد يحقق عائدًا أعلى.

هذا لا يعني أن الاستثمار المحلي خطأ؛ فالصندوق مكلف أصلًا بدعم التحول الاقتصادي.

لكن يجب الاعتراف بأن لهذا الخيار ثمنًا.

وإذا استمر العائد في الانخفاض مع زيادة حجم الاستثمارات المحلية، فسيصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل القيمة الاقتصادية التي تخلقها هذه المشروعات داخل المملكة تعوض العائد المالي الذي يتنازل عنه الصندوق؟

الرهانات كثيرة والسيولة ليست بلا نهاية

خلال السنوات الماضية تصرف الصندوق في بعض الأحيان كما لو أن قدرته على إضافة رهانات جديدة شبه مفتوحة.

كرة القدم.

ليف غولف.

لوسيد.

الألعاب الإلكترونية.

السياحة.

نيوم.

الطيران.

التعدين.

الذكاء الاصطناعي.

مراكز البيانات.

وغيرها.

لكن مهما كان حجم الصندوق، رأس المال مورد محدود.

وكلما انخفضت العوائد الذاتية، ازدادت أهمية مصادر التمويل الأخرى، سواء عبر الاقتراض أو بيع الأصول أو إدخال شركاء أو إعادة ترتيب الأولويات.

وهنا تصبح نسبة 5.8% أكثر من مجرد مؤشر أداء؛ إنها جزء من معادلة قدرة الصندوق على تمويل نفسه وطموحاته مستقبلًا.

الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح الاختيار ضروريًا

في زمن الوفرة، يستطيع المستثمر تمويل مشروعات كثيرة وانتظار النتائج.

أما عندما تزداد الالتزامات وتتراجع العوائد وتصبح السيولة أكثر قيمة، يبدأ الاختبار الحقيقي للإدارة: ماذا يُستكمل؟ ماذا يُقلص؟ ماذا يُؤجل؟ وما المشروع الذي يجب الاعتراف بأن عائده المتوقع لم يعد يبرر ضخ المزيد فيه؟

وهذه ربما تكون المرحلة الأكثر حساسية بالنسبة لصندوق الاستثمارات.

فالنجاح لن يكون في إعلان مشروع جديد كل عدة أشهر، وإنما في القدرة على التمييز بين المشروع الاستراتيجي الذي يستحق الصبر والمشروع الذي تحول إلى استنزاف لرأس المال.

من 7.2% إلى 5.8% جرس إنذار وليس حكمًا نهائيًا

لا يمكن بناء حكم نهائي على الصندوق من نتيجة سنة واحدة، ولا يمكن اعتبار 5.8% انهيارًا.

لكن تجاهل الاتجاه سيكون خطأ أيضًا.

الصندوق الذي أصبح المحرك المالي لرؤية 2030 يحتاج إلى عوائد قوية لأن مطالبه التمويلية هائلة.

وكلما أصبح جزء أكبر من محفظته مرتبطًا بمشروعات محلية طويلة الأجل، أصبحت أمواله أقل مرونة، وأصبح نجاح تلك المشروعات نفسها أكثر أهمية لمستقبل الصندوق.

ولهذا فإن انخفاض عائد 2025 يحمل رسالة تتجاوز الرقم: مرحلة الإنفاق أسهل كثيرًا من مرحلة إثبات أن الإنفاق صنع قيمة.

يمكن للصندوق أن يضخ عشرات المليارات في شركة أو مدينة أو دوري أو مركز بيانات، ويمكن نقل أصول حكومية إليه وزيادة حجمه، ويمكن الاقتراض لتمويل استثمارات إضافية.

لكن في النهاية هناك رقم لا تستطيع الإعلانات تجاوزه: العائد الذي أنتجته الأموال الموجودة بالفعل تحت الإدارة.

وفي 2025، هذا الرقم تحرك في الاتجاه الخطأ: من 7.2% إلى 5.8%.

ليس ذلك دليلًا بمفرده على فشل الصندوق، لكنه يضع عبء الإثبات على استراتيجية أصبحت أكثر اتساعًا وكلفة عامًا بعد عام: متى تبدأ المشروعات المحلية التي تستهلك المليارات اليوم في إنتاج عائد يكفي لتبرير كل ما ضُخ فيها؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية