من «أغنى نادٍ في العالم» إلى بيع النجوم لتمويل الفريق نيوكاسل يكشف نهاية مرحلة الشيك المفتوح لصندوق الاستثمارات

من «أغنى نادٍ في العالم» إلى بيع النجوم لتمويل الفريق نيوكاسل يكشف نهاية مرحلة الشيك المفتوح لصندوق الاستثمارات

عندما استحوذ صندوق الاستثمارات العامة السعودي على نيوكاسل يونايتد، كانت الرسالة التي وصلت إلى عالم كرة القدم واضحة: دخلت إلى الدوري الإنجليزي قوة مالية هائلة تستطيع، نظريًا، تحويل نادٍ ظل لعقود بعيدًا عن القمة إلى منافس دائم على البطولات.

لكن المشهد الذي ينقله موقع Heavy اليوم مختلف جذريًا.

بدل الحديث عن شراء النجوم، أصبح الحديث عن بيعهم. وبدل أن يكون صندوق الاستثمارات هو الحل لكل احتياجات النادي المالية، أصبحت العبارة الأكثر تداولًا داخل الإدارة هي «الاستدامة المالية».

وبحسب التقرير، أدخل نيوكاسل نحو 250 مليون جنيه إسترليني من بيع ثلاثة من أهم لاعبيه هذا الصيف: أنتوني غوردون بنحو 68 مليونًا، وساندرو تونالي بنحو 92.5 مليونًا، والقائد برونو غيماريش إلى أرسنال بنحو 75 مليون جنيه، مع تحول استراتيجية التعاقدات إلى لاعبين أصغر سنًا وأقل تكلفة يمكن تطويرهم وبيعهم مستقبلًا.

يمكن تفسير ذلك بأنه نضج إداري طبيعي لنادٍ يريد أن يعيش من إيراداته.

لكن عند وضعه بجانب ما يحدث في مشروعات أخرى لصندوق الاستثمارات، تظهر قراءة أكثر إثارة للاهتمام:

المشكلة لم تعد كيف ينفق الصندوق أمواله، بل كيف يقلل عدد المشروعات التي تحتاج إليه كي تستمر في الإنفاق.

 بعد سنوات من شراء المستقبل نيوكاسل بدأ بيع الحاضر

التحول الأهم ليس في قيمة الصفقات، بل في نوعية اللاعبين المغادرين.

غوردون وتونالي وغيماريش ليسوا فائضًا رياضيًا يجري التخلص منه. وفق الصورة التي يقدمها التقرير، نحن أمام بيع مجموعة من أهم أصول الفريق الرياضية والتجارية.

وهذا فارق جوهري.

فالنادي الذي يريد تسريع مشروعه الرياضي عادة يحتفظ بأفضل لاعبيه ثم يضيف إليهم.

أما بيع النجوم ثم استبدالهم بمواهب أصغر وأرخص، فهو نموذج مختلف تمامًا: إدارة محفظة أصول بشرية بهدف المحافظة على القدرة المالية بقدر المحافظة على القدرة الرياضية.

ولا يوجد شيء خاطئ في هذا النموذج.

بل إن عددًا من أفضل أندية العالم يقوم عليه.

المشكلة بالنسبة إلى نيوكاسل هي أن هذا لم يكن الانطباع الذي صاحب دخول صندوق الاستثمارات.

كان الحديث عن مشروع سيصعد بالنادي إلى الطبقة العليا من كرة القدم الأوروبية، مستفيدًا من القوة المالية الاستثنائية لمالكه الجديد.

واليوم، أصبح النادي مضطرًا إلى القيام بما تفعله الفرق التي لا تستطيع الاعتماد على مالك يكتب شيكًا جديدًا كلما أرادت التعاقد مع لاعب:

بيع لاعب مرتفع القيمة حتى يستطيع إعادة تدوير المال داخل الفريق.

وهكذا تتحول الـ250 مليون جنيه من دليل على القوة في سوق الانتقالات إلى علامة على تغير النموذج كله.

 المشكلة ليست أن الصندوق لا يملك المال بل أن الجميع يريد المال منه

قد يكون من السهل النظر إلى ما يحدث والقول إن صندوق الاستثمارات «نفدت أمواله».

هذا استنتاج مبالغ فيه.

الصندوق لا يزال يمتلك أصولًا بمئات المليارات من الدولارات، ونيوكاسل نفسه يخضع أيضًا لقواعد مالية محلية وأوروبية تحد من قدرة المالك على ضخ الأموال بلا قيود.

لكن ذلك لا يلغي السياق الأوسع.

صندوق الاستثمارات لم يشتر نيوكاسل وحده.

هناك نيوم.

القدية.

الدرعية.

البحر الأحمر.

لوسيد.

الطيران.

التعدين.

الألعاب الإلكترونية.

الذكاء الاصطناعي.

البنية التحتية الرقمية.

والرياضة السعودية نفسها.

وهناك عشرات الشركات والمشاريع الأخرى التي تحتاج إلى رأس المال.

وهنا تقع المعضلة.

حتى الصندوق الذي يدير مئات المليارات لا يستطيع تمويل عدد غير محدود من المشاريع الخاسرة أو كثيفة الاستهلاك للسيولة إلى الأبد.

كل مشروع يريد المليار التالي.

وبالتالي أصبح المطلوب من بعض الأصول التي اعتادت تلقي المال أن تبدأ في إنتاجه أو توفيره بنفسها.

ونيوكاسل مثال ممتاز.

بدلًا من انتظار ضخ جديد من المساهم، بيع النادي أصولًا رياضية وجمع نحو ربع مليار جنيه.

بمعنى آخر: الفريق بدأ يمول الفريق.

وهذا جيد من منظور الحوكمة المالية، لكنه اعتراف ضمني بأن المرحلة الأولى من المشروع لم تكن نموذجًا قابلًا للاستمرار إلى ما لا نهاية.

 من نيوكاسل إلى LIV.. كلمة السر أصبحت «ابحث عن ممول آخر»

الأهم أن التحول لا يبدو محصورًا في كرة القدم الإنجليزية.

بحسب المعلومات الواردة، يظهر الاتجاه نفسه في مشروع LIV Golf.

بعد ضخ مليارات الدولارات لتأسيس الدوري، واستقطاب نجوم الغولف بعقود ضخمة، والدخول في مواجهة مباشرة مع المؤسسة التقليدية للعبة، انتقلت القصة إلى مرحلة مختلفة: خفض للإنفاق، إلغاء بعض البطولات، تسريح موظفين، والبحث عن مستثمر خارجي.

وهنا يصبح التشابه مع نيوكاسل مثيرًا للاهتمام.

في البداية:

الصندوق يدفع.

ثم يكبر المشروع.

ثم ترتفع فاتورته.

ثم تأتي المرحلة الثانية:

كيف نجعل شخصًا آخر يشارك في دفع الفاتورة؟

هذه ليست بالضرورة استراتيجية فاشلة. المستثمر المحترف يفترض أصلًا أن يبني الأصل ثم يجذب إليه شركاء أو يبيعه جزئيًا بقيمة أعلى.

لكن نجاح هذه الاستراتيجية يحتاج إلى شرط حاسم:

يجب أن يأتي المستثمر الخارجي لأنه يرى عائدًا تجاريًا حقيقيًا، لا لأن المساهم السيادي يمنحه ضمانات أو امتيازات تجعل المخاطرة تقع في النهاية على الصندوق.

وهنا سيكون اختبار LIV الحقيقي.

فإن استطاع جذب رأس مال مستقل بتقييم قوي، يستطيع الصندوق القول إنه بنى أصلًا أصبح الآخرون مستعدين لشراء جزء منه.

أما إذا لم يجد المستثمر إلا بشروط شديدة السخاء، فستصبح مليارات مرحلة التأسيس أكثر صعوبة في الدفاع عنها.

«الاستدامة المالية» هي العبارة التي تكشف تغير عصر صندوق الاستثمارات

أكثر ما يستحق التوقف عنده في تقرير نيوكاسل ليس اسم لاعب بيع أو مدرب رحل.

إنها عبارة:

الاستدامة المالية.

هذه العبارة تمثل تقريبًا النقيض النفسي لمرحلة الانطلاق.

في المرحلة الأولى كان السؤال: ماذا نستطيع شراءه؟

في المرحلة الحالية أصبح السؤال: ماذا نستطيع تحمل تكلفته؟

والفرق بين السؤالين يلخص تحولًا أكبر داخل استراتيجية صندوق الاستثمارات.

حتى استقدام ماتياس يايسله من الأهلي السعودي بدل إيدي هاو — الذي قاد نيوكاسل، وفق المعطيات الواردة، إلى أول لقب كبير منذ سبعين عامًا وتأهلين إلى دوري الأبطال — يحمل دلالة على استعداد الإدارة لتغيير النموذج الرياضي نفسه بدل المحافظة على الاستمرارية بأي ثمن.

قد ينجح يايسله أكثر من هاو، وقد يكون القرار رياضيًا ممتازًا.

لكن الصورة الإجمالية واضحة: نيوكاسل لم يعد يتصرف باعتباره مشروعًا يستطيع علاج كل مشكلة بالإنفاق.

والواقع أن قوانين كرة القدم الأوروبية نفسها تجعل هذا التحول ضروريًا. فامتلاك صندوق ثروة سيادي للنادي لا يعني أن بإمكانه تحويل عشرات المليارات إليه بلا حدود؛ قواعد الربحية والاستدامة والرقابة الأوروبية تجعل الإيرادات الحقيقية أكثر أهمية.

لكن هذه القيود كانت معروفة منذ البداية.

ولهذا فإن السؤال يصبح: لماذا احتاج المشروع إلى سنوات حتى يصل إلى نموذج يبدو الآن أقرب إلى إدارة الأندية التقليدية؟

 الصندوق اشترى المشروعات بالمال.. والآن يريد من المشروعات أن تتعلم العيش بدونه

قصة نيوكاسل أكبر من سوق انتقالات صيفية.

بيع ثلاثة لاعبين بارزين وجمع قرابة 250 مليون جنيه ثم الاتجاه إلى مواهب أصغر وأرخص ليس انهيارًا للنادي. قد يكون، من الناحية الإدارية، بالضبط ما يحتاج إليه نيوكاسل كي يصبح مؤسسة رياضية أكثر استدامة.

لكن ذلك يكشف شيئًا آخر عن المشروع السعودي.

المرحلة التي كان فيها مجرد وجود صندوق الاستثمارات خلف أي أصل يعني توقع تدفق شبه مفتوح للأموال بدأت تتغير.

نيوكاسل مطالب ببيع اللاعبين.

LIV يبحث عن رأس مال خارجي.

مشاريع سياحية تستخدم القروض والشراكات.

شركات أخرى تبحث عن المستثمرين.

والمشاريع العملاقة يعاد ترتيب أولوياتها.

الخيط المشترك بينها جميعًا ليس الإفلاس، بل ندرة رأس المال مقارنة بحجم الطموحات الموضوعة أمامه.

وهذه لحظة الحساب التي كان لا بد أن تأتي.

فمن السهل جدًا أن تجعل مشروعًا يبدو ناجحًا عندما يكون خلفه مساهم يستطيع تعويض الخسارة كل عام.

الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يقول المساهم:

لن أدفع كل مرة.

عندها نعرف قيمة الأصل الحقيقية.

هل يستطيع نيوكاسل المنافسة وتمويل نفسه؟

هل يستطيع LIV جذب المستثمرين وتحقيق عائد؟

هل تستطيع لوسيد بيع سيارات تكفي لتغطية تكاليفها؟

هل تستطيع المشاريع السياحية جذب رأس مال خاص؟

وهل تستطيع المشاريع العملاقة الانتقال من استهلاك أموال الصندوق إلى إنتاج تدفقات نقدية له؟

هذه هي الأسئلة التي ستحدد المرحلة الثانية من تجربة صندوق الاستثمارات.

لقد أثبت الصندوق خلال السنوات الماضية أنه يستطيع شراء اللاعبين، وإطلاق البطولات، وتأسيس الشركات، وبناء المشاريع ورفع الأسعار في الأسواق التي يدخلها.

لكن شراء النمو بالمال ليس أصعب جزء في الاستثمار.

الأصعب أن تجعل النمو قادرًا على البقاء عندما يتوقف المال السهل.

ولهذا فإن بيع نجوم نيوكاسل ليس مجرد خبر رياضي.

إنه صورة مصغرة لمعضلة أكبر تواجه المحفظة السعودية كلها:

بعد سنوات كان صندوق الاستثمارات يسأل فيها: «كم يحتاج المشروع كي يكبر؟» بدأ السؤال يتحول إلى: «متى يتوقف هذا المشروع عن حاجته إلينا؟»

وحين يصل صندوق سيادي إلى هذه المرحلة، تنتهي حفلة الاستحواذات ويبدأ الامتحان الذي لا تنفع معه قيمة الصفقة ولا شهرة اللاعب ولا ضخامة الإعلان:

هل اشترى الصندوق أصولًا قادرة على صناعة المال.. أم اشترى مشروعات لا تبدو قوية إلا ما دام هو من يدفع الفاتورة؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية