بعد سنوات كان فيها السؤال الأول داخل منظومة صندوق الاستثمارات العامة السعودي هو: كم تحتاج الشركة كي تكبر؟ يبدو أن السؤال الجديد أصبح أكثر قسوة: ماذا حققت مقابل ما حصلت عليه؟
بحسب بلومبيرغ، بدأ صندوق الاستثمارات تشديد الرقابة على شركات محفظته، والتدقيق بصورة أكبر في الميزانيات، وربط التمويل بالأداء والعوائد، بالتزامن مع سلسلة من التغييرات القيادية. وفي الوقت نفسه تكشف المعلومات التي أوردتها سيمافور عن جانب آخر من المشكلة: عدد من الشركات والمشروعات المهمة المرتبطة برؤية 2030 مر بفترات قيادة مؤقتة أو تغييرات على مستوى الرؤساء التنفيذيين، بينما احتاجت «روشن» قرابة عامين حتى تنهي البحث عن رئيس تنفيذي دائم.
تعيين نعمان عطا الله، القادم من مجموعة الفطيم الإماراتية، قد ينهي الفراغ في واحدة من أهم شركات التطوير العقاري التابعة للصندوق. لكن العثور على مدير جديد لا ينهي السؤال الأكبر:
لماذا احتاج الصندوق بعد عقد من التوسع إلى العودة الآن لتشديد أبسط قواعد الاستثمار: المال مقابل الأداء؟
عندما يربط الصندوق التمويل بالأداء الآن.. ماذا كان يربطه به سابقًا؟
من حيث المبدأ، ما يفعله صندوق الاستثمارات منطقي تمامًا.
أي مساهم محترف يجب أن يفحص ميزانية الشركة، ويحدد أهدافًا مالية، ويقيس أداء الإدارة، ويربط رأس المال الجديد بالنتائج.
بل إن الخطأ سيكون استمرار تمويل الشركات مهما كانت نتائجها.
لكن توقيت التحول هو الذي يجعل الخبر نقديًا.
فصندوق الاستثمارات أمضى سنوات في بناء منظومة ضخمة من الشركات والمشروعات، وضخ مبالغ هائلة في قطاعات تتراوح من العقارات والسياحة إلى السيارات والألعاب والتعدين والطيران والرياضة والتكنولوجيا.
إذا كانت المرحلة الجديدة تتميز بأن التمويل سيصبح أكثر ارتباطًا بالأداء، فإن السؤال الطبيعي هو:
ما مقدار الأموال التي ضُخت خلال المرحلة السابقة قبل تطبيق هذا الانضباط بهذه الصرامة؟
في الاستثمار، رأس المال ليس مكافأة على الطموح.
الشركة التي تحصل على مليار يفترض أن توضح ماذا ستفعل به، وما العائد المتوقع، ومتى تحتاج إلى التمويل التالي، وما الذي يحدث إذا لم تتحقق الافتراضات.
أما إذا أصبح المساهم مستعدًا دائمًا لتغطية الفجوة، فقد تنشأ مشكلة خطيرة: المدير لا يعود مضطرًا إلى إثبات أن شركته تستطيع الحياة من السوق، لأن هناك صندوقًا سياديًا يستطيع كتابة الشيك التالي.
وهكذا يمكن أن يتحول المال الوفير من ميزة إلى مخدر إداري يؤجل اكتشاف الأخطاء.
روشن احتاجت عامين لرئيس دائم.. بينما شركات أخرى تدور فيها الكراسي
«روشن» ليست شركة صغيرة يمكن ترك منصبها التنفيذي الأول شاغرًا بلا تأثير.
إنها إحدى الشركات الرئيسية في المحفظة العقارية للصندوق، وتعمل في قطاع مرتبط مباشرة بأهداف الإسكان والتطوير الحضري.
ومع ذلك ظلت بلا رئيس تنفيذي دائم منذ خروج البريطاني ديفيد غروفر في مطلع 2024، إلى أن انتهى البحث باختيار نعمان عطا الله.
وجود رئيس تنفيذي بالإنابة لفترة انتقالية ليس أمرًا استثنائيًا في الشركات العالمية.
لكن عامين فترة طويلة بالنسبة إلى مؤسسة تعمل في سوق يحتاج إلى قرارات استثمارية بمليارات الريالات.
والأهم أن روشن ليست الحالة الوحيدة وفق المعلومات الواردة.
هناك تغييرات أو فراغات قيادية طالت شركات ومشروعات مثل آلات، ولايفيرا، ومنارة المعادن، ومجموعة نيو للفضاء، إضافة إلى جهات مرتبطة بمدينة الملك عبدالله المالية ونيوم والمربع الجديد.
كل حالة منها قد تكون لها أسباب مختلفة، ولا يصح افتراض وجود مشكلة واحدة وراء جميع المغادرات.
لكن عندما يتكرر تغيير القيادات في مجموعة واسعة من الأصول، تصبح الصورة الإجمالية جديرة بالتدقيق.
فالشركات لا تُدار بالاستراتيجية المكتوبة فقط.
الرئيس التنفيذي هو الذي يحول الاستراتيجية إلى قرارات وتوظيف وعقود وميزانيات ومواعيد.
وكل فترة انتقالية طويلة تعني احتمال تأجيل القرارات أو إعادة مراجعتها عندما يصل الرئيس الجديد.
ثم يأتي المدير الجديد ليكتشف عقودًا وقعها السابق، وافتراضات لم يضعها، وميزانية لم يبنها، ومشروعًا لا يستطيع ببساطة البدء فيه من الصفر.
استيراد الخبرة ليس المشكلة.. المشكلة أن الرؤية لم تبنِ بعد عمقًا إداريًا يوازي حجم مشاريعها
اختيار نعمان عطا الله بخبرته الطويلة في الإمارات ليس نقطة سلبية في ذاته.
على العكس، السعودية التي تريد بناء قطاعات عالمية تحتاج إلى استقطاب أفضل الخبرات الممكنة، سواء كانت سعودية أو عربية أو دولية.
لكن استمرار البحث خارجيًا عن قيادات لعدد من المشروعات يطرح سؤالًا يتعلق بأحد وعود رؤية 2030 نفسها:
بعد كل هذه السنوات، أين خط القيادات السعودية القادرة على تولي إدارة هذه المؤسسات العملاقة؟
بناء الأبراج أسرع من بناء المديرين.
يمكن شراء التكنولوجيا.
يمكن استقدام مستشار.
يمكن التعاقد مع مهندس عالمي.
لكن الرئيس التنفيذي القادر على إدارة عشرات المليارات من الاستثمارات يحتاج إلى سنوات طويلة من الخبرة والأخطاء والمسؤوليات المتدرجة.
وهنا ربما اصطدمت سرعة رؤية 2030 بمشكلة لا يستطيع المال حلها فورًا.
السعودية أنشأت خلال فترة قصيرة عددًا ضخمًا من الشركات والمشروعات الجديدة، وكل واحدة تحتاج إلى رئيس تنفيذي ومدير مالي ومدير عمليات وفرق استثمار وهندسة ومشتريات وإدارة مخاطر.
أي أن الرؤية لم تكن تحتاج إلى رأس المال فقط.
كانت تحتاج إلى جيش من المديرين ذوي الخبرة في الوقت نفسه.
وعندما يكون معدل إنشاء المؤسسات أسرع من معدل تكوين القيادات، يصبح الاعتماد على الخارج ثم تدوير القيادات المؤقتة نتيجة شبه طبيعية.
من نيوم إلى روشن.. المشكلة قد تكون أعلى من الرئيس التنفيذي نفسه
هناك خطر آخر في تفسير موجة التغييرات باعتبارها أزمة مديرين فقط.
الرئيس التنفيذي يمكن أن يخطئ.
وقد يكون استبداله ضروريًا.
لكن إذا كانت عدة شركات تواجه تجاوزات في التكاليف أو تأخيرات أو تغييرات في الخطط والقيادات، فينبغي فحص مستوى أعلى:
هل المشكلة في المدير الذي ينفذ المشروع أم في الافتراضات التي وُضع المشروع على أساسها؟
خذ المربع الجديد مثلًا.
إذا ارتفعت تكلفة عنصر رئيسي من المشروع بصورة ضخمة، فإن استبدال الرئيس التنفيذي قد يساعد في إعادة الهيكلة.
لكنه لا يفسر لماذا كان التقدير الأول بعيدًا عن الواقع.
والأمر نفسه ينطبق على نيوم.
إذا تغير حجم المشروع أو جدوله الزمني، فلا يكفي سؤال المدير: لماذا لم تنفذ؟
يجب سؤال مجلس الإدارة والمساهم:
هل كانت الأهداف التي طلبتم تنفيذها واقعية أصلًا؟
هذه نقطة شديدة الأهمية في منظومة صندوق الاستثمارات.
كلما كانت القرارات الاستراتيجية أكثر مركزية، تقل قدرة الإدارة التنفيذية على تحمل المسؤولية وحدها عن النتائج.
لا يمكن أن يكون المشروع عندما ينجح «رؤية القيادة»، ثم يصبح عندما يتعثر «فشل الرئيس التنفيذي».
المسؤولية يجب أن تتحرك في الاتجاهين.
تشديد القبضة قد يكون أفضل خبر للصندوق.. بشرط ألا يتحول إلى إدارة مركزية لكل التفاصيل
من المفارقات أن التحول الذي تكشفه بلومبيرغ قد يكون صحيًا للغاية.
صندوق الاستثمارات يحتاج فعلًا إلى أن يقول لبعض شركاته:
لا مزيد من التمويل حتى تحققوا أهدافًا محددة.
ويحتاج إلى وقف المشاريع ضعيفة العائد.
وبيع الأصول الناضجة.
وإغلاق الشركات التي لم تعد لها جدوى.
وإجبار الإدارات على التعامل مع رأس المال كشيء نادر، لا باعتباره حقًا مكتسبًا.
لكن عبارة «تشديد القبضة» تحمل خطرًا آخر.
إذا أصبحت الاستجابة للأخطاء هي زيادة تدخل الصندوق في كل قرار تشغيلي، فقد يتحول PIF من مساهم يحدد الاستراتيجية ويحاسب مجالس الإدارة إلى إدارة مركزية عملاقة تدير عشرات الشركات من الأعلى.
وهذا قد يخلق المشكلة التي يحاول علاجها.
المساهم المحترف لا يدير الشركة بدل الرئيس التنفيذي.
إنه يضع أهدافًا واضحة، ويختار مجلسًا قويًا، ويمنح الإدارة مساحة للعمل، ثم يحاسبها على النتائج.
أما الإدارة الدقيقة من المركز، فتجعل الرئيس التنفيذي مسؤولًا عن نتيجة قرارات قد لا يمتلك حرية اتخاذها.
انتهى زمن مكافأة المشروع على حجمه.. وبدأ السؤال الذي تأخر سنوات: أين العائد؟
ما يحدث داخل صندوق الاستثمارات ليس بالضرورة علامة انهيار.
بل ربما يكون بداية انتقال ضروري من مرحلة التأسيس المحموم إلى مرحلة الانضباط الاستثماري.
لكن هذا الانتقال يحمل اعترافًا ضمنيًا مهمًا:
المال وحده لم يكن كافيًا.
يمكنك إنشاء مئة شركة.
وتعيين مئة رئيس تنفيذي.
وإطلاق عشرات المشاريع.
لكن بعد سنوات سيعود السؤال نفسه:
كم أنفقت؟
كم ربحت؟
وأي شركة تستطيع الاستمرار دون أن تطلب رأسمال جديدًا من الصندوق؟
تعيين رئيس دائم لروشن بعد نحو عامين ينهي مشكلة إدارية، لكنه لا ينهي أزمة النموذج.
وتغيير القيادات في شركات أخرى قد يحسن الأداء، لكنه لن يعالج مشروعًا كانت افتراضاته الأصلية غير واقعية.
أما ربط التمويل بالأداء، فهو خطوة كان ينبغي أن تكون قاعدة منذ اليوم الأول، لا اكتشافًا بعد سنوات من ضخ المليارات.
وهنا تبدأ المرحلة الأصعب لمحمد بن سلمان وصندوقه.
في المرحلة الأولى كان النجاح يقاس بما يتم إطلاقه:
مدينة جديدة.
شركة جديدة.
صندوق جديد.
مشروع جديد.
أما الآن، فالنجاح يجب أن يقاس بما يعمل فعلًا ويحقق عائدًا ويبقى قائمًا دون إنقاذ مستمر من المساهم.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى كل رئيس تنفيذي جديد ليس: ما المشروع المذهل التالي؟
بل سؤال أبسط:
كم ريالًا ستعيد إلى الصندوق مقابل كل ريال سيضعه في شركتك؟
وعندها فقط سنعرف إن كانت حملة تغيير المديرين بداية إصلاح حقيقي، أم مجرد تبديل للأسماء على أبواب شركات ستظل تطلب الشيك نفسه من المساهم نفسه لتمويل المشكلات نفسها.






