من «مجتمع محافظ» إلى حفلات المسابح والـDJ حين أصبحت هندسة المجتمع جزءًا من صناعة الترفيه السعودية

من «مجتمع محافظ» إلى حفلات المسابح والـDJ حين أصبحت هندسة المجتمع جزءًا من صناعة الترفيه السعودية

لم يعد التحول الاجتماعي في السعودية يُقاس بافتتاح دار سينما أو إقامة حفل غنائي استثنائي كما كان يحدث قبل سنوات. المشهد تجاوز مرحلة كسر المحظورات واحدًا بعد آخر إلى مرحلة أكثر رسوخًا، باتت فيها أنماط ترفيه كانت ستبدو مستبعدة تمامًا قبل عقد واحد جزءًا من المشهد اليومي الذي تصنعه شركات خاصة وتدعمه البيئة الجديدة التي أرستها الحكومة.

أحدث الأمثلة التي تطرحها المواد المتداولة هو نشاط في فلو رياض، المرتبط برجل الأعمال الإسرائيلي آدم نيومان، حيث أُقيمت أمسية DJ في مساحة تضم مسبحًا مكشوفًا وساونا، بحضور مختلط قيل إن النساء شكلن نحو 80% منه. وبالتوازي، تستمر هيئة الترفيه بقيادة تركي آل الشيخ في استضافة حفلات جماهيرية، ومن بينها عودة هيفاء وهبي للغناء أمام الجمهور السعودي.

يمكن اختزال ذلك كله بالقول إن السعودية أصبحت أكثر انفتاحًا. لكن هذه العبارة تخفي السؤال الأكثر أهمية: هل نحن أمام تحرير طبيعي لخيارات المجتمع، أم أمام مشروع تقوده الدولة لإعادة تشكيل المجال العام نفسه بسرعة غير مسبوقة، بينما تبقى مساحة الاعتراض السياسي والاجتماعي على اتجاه هذا التحول شديدة الضيق؟

وهنا تكمن المفارقة السعودية الجديدة: لم يعد الجدل متعلقًا بوجود الترفيه، وإنما بمن يحدد شكله وحدوده وسرعة إدخاله إلى المجتمع.

التحول لم يعد «سماحًا» بالترفيه بل صناعة كاملة لتغيير المجال العام

قبل سنوات قليلة فقط، كانت الحكومة السعودية تقدم السينما والحفلات الموسيقية باعتبارهما علامات على «السعودية الجديدة». أما اليوم فقد تجاوز المشهد ذلك بكثير.

حفلات موسيقية ضخمة، مهرجانات عالمية، مصارعة وملاكمة، مواسم ترفيهية، فعاليات رقص وموسيقى إلكترونية، ومشروعات سياحية وترفيهية بمليارات الدولارات.

وبالتالي لا نتحدث عن قرار بسيط يقول للمواطن: افعل ما تشاء.

هناك منظومة اقتصادية ومؤسساتية كاملة تدفع باتجاه خلق قطاع ترفيهي جديد، من هيئة الترفيه إلى شركات صندوق الاستثمارات ومشروعات القدية والدرعية وغيرها.

وهنا يصبح مشهد أمسية DJ عند مسبح في الرياض مهمًا ليس بسبب المناسبة نفسها، بل بسبب ما يمثله من مسافة اجتماعية قطعتها المملكة خلال سنوات قليلة.

فالحدث الذي كان سيبدو صادمًا في السعودية القديمة أصبح قابلًا للتسويق بوصفه نشاطًا عصريًا طبيعيًا في العاصمة.

هذا تحول حقيقي لا يمكن إنكاره.

لكن السؤال الذي لا يقل أهمية هو: هل حدثت سرعة التحول لأن المجتمع نفسه تغير بهذه السرعة، أم لأن السلطة قررت تغيير الحدود المسموح بها ثم تبع السوق الحدود الجديدة؟

الدولة السعودية التي كانت قبل سنوات تضبط المجال العام وفق نموذج اجتماعي شديد المحافظة أصبحت اليوم الراعي الأكبر لصناعة ترفيه تتبنى نموذجًا مختلفًا جذريًا.

لم تختف قدرة الدولة على تحديد شكل المجتمع.

الذي تغير هو الاتجاه الذي تستخدم فيه هذه القدرة.

من هيئة الأمر بالمعروف إلى هيئة الترفيه تغيرت المؤسسة وبقيت مركزية القرار

ربما تكون هذه المفارقة هي الأكثر أهمية في التجربة كلها.

السعودية القديمة لم تكن تترك المجال الاجتماعي للمجتمع.

والسعودية الجديدة لا تفعل ذلك بالكامل أيضًا.

في السابق، كانت السلطة تحدد مساحة المسموح عبر المؤسسة الدينية والقيود الاجتماعية الرسمية.

واليوم أصبحت الدولة نفسها توسع المسموح وتستثمر مليارات الريالات في خلق أنماط جديدة من الحياة العامة.

وهذا فرق اجتماعي هائل، لكنه لا يعني بالضرورة انتقالًا مماثلًا من الوصاية إلى حرية الاختيار.

فحرية المجتمع لا تقاس فقط بقدرته على حضور حفلة.

تقاس أيضًا بقدرته على الاعتراض عليها.

ولا تقاس فقط بالسماح لفنانة عربية بالغناء.

بل بوجود مجال يستطيع فيه المحافظ والليبرالي والمتدين وغير المتدين التعبير عن رؤيته للاتجاه الاجتماعي دون خوف أو إقصاء.

وهنا يظهر التناقض.

المواطن يستطيع اليوم شراء تذكرة لحفل لم يكن مسموحًا به سابقًا، بينما تظل الحدود السياسية للنقاش العام مختلفة جذريًا عن حدود الترفيه.

وهذا يجعل وصف العملية كلها بأنها «تحرير للمجتمع» بحاجة إلى تدقيق.

التحرير الحقيقي يعطي الفرد حق الذهاب إلى الحفل وحق انتقاده في الوقت نفسه.

أما تغيير قائمة الأشياء التي تسمح بها السلطة، فهو تحديث اجتماعي مهم، لكنه يظل مختلفًا عن نقل القرار من السلطة إلى المجتمع.

وهذا تحديدًا هو السؤال الذي ينبغي أن يطرح على الدور المتضخم لهيئة الترفيه وتركي آل الشيخ: هل وظيفة الحكومة توفير البيئة القانونية وترك السوق والمجتمع يختاران، أم أن الدولة نفسها أصبحت منتجًا ومروجًا وممولًا ومحددًا لاتجاه الثقافة الجماهيرية؟

من آدم نيومان إلى هيفاء وهبي.. الترفيه أصبح أيضًا مشروعًا اقتصاديًا وسياسيًا

وجود شركة مرتبطة برجل أعمال إسرائيلي مثل آدم نيومان في هذا المشهد يضيف طبقة أخرى من الدلالة، لكن يجب التعامل معها اقتصاديًا لا بالخلط بين جنسية المستثمر وسياسات دولة إسرائيل.

المهم هنا أن السعودية الجديدة تريد رأس المال والعلامات والخبرات الدولية في قطاع كان شبه مغلق سابقًا.

وبالمثل، استضافة هيفاء وهبي ليست حدثًا منفصلًا بقدر ما أصبحت جزءًا من نموذج يقوم على استيراد نجوم عرب وعالميين وتحويل الرياض إلى سوق إقليمي ضخم للحفلات والفعاليات.

والحكومة لديها حجة اقتصادية واضحة تستطيع الدفاع بها عن ذلك.

السعوديون كانوا ينفقون جزءًا من أموالهم على الترفيه في دبي وبيروت ولندن ومدن أخرى.

فلماذا لا يبقى هذا الإنفاق داخل السعودية؟

لماذا لا تعمل الفنادق والمطاعم وشركات الإنتاج والنقل داخل المملكة بدل استفادة اقتصادات أخرى؟

هذه الحجة معقولة.

لكنها لا تحسم النقاش.

لأن الترفيه في السعودية لم يعد مجرد قطاع تجاري مستقل؛ لقد أصبح واجهة سياسية لرؤية 2030 وصورة السعودية التي يريد محمد بن سلمان تقديمها إلى الخارج.

الحفل إذن يبيع تذكرة، لكنه يبيع أيضًا صورة.

والـDJ يقدم الموسيقى، لكنه يصبح في الوقت نفسه جزءًا من رسالة تقول إن الرياض لم تعد المدينة التي عرفها العالم قبل عشر سنوات.

وهذا يفسر لماذا اكتسب قطاع الترفيه وزنًا سياسيًا يفوق مساهمته المباشرة في الاقتصاد.

السعودية تريد تغيير صورتها بالسرعة نفسها التي تغير بها شوارع الرياض.

لكن تغيير الصورة الدولية أسهل من الإجابة عن سؤال الهوية في الداخل.

 التناقض الأكبر: انفتاح اجتماعي واسع يقابله مجال سياسي شديد الضيق

وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

ليس التناقض في أن دولة محافظة تقيم حفلات. المجتمعات تتغير، ولا توجد دولة ملزمة بتجميد عاداتها عند لحظة تاريخية معينة.

التناقض الحقيقي هو أن مساحة الاختيار في نمط الحياة اتسعت بسرعة، بينما لم تتسع المساحة نفسها بالقدر ذاته في المشاركة السياسية والتعبير العام المستقل.

وهذه نقطة تجعل التجربة السعودية مختلفة عن سردية «التحرر» البسيطة.

فالدولة تقول للشاب والشابة عمليًا: لديكما خيارات ترفيهية أكبر بكثير من السابق.

لكن السؤال الآخر هو: ما مقدار المشاركة المتاحة لهما في تحديد السياسات التي تعيد تشكيل المجتمع نفسه؟

من يقرر أين تقع الحدود؟

ومن يناقشها؟

ومن يستطيع الاعتراض؟

وهل يوجد نقاش عام حقيقي حول سرعة التحول وتكلفته وأولوياته، أم أن المجتمع يشاهد القرارات بعد اتخاذها ثم يُطلب منه الاختيار داخل المساحة التي حددتها السلطة؟

هذه ليست دعوة لإعادة القيود القديمة، ولا حكمًا أخلاقيًا على من يحضر حفلة أو يستمع إلى مغنٍ أو يذهب إلى مسبح.

القضية أعمق من السلوك الشخصي.

إنها تتعلق بمن يملك حق تشكيل المجال العام.

 ليست القضية هيفاء وهبي ولا الـDJ بل من يكتب النسخة الجديدة من السعودية

أسهل قراءة للمشهد هي تحويله إلى معركة بين «المحافظين» و«المنفتحين».

لكن ذلك يضيع القضية الأساسية.

فالسعودية تغيرت فعلًا، وبدرجة يصعب إنكارها. وما كان ممنوعًا بالأمس أصبح اليوم نشاطًا تجاريًا معلنًا، وما كان يُعتبر تجاوزًا اجتماعيًا أصبحت مؤسسات وشركات تعمل على تسويقه.

لكن المفارقة أن الدولة التي كانت في الماضي تستخدم قوتها لإغلاق المجال الاجتماعي أصبحت تستخدم القوة المركزية نفسها لفتحه في الاتجاه الذي اختارته هي.

ولهذا فإن السؤال ليس هل الحفلات جيدة أم سيئة.

وليس هل هيفاء وهبي ينبغي أن تغني في الرياض.

ولا ماذا يرتدي الحاضرون أو من يذهب إلى المسبح.

هذه خيارات شخصية.

السؤال السياسي الحقيقي أكثر أهمية:

هل السعودية الجديدة مجتمع أصبح أفراده أحرارًا في تشكيل نمط حياتهم، أم مجتمع انتقل ببساطة من نموذج اجتماعي صاغته الدولة إلى نموذج اجتماعي آخر تصوغه الدولة أيضًا؟

إذا كان هدف رؤية 2030 بناء مجتمع أكثر انفتاحًا، فإن الاختبار النهائي لن يكون عدد الحفلات ولا أسماء الفنانين ولا حجم مواسم الترفيه.

سيكون عندما تصبح حرية السعودي في الاختلاف مع الاتجاه الرسمي محمية بالقدر نفسه الذي أصبحت فيه حريته في شراء تذكرة لحفل موسيقي ممكنة.

فالمجتمع الحديث لا تصنعه منصة DJ، ولا نجمة غناء، ولا هيئة ترفيه.

يصنعه المواطن عندما يصبح شريكًا في تحديد شكل مجتمعه، لا مجرد جمهور تُغيَّر أمامه العروض بينما تبقى يد واحدة ممسكة بمفتاح المسرح.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية