«التريليون» يتراجع إلى الخلف صندوق الاستثمارات يطارد تضخم الأصول بينما العائد والاستثمارات المحلية يضعان رواية القوة المالية أمام اختبار الحساب

«التريليون» يتراجع إلى الخلف صندوق الاستثمارات يطارد تضخم الأصول بينما العائد والاستثمارات المحلية يضعان رواية القوة المالية أمام اختبار الحساب

لم تعد المشكلة التي تواجه صندوق الاستثمارات العامة السعودي هي قدرته على الإعلان عن استثمار جديد، أو شراء شركة، أو تمويل مشروع عملاق، أو الدخول في قطاع لم يكن موجودًا في محفظته قبل سنوات. بعد مرحلة توسع استثنائية جعلت الصندوق حاضرًا من نيوم إلى السيارات الكهربائية، ومن كرة القدم إلى الألعاب الإلكترونية، انتقل الامتحان إلى منطقة أكثر صعوبة بكثير

:

هل تستطيع هذه الكتلة الهائلة من الأصول أن تنتج عائدًا يوازي حجم الأموال التي ضُخت فيها؟

البيانات الواردة في المنشور المنقول عن Global Sovereign Wealth Fund تضع هذا السؤال في الواجهة؛ إذ تشير إلى أن أصول الصندوق المدارة بلغت 3.396 تريليون ريال، أي نحو 905.6 مليارات دولار، مع تراجع عن العام السابق وعدم بلوغ المستهدف الموضوع للأصول، تحت ضغط تراجع الأسهم السعودية، وتخفيضات في قيمة بعض المشاريع، وتغييرات في المحفظة المحلية

وإذا أضيف إلى ذلك أن العائد السنوي للصندوق في 2025 انخفض، بحسب البيانات التي أُعلنت سابقًا، إلى 5.8% مقابل 7.2% في 2024، فإن القضية تصبح أكبر من حركة محاسبية عابرة في قيمة الأصول.

فنحن أمام صندوق أصبح أحد أهم أعمدة رؤية 2030، وبالتالي فإن السؤال لم يعد: كم يملك الصندوق؟

بل: ماذا تفعل هذه الأموال؟ وكم تنتج؟

انتهى زمن الاحتفال بحجم المحفظة

لسنوات، كان الرقم الأكثر حضورًا عند الحديث عن صندوق الاستثمارات هو حجم الأصول.

مئات المليارات.

ثم الاقتراب من التريليون دولار.

ثم أهداف أكبر للسنوات المقبلة.

لكن تضخم حجم الميزانية ليس في حد ذاته إنجازًا استثماريًا.

يمكن للصندوق أن يكبر بثلاث طرق مختلفة تمامًا: أن يحقق أرباحًا استثمارية ويعيد استثمارها، أو أن تقترض منظومته المزيد من الأموال، أو أن تنقل الدولة إليه أصولًا كانت تملكها أصلًا.

والفارق بين الطرق الثلاث هائل.

فالدول لا تنشئ صناديق الثروة السيادية لكي تتباهى بحجم دفاترها، وإنما لكي تحوّل الثروة الحالية إلى ثروة أكبر في المستقبل.

ولهذا فإن الرقم الذي ينبغي أن يحتل مركز النقاش ليس فقط قيمة الأصول، وإنما العائد الذي حققته هذه الأصول مقارنة بحجم المخاطر ورأس المال المستخدم.

3.396 تريليون ريال لكن الرقم تحرك في الاتجاه الخطأ

وصول الأصول إلى 3.396 تريليون ريال يظل رقمًا هائلًا، ولا يمكن وصف الصندوق بأنه أصبح صغيرًا أو مفلسًا بسبب تراجع سنوي في قيمة أصوله.

لكن بالنسبة إلى مؤسسة تضع لنفسها أهداف نمو ضخمة، فإن أهمية الخبر تكمن في شيء آخر:

المؤشر الذي كان يفترض أن يتحرك بسرعة إلى أعلى تحرك إلى أسفل.

وهذا يكسر، ولو لعام واحد، الصورة التي اعتاد الخطاب الاقتصادي تقديمها عن توسع لا يتوقف.

تراجع الأسهم السعودية يمكن أن يخفض قيمة المحفظة.

وتغير أسعار الأصول أمر طبيعي.

وإعادة تقييم المشاريع ليست حدثًا استثنائيًا في عالم الاستثمار.

لكن عندما تجتمع هذه العناصر داخل صندوق يحمل على كتفيه جزءًا ضخمًا من التحول الاقتصادي لدولة كاملة، فإنها تستحق محاسبة أكثر جدية من عبارة «ظروف السوق».

تخفيض قيمة المشاريع: هنا تبدأ الأسئلة غير المريحة

أكثر عبارة تستحق التدقيق ليست «تراجع الأسهم».

إنها تخفيضات قيمة المشاريع.

لأن انخفاض سهم مدرج في السوق يمكن تفسيره بسهولة: السوق ارتفع أو انخفض.

لكن تخفيض قيمة مشروع يعني أن الأصل لم يعد يُقيَّم بالقيمة التي كان يُعتقد سابقًا أنه يستحقها.

وهنا ينبغي أن تبدأ الأسئلة:

أي مشاريع؟

وكم بلغت التخفيضات؟

وما الافتراضات القديمة التي تغيرت؟

وهل كانت التقييمات الأولى متفائلة أكثر مما ينبغي؟

وكم من الأصول المحلية العملاقة يحمل في دفاتره قيمة يصعب اختبارها في سوق حقيقية؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحًا عندما تكون بعض استثمارات الصندوق مشروعات لا يوجد لها نظير واضح يمكن استخدامه للمقارنة.

نيوم هي المثال الأكثر وضوحًا للمشكلة

هنا يظهر اسم نيوم تلقائيًا، ليس لأن كل انخفاض في أصول الصندوق سببه نيوم — وهذا استنتاج لا تسمح به المعلومات المتاحة — وإنما لأنها تمثل أفضل مثال على طبيعة الرهانات التي اختارها الصندوق.

مشروعات ضخمة.

آجال استثمار طويلة.

تكاليف رأسمالية هائلة.

تدفقات نقدية محدودة في المراحل الأولى.

وجدوى تعتمد على نجاح سلسلة طويلة من الافتراضات المستقبلية.

هذه الاستثمارات قد تحقق عائدًا ضخمًا إذا نجحت.

لكنها أيضًا تحبس رأس المال لسنوات طويلة.

والمشكلة تبدأ عندما يكون لديك عدد كبير من الرهانات العملاقة في الوقت نفسه.

فأنت لا تمول مدينة واحدة.

هناك نيوم والدرعية والقدية والبحر الأحمر وشركات الطيران والسيارات والألعاب والرياضة والتعدين والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وعشرات الشركات والمشروعات الأخرى.

كل مشروع منها يريد نصيبه من الخزينة نفسها.

لوسيد تقدم نموذجًا آخر

خذ لوسيد مثالًا.

الاستثمار السعودي فيها لم يعد مجرد شراء حصة في شركة سيارات كهربائية وانتظار ارتفاع السهم.

الصندوق أصبح عمليًا الداعم المالي الرئيسي لشركة استهلكت مبالغ ضخمة ولا تزال تواجه تحدي الوصول إلى الربحية.

وكل مرة تحتاج فيها الشركة إلى رأسمال جديد يظهر السؤال نفسه:

هل نحمي الأموال التي سبق ضخها بضخ المزيد؟

وهذه واحدة من أخطر المعضلات الاستثمارية.

لأن ضخ المال الجديد قد يكون منطقيًا إذا كانت الشركة تقترب فعلًا من نقطة التحول.

لكنه قد يتحول أيضًا إلى مطاردة للاستثمار السابق.

والفارق لا يظهر في البيانات الصحفية.

يظهر في التدفقات النقدية.

5.8%.. رقم يحتاج إلى سياق لا إلى احتفال

العائد المعلن للصندوق في 2025 عند 5.8% لا يعني أن الصندوق خسر أمواله.

هذه نقطة يجب توضيحها.

لكن انخفاضه من 7.2% في العام السابق يستحق السؤال، خصوصًا في ضوء طبيعة المخاطر والطموحات.

فصندوق سيادي بهذا الحجم لا ينبغي تقييمه من سنة واحدة.

الاستثمارات طويلة الأجل تحتاج إلى قياس عبر دورات اقتصادية كاملة.

لكن إذا كان جزء مهم من فلسفة الصندوق قائمًا على قبول مخاطر مرتفعة وتمويل مشاريع غير تقليدية، فمن الطبيعي أن يُسأل:

هل العائد يعوض المخاطر؟

ليس المهم فقط أن تحقق ربحًا.

المهم كم ربحت مقارنة بما كان يمكن تحقيقه في بديل أقل تعقيدًا وأقل مخاطرة.

أكبر خطر: أن يصبح الصندوق وزارة مالية ثانية

صندوق الثروة السيادي التقليدي يبحث عن أفضل عائد على رأس المال.

لكن صندوق الاستثمارات السعودي يحمل أهدافًا أكثر تعقيدًا.

عليه تحقيق الأرباح.

وعليه إنشاء صناعات.

وعليه توفير الوظائف.

وعليه تطوير السياحة.

وعليه تمويل مشاريع الرؤية.

وعليه جذب الشركات الأجنبية.

وعليه المشاركة في الرياضة.

وعليه بناء قطاعات جديدة.

المشكلة أن هذه الأهداف قد تتعارض.

قد يكون مشروع ممتازًا سياسيًا أو تنمويًا، لكنه ضعيف استثماريًا.

وقد يكون الاستثمار الأفضل ماليًا موجودًا خارج السعودية، بينما تريد الدولة ضخ رأس المال داخل الاقتصاد المحلي.

وعندما تُخلط الوظيفتان، يصبح تقييم أداء الصندوق أصعب.

هل هو مستثمر يبحث عن الربح؟

أم ذراع تنمية وطنية؟

أم ممول للمشاريع الحكومية؟

إذا كان الثلاثة معًا، فمن الضروري فصل الحسابات

 حتى يعرف المواطن أي مشروع يحقق عائدًا، وأي مشروع يحصل على المال لأسباب تنموية.

لأن نقل الأصل لا يصنع ثروة جديدة

وهذه إحدى النقاط التي يجب أن تكون في قلب أي قراءة نقدية للصندوق.

إذا كانت الدولة تمتلك أصلًا بقيمة 100 مليار ثم

 نقلته إلى صندوقها السيادي، يصبح الصندوق أكبر بـ100 مليار.

لكن السعودية كدولة لم تصبح أغنى بـ100 مليار بسبب عملية النقل.

الأصل انتقل من جيب حكومي إلى جيب حكومي آخر.

الثروة الجديدة تبدأ عندما يستخدم الصندوق ذلك الأصل ليولد عائدًا إضافيًا.

وهنا يظهر الفارق بين نمو الأصول المدارة ونمو

 الثروة الناتج عن الأداء الاستثماري.

والخلط بين الاثنين يسمح بصناعة أرقام ضخمة تبدو مذهلة في العناوين، بينما السؤال الاقتصادي الحقيقي يبقى بلا إجابة:

كم من النمو جاء من الاستثمار نفسه؟

والآن أصبحت السيولة أكثر قيمة

في مرحلة التدفقات النفطية المرتفعة، يمكن تحمل أخطاء أكثر.

أما عندما تتسع احتياجات التمويل وتتعدد المشروعات وتصبح الأولويات أكثر ازدحامًا، فإن المليار الذي يذهب إلى مشروع متعثر يصبح أكثر تكلفة.

ليس لأن المليار اختفى فقط.

بل لأن مشروعًا آخر ربما كان يستحقه أكثر.

هذه هي تكلفة الفرصة البديلة التي بدأت تطارد نموذج الإنفاق السعودي.

هل المليار التالي يذهب إلى نيوم؟

أم لوسيد؟

أم التعدين؟

أم الذكاء الاصطناعي؟

أم البنية التحتية؟

أم السياحة؟

أم يحتفظ به الصندوق؟

كل إجابة تعني حرمان خيار آخر من المال.

وهكذا تنتهي مرحلة «نفعل كل شيء في الوقت نفسه»، وتبدأ المرحلة التي لا تحبها المشاريع العملاقة:

الاختيار.

905.6 مليارات دولار لا تعني 905.6 مليارات جاهزة للإنفاق

وهناك خطأ آخر يجب تجنبه.

أصول الصندوق ليست حسابًا مصرفيًا يحتوي على 905.6 مليارات دولار نقدًا.

جزء منها أسهم.

وجزء شركات.

وجزء مشاريع.

وجزء أصول غير سائلة.

وبالتالي فإن الحجم الضخم لا يعني قدرة مماثلة على كتابة شيكات جديدة فورًا.

وهذا تحديدًا ما يجعل جودة المحفظة أهم من حجمها.

فالصندوق قد يكون غنيًا بالأصول، لكنه يحتاج إلى إدارة السيولة والالتزامات بعناية شديدة إذا كانت استثمارات كثيرة تطلب تمويلًا إضافيًا في الوقت نفسه.

اختبار الرميان الحقيقي يبدأ الآن

ياسر الرميان لا يدير اليوم صندوقًا يحتاج إلى إثبات أنه يستطيع شراء الأصول.

هذه المرحلة انتهت.

لقد اشترى الصندوق حصصًا في شركات عالمية، وأندية، وألعاب، وسيارات، واستثمارات تقنية، وأطلق شركات محلية ضخمة.

الاختبار الجديد أصعب:

متى تبدأ هذه المحفظة في إعادة المال بدل طلب المزيد منه؟

شراء شركة سهل إذا كانت الخزينة ضخمة.

بناء شركة مربحة أصعب.

إطلاق مشروع أسهل من جعله ينتج تدفقات نقدية.

والوصول إلى تريليون دولار عبر نقل الأصول والاقتراض وارتفاع التقييمات مختلف جذريًا عن الوصول إليه عن طريق تراكم الأرباح الاستثمارية.

من صندوق يشتري المستقبل إلى صندوق مطالب بتقديم الحساب

هذا هو التحول الحقيقي.

مرحلة التوسع كانت مبهرة بصريًا:

صفقة جديدة.

مشروع جديد.

شركة جديدة.

مدينة جديدة.

نجم كرة قدم جديد.

استحواذ جديد.

لكن الاقتصاد لا يحاسب الصندوق على عدد المؤتمرات الصحفية.

بعد سنوات، يبدأ السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:

كم وضعت؟ وكم عاد إليك؟

وإذا كانت قيمة الأصول المدارة قد تراجعت إلى 3.396 تريليون ريال، والعائد السنوي انخفض، وبعض المشاريع تتعرض لإعادة تقييم، فإن الرد المطلوب ليس حملة علاقات عامة جديدة.

المطلوب قدر أكبر من الشفافية حول أداء كل فئة استثمارية، والتخفيضات في قيمة الأصول، والعائد على المشاريع المحلية، وحجم رأس المال الإضافي الذي ستحتاج إليه الشركات والمشروعات الكبرى.

الصندوق لم يفلس.. لكن زمن الأرقام السهلة انتهى

من المبالغة وصف هذه الأرقام بأنها دليل على انهيار صندوق الاستثمارات. الصندوق لا يزال يملك محفظة هائلة وأصولًا ضخمة وقدرة مالية كبيرة، والتراجع السنوي في قيمة الأصول لا يعني الإفلاس.

لكن التهوين من دلالتها سيكون خطأ بالقدر نفسه.

لأن صندوق الاستثمارات لم يُبنَ لكي يبقى ضخمًا فقط.

لقد قُدّم باعتباره المحرك المالي لرؤية 2030.

والمحرك لا يُقاس بحجمه.

يُقاس بما ينتجه.

وهنا يصبح تراجع الأصول، بالتزامن مع انخفاض العائد وضخ رأس المال في استثمارات محلية طويلة الأجل، جرس إنذار يستحق القراءة بعيدًا عن الدعاية وعن الشماتة معًا.

لقد أمضى صندوق الاستثمارات سنوات وهو يثبت للعالم أنه قادر على إنفاق مئات المليارات.

أما المرحلة القادمة فسوف تفرض عليه إثبات شيء أصعب بكثير:

أنه يعرف كيف يعيد هذه المليارات ومعها أرباحها.

فبعد نيوم ولوسيد والرياضة والسياحة والألعاب والعشرات من الرهانات الأخرى، لم يعد السؤال الكبير: إلى أي حجم سيصل صندوق الاستثمارات؟

السؤال الذي سيحدد قيمة التجربة كلها هو:

كم من هذا الحجم ثروة صنعتها الاستثمارات فعلًا.. وكم منه مجرد أموال وأصول انتقلت إلى الصندوق ثم بدأت تنتظر العائد؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية