لم تحتج «جامعة نيوم» إلى إعلان رسمي بإلغائها. بحسب ما أوردته Times Higher Education، حدث شيء أكثر هدوءًا: اختفى الاسم، وغادر أبرز المسؤولين، وأزيلت الإشارات التفصيلية إلى الجامعة من موقع نيوم، وتحولت الوعود التي كانت تتحدث عن مؤسسة أكاديمية وبحثية استثنائية إلى عبارات عامة عن التعليم والبحث والابتكار.
بعد قرابة أربع سنوات من الإعداد، لا يبدو أن المشروع الذي قُدّم باعتباره مرشحًا لأن يصبح «المؤسسة البحثية الأولى والأفضل تمويلًا في السعودية» وصل أصلًا إلى اللحظة التي يستطيع فيها استقبال أول دفعة طلاب ثم يُحكم على نجاحه أو فشله.
وهذه تحديدًا هي المشكلة.
فالجامعة لم تفشل بعد عشرين عامًا من المنافسة الأكاديمية، ولم تهزمها جامعة أخرى في التصنيفات، ولم تنخفض أبحاثها أو يتراجع عدد طلابها.
المشروع يبدو أنه تعثر قبل أن يصبح جامعة مكتملة أصلًا.
وهكذا تتحول قصة «جامعة نيوم» من خبر تعليمي صغير إلى نموذج مصغر لأزمة أكبر رافقت بعض مشاريع نيوم: الطموح يُعلن أولًا بأقصى صوره، ثم تبدأ الأسئلة الأساسية — التمويل، والحوكمة، والاختصاص، والجدول الزمني، والجدوى — في مطاردة المشروع بعد ذلك.
أرادت منافسة كاوست قبل أن تحسم سؤالًا أبسط: جامعة حكومية أم خاصة؟
هذه ربما تكون أكثر مفارقات القصة قسوة.
جامعة نيوم لم تُقدم في بداياتها باعتبارها كلية صغيرة أو مشروعًا تجريبيًا يمكن تطويره تدريجيًا. الطموح كان الوصول إلى مؤسسة بحثية شديدة التمويل وقادرة على منافسة جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية «كاوست».
وهذا طموح ضخم.
بناء جامعة بحثية عالمية ليس تشييد مبانٍ ثم وضع كلمة University على بوابتها.
الجامعة تحتاج إلى استقلال أكاديمي، وهيكل حوكمة، وموازنة طويلة الأجل، ونظام توظيف عالمي، واعتماد أكاديمي، ومختبرات، وبرامج دكتوراه، وشبكات بحثية، وآلية واضحة لمنح الدرجات، والأهم من كل ذلك هوية مؤسسية مستقرة لعقود.
لكن الباحثة أناليزا بافان تلفت إلى سؤال يبدو بدائيًا مقارنة بضخامة الطموح:
هل الجامعة عامة أم خاصة؟
وتتبع من؟
وزارة التعليم؟
نيوم؟
جهة مستقلة؟
ومن يملك سلطة اعتماد برامجها؟
إذا ظل هذا السؤال الأساسي غير محسوم، فكيف كان المشروع يستعد ليصبح أحد أهم مراكز البحث العلمي في المملكة؟
هنا تظهر واحدة من مشكلات نموذج «المشروع العملاق».
يبدأ التفكير من النهاية:
نريد واحدة من أفضل الجامعات.
ثم تأتي لاحقًا التفاصيل التي يفترض أصلًا أن تكون الأساس الذي تُبنى عليه الجامعة.
والمشكلة أن التصنيف العالمي يمكن وضعه في عرض تقديمي.
أما المؤسسة الأكاديمية فلا تُبنى بالعرض التقديمي.
غادر الرئيس وغادر رئيس مؤسسة البحث ثم اختفت الجامعة من الموقع
التغيرات البشرية وحدها لا تثبت إلغاء أي مشروع.
أندرياس كانجيلاريس، الرئيس المؤسس للجامعة والعميد السابق في جامعة إلينوي أوربانا-شامبين، غادر منصبه في مارس بعد قرابة أربع سنوات، وانتقل إلى دور مستشار أول في جامعة الرياض للفنون.
ودونال برادلي، أستاذ الفيزياء السابق في أكسفورد، غادر رئاسة مؤسسة نيوم للتعليم والبحث والابتكار في يوليو بعد نحو ثلاث سنوات ونصف.
يمكن لأي مؤسسة أن تغير قياداتها.
لكن عندما يغادر المسؤولان الكبيران بالتزامن مع اختفاء كل ذكر للجامعة من موقع المشروع واستبدال التفاصيل المتعلقة ببرامجها ومبادراتها البحثية بحديث عام عن الالتزام بالتعليم والبحث، يصبح من الصعب التعامل مع كل واقعة منفصلة عن الأخرى.
وإذا كان المشروع قد تغير بدل أن يُلغى، فأبسط معايير الشفافية تقتضي توضيح ما حدث له.
هل جُمّد؟
هل أُدمج في مؤسسة أخرى؟
هل أعيد تصميمه؟
هل تغير موعد إطلاقه؟
هل نُقلت برامجه إلى جامعات أخرى؟
أم أُلغي تمامًا؟
الصمت لا يجيب.
ومحو الصفحات القديمة لا يمحو حقيقة أن فرقًا من الموظفين والخبراء عملت سنوات على المشروع.
وهنا يصبح السؤال الذي يغيب عادة عن قصة المشاريع التي تتلاشى:
كم كلفت السنوات الأربع؟
رواتب القيادات الدولية.
المستشارون.
الدراسات.
التصميم المؤسسي.
التوظيف.
البرامج البحثية التحضيرية.
المكاتب.
العقود.
والوقت.
حتى المشروع الذي لم يفتح أبوابه يمكن أن يستهلك مبالغ كبيرة قبل افتتاحها.
وإذا كان قد أُلغي فعلًا، فإن من حق الممول معرفة تكلفة المشروع منذ ولادته حتى اختفائه.
من «جامعة المستقبل» إلى منشور عام عن التعليم.. هذه هي مشكلة نيوم الأعمق
قصة الجامعة تصبح أكثر أهمية عند وضعها داخل السياق الأوسع لنيوم.
نيوم منذ البداية لم تُطرح باعتبارها مشروعًا عقاريًا فقط.
كان المطلوب منها أن تكون مدينة، واقتصادًا، ومختبرًا للتكنولوجيا، ووجهة سياحية، ومركزًا صناعيًا، ومنطقة للذكاء الاصطناعي، ومجتمعًا جديدًا، وبيئة بحثية وتعليمية في الوقت نفسه.
وهنا تكمن المشكلة البنيوية:
كلما توسعت قائمة الأشياء التي يريد المشروع أن يكونها، تضاعفت كمية رأس المال والإدارة والخبرات التي يحتاج إليها كي يصبح أيًا منها بصورة ممتازة.
جامعة عالمية وحدها مشروع ضخم.
مدينة عالمية وحدها مشروع ضخم.
منتجعات سياحية وحدها مشروع ضخم.
ميناء وصناعة وطاقة وهيدروجين وبنية تحتية وحدها منظومة هائلة.
أما جمع كل ذلك داخل مشروع واحد ثم محاولة تنفيذه بوتيرة متزامنة، فيجعل رأس المال والقدرة التنفيذية يدخلان في منافسة داخل المشروع نفسه.
وهذا يفسر لماذا تصبح الأولويات مؤلمة عندما تبدأ الميزانيات في الانضباط.
هل تنفق المليار القادم على الجامعة؟
أم «ذا لاين»؟
أم تروجينا؟
أم سندالة؟
أم أوكساغون؟
أم البنية التحتية التي تحتاج إليها كل هذه المناطق أصلًا؟
في مرحلة المال الوفير يمكن الاحتفاظ بكل الأحلام.
في مرحلة الحساب يجب أن يموت بعضها كي يعيش البعض الآخر.
وهنا تصبح جامعة نيوم مهمة رمزيًا.
إذا كان المشروع الذي كان سيصنع المعرفة نفسها قادرًا على الاختفاء بهذه السهولة، فكم عنصرًا آخر داخل التصور الأصلي لنيوم ما زال موجودًا لأنه قابل للتنفيذ، وكم عنصرًا ينتظر دوره في إعادة الهيكلة؟
المشكلة ليست إلغاء مشروع فاشل المشكلة في ثقافة لا تريد أن تقول «ألغيناه»
إلغاء مشروع غير مجدٍ ليس فضيحة في حد ذاته.
بل العكس.
إذا اكتشفت الحكومة أو صندوق الاستثمارات أن جامعة نيوم غير ضرورية، أو أن السعودية تستطيع تحقيق الهدف نفسه بكلفة أقل من خلال كاوست أو الجامعات القائمة أو جامعة جديدة أكثر تخصصًا، فإن وقف المشروع قد يكون القرار المالي الصحيح.
الخطأ الحقيقي هو الاستمرار في الإنفاق فقط لأن المشروع أُعلن عنه سابقًا.
هذه هي مغالطة التكلفة الغارقة: لقد أنفقنا كثيرًا، إذن يجب أن ننفق أكثر حتى لا نعترف بأن الأموال الأولى لم تحقق الهدف.
إذا أوقفت السعودية مشروعًا ضعيف الجدوى قبل أن يستهلك مليارات إضافية، فينبغي اعتبار ذلك تصحيحًا لا هزيمة.
لكن التصحيح يحتاج إلى اعتراف.
وهنا تصبح ملاحظة كريستوفر ديفيدسون عن المشروعات العملاقة في المنطقة مهمة: المشاريع التي يتجاوز فيها الطموح الواقع قد لا تحصل على جنازة رسمية؛ وإنما تتلاشى أو تُدمج في مشروع آخر، لأن إعلان الإلغاء يحمل تكلفة سياسية وسمعة على من أطلق المشروع.
وهذه الثقافة هي التي تحتاج إلى التغيير.
لأن الاعتراف بالفشل ليس أخطر شيء يمكن أن يحدث لمشروع استثماري.
الأخطر هو أن يصبح الاعتراف بالفشل ممنوعًا، فيستمر الجميع في الدفاع عن قرارات يعرفون أنها لم تعد منطقية.
عندها تصبح المؤسسة أسيرة لسمعة صاحب القرار بدل أن تكون مسؤولة عن أموالها.
يمكن حذف «جامعة نيوم» من الموقع لكن من يحذف تكلفة أربع سنوات من الحساب؟
جامعة نيوم تقدم درسًا أكبر من التعليم.
كان هناك اسم.
ورئيس مؤسس دولي.
وقيادة للبحث والابتكار.
وخطط.
وطموح لمنافسة كاوست.
ووعد بمؤسسة بحثية استثنائية.
ثم بعد نحو أربع سنوات، غادر الرئيس، وغادر المسؤول البارز عن البحث، واختفى اسم الجامعة من الواجهة، من دون تفسير علني واضح لما حل بالمشروع بحسب المعلومات المنشورة.
وربما تكون إعادة توجيه المشروع قرارًا صحيحًا.
لكن إذا كان الأمر كذلك، فليُقل ذلك.
ما الذي أُلغي؟
ما الذي نُقل؟
كم أُنفق؟
ماذا بقي من الأصول والبرامج التي أُنشئت؟
وما الدروس التي خرج بها صندوق الاستثمارات ونيوم حتى لا تتكرر التجربة؟
هذه ليست أسئلة تشفٍّ.
إنها أساس الحوكمة.
لأن المشكلة في المشاريع العملاقة ليست أن بعضها يفشل. كل مستثمر في العالم يفشل.
المشكلة عندما توجد منظومة ممتازة في إعلان الولادات، لكنها لا تملك آلية معلنة لتسجيل الوفيات.
نيوم أُطلقت باعتبارها المكان الذي سيعيد تعريف المدينة، والعمل، والسياحة، والتكنولوجيا، والتعليم والبحث.
لكن بعد سنوات من مراجعة الطموحات وإعادة ترتيب الأولويات، أصبحت بحاجة إلى شيء أقل إثارة بكثير من السيارات الطائرة والمدن المستقبلية:
دفتر حساب واضح.
جامعة نيوم لم تكن مجرد رسم معماري يمكن تعديله.
إذا أمضى متخصصون وقيادات دولية وفرق عمل أربع سنوات في إعدادها، فهناك أموال ووقت وفرص بديلة استُهلكت.
ولهذا فإن محو الاسم من موقع إلكتروني، إن كان يعكس نهاية المشروع بالفعل، لا يغلق الملف.
بل يفتحه.
فالمشروع الذي يُلغى يمكن حذفه من الإنترنت في دقائق، لكن الأموال التي أُنفقت عليه لا تملك زر Delete.
وبعد سنوات كان السؤال فيها: «ماذا ستبني نيوم بعد ذلك؟»
بدأ السؤال الأكثر أهمية يصبح:
كم مشروعًا أعلنت نيوم أنها ستبنيه، وكم مشروعًا منها سيصل فعلًا إلى اليوم الذي يفتح فيه أبوابه، ويعمل، ويحقق الهدف الذي دُفعت الأموال من أجله؟






