أوبك+ تستطيع تغيير الأرقام على الورق.. لكن الحرب باتت تقرر كم برميلًا يصل إلى السوق: هرمز يسحب من السعودية سلاحها النفطي

أوبك+ تستطيع تغيير الأرقام على الورق.. لكن الحرب باتت تقرر كم برميلًا يصل إلى السوق: هرمز يسحب من السعودية سلاحها النفطي

لعقود، قامت قوة أوبك ثم أوبك+ على معادلة بسيطة: عندما تريد المجموعة التأثير في أسعار النفط، تخفض الإنتاج أو ترفعه. السوق يراقب الاجتماع، والوزراء يعلنون الحصص، ثم تبدأ الحسابات حول عدد البراميل الإضافية أو المحذوفة.

لكن الحرب مع إيران أدخلت عاملًا أكثر قوة من جدول الحصص: ماذا لو كان المنتج يريد ضخ النفط، لكنه لا يستطيع ضمان وصوله إلى المشتري؟

قرار أوبك+ الإبقاء على إنتاج أكتوبر دون تغيير، بمشاركة السعودية وروسيا والعراق والكويت والجزائر وكازاخستان وعُمان، يبدو للوهلة الأولى قرارًا تقليديًا. إلا أن العبارة التي نقلها التقرير عن جورج ليون من ريستاد إنرجي تلخص المأزق: المجموعة تستطيع تعديل الأهداف على الورق، لكنها لا تستطيع ضمان إنتاج البراميل أو وصولها فعليًا إلى السوق.

وهذا فارق جوهري.

فأوبك+ لم تفقد احتياطياتها النفطية، لكنها تواجه ظرفًا تصبح فيه حرية حركة البرميل أهم من قرار إنتاجه.

وبالنسبة للسعودية، التي قادت لعقود سياسة أوبك وتستخدم إيرادات النفط لتمويل تحول اقتصادي بالغ التكلفة، فإن المشكلة تتجاوز المنظمة إلى سؤال أخطر: ما قيمة امتلاك طاقة إنتاجية ضخمة إذا كانت الحرب قادرة على تعطيل الطريق بين البئر والمشتري؟

 من إدارة المعروض إلى العجز عن ضمان وصوله.. الحرب تغيّر معنى القوة النفطية

قوة أوبك+ التقليدية تعتمد على قدرتها على التحكم في المعروض.

إذا كان السوق يعاني فائضًا، تخفض المجموعة الإنتاج.

وإذا أرادت استعادة حصة سوقية، تستطيع ضخ المزيد.

لكن الحرب الحالية تضرب هذه الآلية في منتصفها.

فعندما تنتج دول المجموعة أقل بكثير من حصصها بسبب الاضطرابات، يصبح النقاش حول رفع السقف أو خفضه أقل أهمية من القدرة الفعلية على التنفيذ.

يمكن لأوبك+ مثلًا أن تمنح دولة حق إنتاج كمية أكبر.

لكن القرار الوزاري لا يؤمّن ناقلة.

ولا يخفض علاوة التأمين.

ولا يفتح ممرًا بحريًا مغلقًا أو خطرًا.

ولا يمنع هجومًا على سفينة.

وهكذا انتقلت المشكلة من اقتصاد النفط إلى جغرافيا النفط.

في الظروف الطبيعية، كانت السعودية تستطيع استخدام طاقتها الإنتاجية الاحتياطية كأحد أهم أسلحتها الاستراتيجية. مجرد وجود براميل يمكن ضخها سريعًا كان يمنح الرياض وزنًا استثنائيًا.

أما في زمن اضطراب طرق الشحن، فإن السؤال لم يعد فقط: كم تستطيع أرامكو إنتاجه؟

بل:

كم تستطيع أرامكو إخراجه من المنطقة وتسليمه بأمان؟

وهذا يضع حدًا لا تستطيع أوبك+ تجاوزه ببيان صحفي.

 السعودية تقود التحالف.. لكن مضيقًا لا تسيطر عليه يضع سقفًا لقوتها

المفارقة بالنسبة للرياض قاسية.

السعودية هي القوة الأهم داخل أوبك+، وتمتلك احتياطيات هائلة وبنية نفطية متقدمة وقدرة على تحويل جزء من التدفقات إلى البحر الأحمر.

لكن الجغرافيا لا تزال تفرض شروطها.

جزء بالغ الأهمية من الطاقة الخليجية مرتبط بممرات بحرية شديدة الحساسية. وإذا تحول مضيق هرمز من طريق تجاري إلى منطقة مواجهة عسكرية، فإن مشكلة المنتج لا تصبح نقص النفط تحت الأرض، وإنما اختناق القدرة على تحويله إلى صادرات.

والسعودية أفضل وضعًا من بعض جيرانها بسبب خطوط الأنابيب ومنافذ البحر الأحمر، لكنها ليست منفصلة عن المنظومة الإقليمية.

الأخطر أن الأزمة تأتي بعد هبوط صادرات الخام السعودية المرصودة في أغسطس إلى نحو 3 ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى في البيانات منذ بداية 2017 على الأقل.

وهكذا تلتقي قطعتان من الصورة:

أوبك+ لا تستطيع تنفيذ حصصها بالكامل.

والصادرات السعودية نفسها تعرضت لهبوط حاد.

هذا لا يعني أن السعودية فقدت السيطرة على قطاعها النفطي، ولا أن هذه المستويات ستستمر بعد انتهاء الاضطرابات.

لكنه يعني أن الحرب أثبتت أن الطاقة الإنتاجية ليست هي نفسها الطاقة التصديرية.

وهذه فجوة بالغة الخطورة لدولة بنت نفوذها المالي والجيوسياسي على القدرة على توفير الاثنين معًا.

 الرؤية تريد الهروب من النفط.. في اللحظة التي أصبح فيها النفط أصعب في الوصول إلى السوق

المشكلة لا تتوقف عند أوبك+.

فالسعودية تخوض في الوقت نفسه واحدة من أغلى عمليات التحول الاقتصادي في العالم.

نيوم، والقدية، والدرعية، والسياحة، والتعدين، والصناعة، والطيران، والذكاء الاصطناعي، ومشاريع كأس العالم وغيرها تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة.

وفي الأسابيع الأخيرة ظهرت إشارات متزامنة إلى زيادة أهمية السيولة والانضباط المالي: الحكومة تتوقع ارتفاع التمويل عبر الاقتراض، صندوق الاستثمارات يشدد الرقابة على ميزانيات شركاته ويربط التمويل بالأداء، وبعض الاكتتابات تأجلت وسط ضعف شهية المستثمرين.

ثم تأتي الصدمة النفطية.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في رؤية 2030 مرة أخرى:

السعودية تحتاج إلى النفط كي تمول عملية التخلص من الاعتماد على النفط.

وكلما أصبح تصدير النفط أكثر صعوبة، أصبح تمويل الاقتصاد البديل أكثر تكلفة.

ارتفاع سعر الخام قد يعوض جزءًا من انخفاض الكميات، ولذلك سيكون من الخطأ النظر إلى تراجع الصادرات وحده باعتباره انهيارًا مماثلًا في الإيرادات. لكن ذلك لا يلغي المشكلة الهيكلية.

الدولة لا تستطيع بناء استراتيجيتها المالية على افتراض أن ارتفاع الأسعار سيعوض دائمًا اضطراب الكميات.

فالحرب لا تعمل وفق نماذج وزارة المالية.

أوبك+ قد تملك ملايين البراميل الاحتياطية.. لكنها لا تملك مضيق هرمز

هذه الأزمة تكشف أيضًا حدود فكرة «المنتج المرجح» في زمن الحرب.

في سوق طبيعي، القدرة الاحتياطية تعني أن السعودية تستطيع الاستجابة لنقص الإمدادات.

لكن إذا كان سبب النقص هو تعطيل خطوط الملاحة نفسها، فإن إضافة الإنتاج قد لا تحل المشكلة كاملة.

تخيل مستودعًا ضخمًا مليئًا بالبضائع بينما الطريق إلى الزبائن مغلق.

زيادة عدد الصناديق داخل المستودع لا تفتح الطريق.

وهذا تقريبًا ما يقصده القول إن أوبك+ أصبحت محدودة التأثير في «السوق الفعلي».

قد تغير المنظمة رقم أكتوبر.

وقد تعلن زيادة بمئات آلاف البراميل.

لكن المتداول لا يحتاج وعدًا ببرميل.

إنه يحتاج برميلًا قابلًا للشحن والتأمين والتسليم.

ومن هنا تنتقل القوة مؤقتًا من غرف اجتماعات أوبك+ إلى الناقلات وشركات التأمين والقوات البحرية والممرات الاستراتيجية.

وهذه بيئة لا تستطيع السعودية التحكم فيها منفردة مهما بلغت طاقتها الإنتاجية.

 عشر سنوات من بناء النفوذ الاقتصادي.. ثم تذكير بأن الجغرافيا أقوى من البيانات

رؤية 2030 تقوم جزئيًا على تحويل السعودية من دولة يعتمد نفوذها بصورة كبيرة على النفط إلى مركز للاستثمار والسياحة والتكنولوجيا والصناعة والخدمات.

لكن أزمة هرمز تكشف لماذا كان الوصول إلى هذه المرحلة ضرورة، وليس مجرد مشروع تحديث.

الاقتصاد الذي يعتمد مصدر قوته المالية على سلعة تمر عبر منطقة من أكثر مناطق العالم قابلية للاشتعال يظل معرضًا لخطر لا يستطيع البنك المركزي أو صندوق الاستثمارات معالجته.

يمكن للصندوق تنويع محفظته.

ويمكن للحكومة إصدار صكوك.

ويمكن لأرامكو الاقتراض.

لكن الاقتراض يعوض السيولة مؤقتًا؛ لا يعوض بصورة دائمة قدرة التصدير.

وكلما طالت الأزمة، أصبحت تكلفة الفرصة البديلة أقسى: هل يذهب رأس المال إلى مشروع عملاق جديد، أم إلى حماية الاقتصاد من الصدمة؟ هل تستمر المشاريع بالجداول نفسها، أم يعاد ترتيبها؟ وهل تستحق الاستثمارات الخارجية المليارات نفسها عندما تصبح السيولة الداخلية أكثر قيمة؟

 أوبك+ ما زالت تملك النفط.. لكنها اكتشفت أن امتلاك البرميل لا يعني امتلاك الطريق

قرار تثبيت إنتاج أكتوبر قد يبدو قرارًا نفطيًا عاديًا، لكنه يخفي واقعًا استثنائيًا.

أوبك+ تستطيع تحديد الحصص.

السعودية تستطيع قيادة الاجتماع.

أرامكو تستطيع تشغيل الحقول.

لكن لا أحد يستطيع بيع البرميل عالميًا لمجرد كتابة رقمه في بيان.

يجب أن يخرج.

ويُحمّل.

ويُؤمّن.

ويعبر.

ويصل.

والحرب ضربت هذه السلسلة في أكثر نقاطها حساسية.

لا يعني ذلك نهاية نفوذ أوبك+، لأن عودة الملاحة الطبيعية ستعيد جزءًا كبيرًا من قدرتها التقليدية على إدارة المعروض. كما أن السعودية تظل صاحبة وزن استثنائي في سوق النفط.

لكن الأزمة كشفت حدود هذا النفوذ عندما تتحول المشكلة من كمية النفط المنتجة إلى إمكانية نقله.

وهذا هو الإنذار الأهم للرياض.

فبعد سنوات من إنفاق مئات المليارات لبناء اقتصاد أقل اعتمادًا على النفط، جاءت الحرب لتذكرها بأن مستقبل الرؤية ما زال مرتبطًا بدرجة كبيرة بسلعة لا يكفي امتلاكها تحت الصحراء.

يجب أن تستطيع إخراجها من المنطقة أيضًا.

وهكذا يصبح السؤال الذي يواجه السعودية أكبر من قرار أوبك+ لشهر أكتوبر:

إذا كانت الرياض لا تستطيع ضمان أن كل برميل تستطيع إنتاجه سيصل إلى السوق، فكم تبلغ القيمة الحقيقية للطاقة الاحتياطية التي بنت عليها نفوذها النفطي؟

والأهم:

إذا كانت رؤية 2030 تحتاج إلى أموال النفط كي تصل إلى اقتصاد ما بعد النفط، فماذا يحدث عندما تصبح الحرب — لا أوبك+ — هي التي تقرر كم برميلًا يستطيع العالم شراءه؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية