تقترض في الداخل وتُقرض واشنطن في الخارج 142.5 مليار دولار سعودية في سندات أمريكا بينما تتزاحم مشاريع الرؤية على السيولة

تقترض في الداخل وتُقرض واشنطن في الخارج 142.5 مليار دولار سعودية في سندات أمريكا بينما تتزاحم مشاريع الرؤية على السيولة

في اللحظة التي أصبحت فيها كلمة «التمويل» تتكرر بصورة متزايدة في أخبار الاقتصاد السعودي، يظهر رقم يستحق التوقف طويلًا: السعودية رفعت حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية بمقدار 2.2 مليار دولار خلال يونيو وحده، لتصل إلى 142.5 مليار دولار، بحسب «سعودي جازيت»، محتفظة بموقعها كأكبر حامل للديون الأمريكية في الشرق الأوسط ومتقدمة على الإمارات.

الخبر، إذا قُرئ منفردًا، طبيعي للغاية. الدول تحتفظ باحتياطياتها في أصول سائلة وآمنة نسبيًا، وسوق سندات الخزانة الأمريكية هي الأكبر والأكثر سيولة عالميًا. ومن الخطأ الاقتصادي تصوير شراء هذه السندات وكأن الحكومة السعودية أخذت 142.5 مليار دولار من ميزانية المدارس والمستشفيات وسلمتها إلى واشنطن.

لكن معايير نيوم لا تقرأ الرقم منفردًا.

السؤال هو: ماذا يحدث حوله؟

وهنا تصبح الصورة أكثر إثارة للاهتمام.

السعودية تسجل عجوزات مالية، وصندوق الاستثمارات مطالب بإعادة ترتيب أولوياته، ومشروعات ضخمة تبحث عن شركاء وتمويل، وشركات تابعة للصندوق تلجأ إلى القروض، وفي الوقت نفسه تحتفظ المملكة بكتلة هائلة من أصولها الاحتياطية داخل الدين الحكومي الأمريكي.

ليست القضية إذن: «لماذا لا تسحب السعودية كل هذه الأموال وتنفقها؟».

السؤال الأكثر جدية هو: ماذا يكشف وجود 142.5 مليار دولار في الخزانة الأمريكية عن حدود الاستقلال المالي السعودي، وعن المفارقة بين طموحات الإنفاق في الداخل وضرورة الاحتفاظ بسيولة هائلة وآمنة في الخارج؟

142.5 مليار دولار رقم لا يجوز تبسيطه

بداية، سندات الخزانة الأمريكية ليست هبة للولايات المتحدة.

السعودية تشتري أصلًا ماليًا، تحصل مقابله على عائد، ويمكنها بيعه في سوق شديدة السيولة. كما أن الاحتياطيات الأجنبية تؤدي وظائف أساسية في اقتصاد يرتبط فيه الريال بالدولار.

إذن، لا توجد معادلة ساذجة تقول:

142.5مليار دولار في أمريكا = 142.5 مليار دولار كان يمكن إنفاقها فورًا داخل السعودية.

لكن في المقابل، لا ينبغي الوقوع في الخطأ المعاكس والتعامل مع الرقم كأنه بلا دلالة.

لأن الاقتصاد لا يعمل في فراغ.

وعندما تصبح السيولة أحد أكثر الموضوعات حساسية في الاقتصاد السعودي، فإن مكان وجود عشرات المليارات من الأصول السائلة يصبح جزءًا من الصورة.

المفارقة: السعودية تحتاج التمويل وتمول الدين الأمريكي

اقتصاديًا، لا يوجد تناقض مباشر.

يمكن لدولة أن تقترض وفي الوقت نفسه تمتلك سندات أجنبية. يحدث ذلك في اقتصادات كثيرة لأن لكل محفظة ووظيفة مالية غرضًا مختلفًا.

لكن سياسيًا واستراتيجيًا، المفارقة قوية.

المملكة تريد تمويل تحول اقتصادي هو من الأضخم عالميًا.

نيوم تحتاج الأموال.

القدية تحتاج الأموال.

الدرعية تحتاج الأموال.

السياحة تحتاج الأموال.

مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والتعدين والصناعة والطيران والبنية التحتية تحتاج كلها إلى رأس المال.

وفي الوقت نفسه، لا تستطيع الرياض ببساطة تصفير احتياطياتها الأجنبية وتمويل هذه المشاريع، لأن الاحتياطيات نفسها جزء من شبكة الأمان المالي للدولة.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية:

ليست الـ142.5 مليار دولار دليلًا على أن السعودية «تملك أموالًا فائضة لا تعرف ماذا تفعل بها».

بل ربما تكون دليلًا على أن جزءًا كبيرًا من الثروة المالية للدولة لا يمكن التعامل معه باعتباره خزينة مفتوحة لمشاريع رؤية 2030.

نيوم لا تستطيع أكل الاحتياطي

وهذه نقطة مهمة لفهم الضغوط المالية الحالية.

من السهل عند الحديث عن دولة نفطية غنية افتراض أن لديها جبالًا من الأموال يمكن نقلها من حساب إلى آخر كلما احتاج مشروع إلى التمويل.

لكن الأمر أكثر تعقيدًا.

إذا بدأت الدولة في استنزاف احتياطياتها الخارجية بوتيرة كبيرة لتمويل الإنفاق المحلي، فإنها تقلص وسادتها أمام الصدمات الاقتصادية وتضغط على مؤشرات الثقة والاستقرار المالي.

لذلك تحتاج المشاريع العملاقة إلى تمويل مستدام من مصادر أخرى: تدفقات نقدية، ومستثمرين، وقروض، وشراكات، وبيع أصول.

وهذا تحديدًا هو الاختبار الذي تواجهه رؤية 2030 الآن.

مرحلة الشيك المفتوح تقترب من نهايتها

خلال السنوات الأولى للرؤية كان صندوق الاستثمارات يستطيع الظهور بوصفه الممول الذي يقف خلف كل شيء تقريبًا.

شركة جديدة؟

الصندوق.

مشروع سياحي؟

الصندوق.

نادٍ رياضي؟

الصندوق.

سيارات كهربائية؟

الصندوق.

ألعاب إلكترونية؟

الصندوق.

مدينة مستقبلية؟

الصندوق.

لكن مع اتساع المحفظة، أصبح السؤال الحسابي أكثر قسوة: هل يستطيع مصدر واحد تمويل كل هذه الطموحات في الوقت نفسه؟

الإجابة بدأت تظهر في هياكل التمويل الجديدة.

مشروعات تبحث عن المستثمر الأجنبي.

شركات تحصل على القروض.

أصول تُباع جزئيًا.

مشروعات عقارية تعتمد على أموال المشترين.

وشراكات يُراد منها نقل جزء من المخاطر بعيدًا عن الصندوق.

هذه ليست بالضرورة علامات انهيار؛ بل يمكن اعتبارها انتقالًا طبيعيًا من التمويل الحكومي إلى نموذج أكثر تجارية.

لكنها بالتأكيد تعني أن رأس المال السيادي لم يعد موردًا ينبغي التعامل معه كأنه بلا سقف.

وفي واشنطن 142.5 مليار دولار

هنا تعود المفارقة.

بينما تجوب الجهات السعودية الأسواق بحثًا عن مستثمرين للمشاركة في تمويل مشاريعها، توجد كتلة ضخمة من الأموال السعودية في سندات حكومة الولايات المتحدة.

لكن هذه الأموال موجودة هناك تحديدًا لأن المملكة تحتاج إلى أصول سائلة وآمنة نسبيًا.

أي أن الرياض تجد نفسها أمام معادلة غير مريحة:

إذا احتفظت بالاحتياطيات، تظل المشاريع الداخلية بحاجة إلى مصادر تمويل أخرى.

وإذا استنزفت الاحتياطيات لتمويل المشاريع، تقل مساحة الأمان المالي.

وهذه ليست مشكلة تستطيع حملة علاقات عامة حلها.

إنها مشكلة تخصيص رأس مال.

الاستقلال السياسي يصطدم بالبنية المالية

خلال السنوات الماضية، تحدثت السعودية كثيرًا عن تنويع علاقاتها الدولية.

الصين شريك تجاري هائل.

العلاقات مع آسيا تتوسع.

الرياض تريد سياسة خارجية أكثر استقلالًا.

لكن عندما يتعلق الأمر بالاحتياطيات، يبقى الدولار والسوق الأمريكية في قلب النظام.

والسبب ليس حبًا سياسيًا بواشنطن.

السبب أن الولايات المتحدة توفر سوق سندات حكومية لا يوجد لها بديل كامل من حيث العمق والسيولة والحجم.

وهذا يكشف حقيقة مهمة:

يمكن تنويع الشركاء أسرع مما يمكن تنويع النظام المالي.

السعودية تستطيع شراء النفط وبيعه مع عشرات الدول، والاستثمار في آسيا وأوروبا، لكنها عندما تبحث عن مكان يبتلع عشرات المليارات من احتياطياتها مع قدرة عالية على البيع والشراء، تعود إلى الخزانة الأمريكية.

حتى «الاستقلال» له ثمن

هذه إحدى المفارقات التي يغفلها الخطاب السياسي.

الدولة تستطيع إعلان رغبتها في الاستقلال الاستراتيجي، لكن الأسواق المالية لا تستجيب للشعارات.

إذا أرادت المملكة تقليل تعرضها لسندات الخزانة الأمريكية، فما البديل؟

سندات أوروبية؟

ذهب؟

أصول صينية؟

استثمارات مباشرة؟

كل خيار يحمل درجة مختلفة من السيولة والمخاطر والعائد.

ولهذا فإن بقاء 142.5 مليار دولار في الدين الأمريكي ليس مجرد قرار سياسي؛ إنه اعتراف ضمني بقوة البنية المالية الأمريكية التي لم تجد معظم الدول الكبرى بديلًا كاملًا لها.

لكن السؤال الأصعب في الداخل: ماذا تنتج المليارات السعودية؟

في النهاية، النقد الأكثر أهمية لا ينبغي أن يوجه إلى شراء سندات الخزانة بحد ذاته.

فالاحتفاظ بأصول احتياطية آمنة جزء طبيعي من إدارة الدولة.

المحاسبة الحقيقية يجب أن تتجه إلى الأموال التي جرى بالفعل تخصيصها للاستثمار.

كم حققت مشاريع صندوق الاستثمارات؟

ما العائد على كل مشروع؟

أي الشركات أصبحت قادرة على تمويل نفسها؟

وأيها لا تزال تحتاج إلى ضخ الأموال؟

كم من المشروعات السياحية والصناعية والتقنية انتقل من مرحلة استهلاك رأس المال إلى إنتاجه؟

هذه الأسئلة أهم من السؤال الشعبوي: لماذا لا نبيع السندات الأمريكية ونبني بها؟

الغنى بالأصول لا يعني وفرة النقد القابل للإنفاق

وهذا هو الدرس الأهم في الرقم كله.

قد تكون الدولة شديدة الثراء من حيث الأصول، لكنها تواجه في الوقت نفسه قيودًا على السيولة المتاحة للإنفاق.

الأصول السيادية ليست كلها نقودًا حرة.

الاحتياطيات لها وظيفة.

أسهم أرامكو لها وظيفة.

استثمارات صندوق الاستثمارات لها آجال ومخاطر.

والميزانية لها التزامات.

وعندما تجمع كل ذلك، يتضح لماذا يمكن للسعودية أن تمتلك مئات المليارات وفي الوقت نفسه تقترض مليارات أخرى.

لكن هذا أيضًا يعني أن وصف القدرة المالية السعودية بأنها غير محدودة كان دائمًا مبالغة.

الاختبار الحقيقي: هل تستطيع رؤية 2030 أن تبدأ بتمويل نفسها؟

هذه هي القضية التي سيحدد عليها نجاح المشروع الاقتصادي السعودي في السنوات المقبلة.

ليس حجم الاحتياطيات.

وليس حجم صندوق الاستثمارات.

وليس عدد المشاريع التي أُعلن عنها.

بل قدرة الاقتصاد الجديد على توليد الأموال.

هل السياحة تحقق العوائد المتوقعة؟

هل الصناعة تصدر؟

هل الشركات الجديدة تربح؟

هل العقارات تجد مشترين حقيقيين؟

هل المشروعات العملاقة تستطيع جذب المستثمر الخاص دون ضمان حكومي مفرط؟

هل الشركات التابعة للصندوق تستطيع الاقتراض بناءً على جدواها الذاتية بدل الاعتماد الدائم على قوة المساهم السيادي؟

إذا كانت الإجابات إيجابية، تصبح الـ142.5 مليار دولار في سندات الخزانة مجرد جزء طبيعي من محفظة احتياطيات دولة قوية.

أما إذا استمرت المشاريع في استهلاك رأس المال دون إنتاج تدفقات نقدية كافية، فستصبح المفارقة أكثر حدة عامًا بعد عام.

الخزانة الأمريكية ليست المشكلة.. الفاتورة السعودية هي السؤال

لذلك فإن قراءة الخبر بمعايير اقتصادية صارمة تقود إلى نتيجة مختلفة عن الشعارات السهلة.

المشكلة ليست أن السعودية «تعطي أمريكا أموالها».

والمشكلة ليست أن شراء سندات الخزانة دليل على الإفلاس؛ هذا استنتاج خاطئ.

القصة الحقيقية أكثر تعقيدًا:

السعودية تملك ثروة ضخمة، لكنها في الوقت نفسه تحمل طموحات أكبر بكثير من أن تُموّل بلا حساب.

وجود 142.5 مليار دولار في سندات الخزانة الأمريكية يكشف أن جزءًا معتبرًا من القوة المالية للمملكة يجب أن يبقى في صورة احتياطيات وأصول سائلة بدل تحويله ببساطة إلى شيكات لمشروعات الرؤية.

ولهذا، وبينما ترتفع الديون وتبحث المشروعات عن مستثمرين وقروض وشركاء، يصبح السؤال الذي سيطارد المرحلة المقبلة من رؤية 2030 واضحًا:

إذا كانت الأموال الآمنة يجب أن تبقى في الاحتياطيات، وصندوق الاستثمارات مطالبًا بضبط أولوياته، والموازنة تتحمل عجزًا، فمن أين ستأتي مئات المليارات اللازمة لإكمال قائمة المشاريع التي أُطلقت في سنوات الوفرة؟

هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

فإعلان مشروع بتريليون ريال سهل عندما يكون المطلوب صورة معمارية وموعد افتتاح.

أما بناء المشروع وتشغيله وتحويله إلى أصل ينتج المال بدل أن يستهلكه، فهذه قصة أخرى تمامًا.

والسعودية لم تعد في مرحلة الإعلان عن حجم الطموح؛ إنها تدخل مرحلة تقديم الحساب.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية