هرمز يرفع فاتورة «الرؤية» من البحر إلى البر السعودية تمنح عقودًا بـ111 مليار ريال بينما الحرب تجعل نقل مواد البناء أغلى من شرائها

هرمز يرفع فاتورة «الرؤية» من البحر إلى البر السعودية تمنح عقودًا بـ111 مليار ريال بينما الحرب تجعل نقل مواد البناء أغلى من شرائها

لم تعد حرب إيران تضغط على السعودية من بوابة النفط وحدها. فبعد اضطراب الصادرات والملاحة في مضيق هرمز، بدأت الفاتورة تنتقل إلى قلب المشاريع التي تقوم عليها رؤية 2030 نفسها: البناء.

بحسب البيانات التي نقلها موقع AGBI، يضطر بعض المقاولين إلى تحويل مواد البناء من المسارات البحرية المعتادة إلى النقل البري بسبب استمرار اضطرابات الشحن عبر هرمز، ما رفع تكاليف اللوجستيات حتى عندما لم تتغير أسعار المواد كثيرًا عند المصدر. وفي الوقت نفسه ارتفعت أسعار بعض المدخلات المستوردة بصورة واضحة، بينما واصلت السعودية منح عقود إنشاءات بقيمة 111 مليار ريال خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، بزيادة تقارب 60%.

المفارقة واضحة: في اللحظة التي أصبحت فيها حركة المواد أكثر تكلفة، تواصل المملكة توقيع عقود بعشرات المليارات.

وهنا لا تصبح الحرب مجرد أزمة خارجية تمر بجوار مشاريع الرؤية، بل ضريبة إضافية تُفرض على كل كيلومتر طريق وكل فندق وكل برج وكل مشروع عملاق يحتاج إلى مواد مستوردة.

 المشكلة ليست في سعر المادة.. بل في الطريق الذي تسلكه للوصول إلى المشروع

تصريح كريس سيمور يلخص المعضلة: التكلفة عند المصدر لم تتغير كثيرًا، لكن الزيادة الحقيقية أصبحت في النقل.

وهذا تفصيل بالغ الأهمية.

إذا ارتفع سعر النحاس عالميًا، تواجه معظم الدول المستوردة المشكلة نفسها. أما عندما يصبح الوصول إلى السعودية تحديدًا أكثر تعقيدًا بسبب اضطراب طريق بحري استراتيجي، فإن الاقتصاد يتحمل علاوة جغرافية وأمنية فوق السعر الأصلي.

المقاول الذي كان يستطيع تحميل المواد على سفينة وإيصالها عبر شبكة لوجستية مستقرة قد يضطر الآن إلى تغيير الميناء أو المسار، ثم استخدام الشاحنات لمسافات أطول.

كل خطوة إضافية تعني وقودًا.

وسائقين.

وشاحنات.

وتأمينًا.

وتخزينًا.

ووقتًا.

ومخاطر تأخير.

وفي صناعة الإنشاءات، الوقت نفسه مال.

إذا وصلت الكابلات متأخرة، لا يتوقف تركيب الكابلات فقط؛ قد تتعطل أعمال مرتبطة بها، وتبقى المعدات والعمال في الموقع، وتبدأ المطالبات بتعويضات وتمديدات زمنية.

لذلك قد تكون تكلفة الالتفاف أكبر بكثير من فاتورة الشاحنة نفسها.

 الكابلات ترتفع 26%.. والمشروع الذي لم تتغير مساحته تتغير فاتورته

ارتفاع أسعار الأسلاك المستوردة بنحو 22% والكابلات الكهربائية بنحو 26% خلال عام يعطي مثالًا عمليًا على كيفية انتقال الأزمة إلى مواقع البناء.

وفي المقابل، تراجع سعر الإسمنت المحلي قليلًا.

وهذا يكشف ميزة مهمة للتصنيع المحلي: المنتج الذي يتم إنتاجه داخل المملكة يكون أقل تعرضًا لبعض اختناقات الاستيراد والشحن.

لكن المشاريع العملاقة لا تُبنى بالإسمنت وحده.

هناك أنظمة كهربائية وميكانيكية ومصاعد وتجهيزات وتقنيات ومواد متخصصة ومعدات ومكونات قد تأتي من شبكات توريد دولية.

وهنا تصبح وعود «المحتوى المحلي» أكثر من شعار صناعي.

كل مادة تستطيع السعودية إنتاجها محليًا تقلل تعرض المشروع لصدمات الطرق البحرية.

لكن بناء سلاسل توريد محلية يحتاج سنوات، بينما العقود تُوقع الآن.

وهكذا تجد مشاريع رؤية 2030 نفسها في سباق بين سرعة البناء المطلوبة وسرعة توطين سلسلة الإمداد.

إذا فازت المشاريع بالسباق، ستستمر الحاجة إلى الاستيراد المكلف.

وإذا تأخر المشروع حتى تتطور الصناعة المحلية، تتضرر الجداول الزمنية.

وفي الحالتين هناك ثمن.

 111 مليار ريال عقودًا جديدة.. السعودية تضغط على دواسة البناء بينما الطريق يصبح أغلى

الرقم الأكثر لفتًا للنظر ليس ارتفاع الكابلات.

إنه 111 مليار ريال من عقود الإنشاءات بين يناير ويوليو، بزيادة تقارب 60% عن الفترة المقابلة، في الوقت الذي تراجعت فيه قيمة العقود في الخليج ككل بصورة حادة خلال جزء من فترة الحرب.

هذا يدل على أن السعودية لم تضغط المكابح بالكامل.

وقد تكون هناك أسباب منطقية لذلك. وقف المشاريع فجأة يمكن أن يكون مكلفًا، كما أن العقود الجديدة قد تتعلق بمشروعات ذات أولوية لا يمكن تأجيلها.

لكن استمرار منح العقود بهذه القوة يخلق سؤالًا ماليًا:

بأي أسعار بُنيت الميزانيات؟

المشروع الذي قُدرت تكلفته عندما كان الشحن طبيعيًا قد يصبح مختلفًا عندما تقفز تكاليف النقل والمدخلات.

والخطر الحقيقي لا يظهر بالضرورة يوم توقيع العقد.

يظهر بعد ذلك عندما تبدأ أوامر التغيير والمطالبات وتمديد الجداول وإعادة التفاوض.

وعندها قد تكتشف الدولة أن العقد الذي منحته بـ10 مليارات لم يعد مشروعًا بعشرة مليارات.

وهذه النقطة شديدة الحساسية بالنسبة للسعودية تحديدًا، لأن المملكة لا تنفذ مشروعًا عملاقًا واحدًا.

إنها تحاول بناء عدد كبير منها في الوقت نفسه.

 الحرب تضرب الرؤية مرتين: تقلص مرونة النفط وترفع تكلفة ما يموله النفط

وهنا تكتمل المفارقة.

الاضطرابات الإقليمية أثرت في صادرات النفط السعودية، وقلصت قدرة أوبك+ الفعلية على ضمان وصول البراميل إلى السوق.

والآن تضرب الجهة الأخرى من المعادلة: تكلفة المشاريع التي يُستخدم رأس المال السعودي في بنائها.

أي أن الضغط يأتي من الناحيتين.

قدرة الإيرادات النفطية على الحركة تتعرض للضغط، بينما فاتورة الإنشاء ترتفع.

وفي الوقت نفسه تخطط الحكومة لزيادة التمويل عبر الاقتراض، وصندوق الاستثمارات أصبح أكثر تشددًا في ميزانيات شركاته وربط التمويل بالأداء والعائد.

لهذا لا يمكن التعامل مع ارتفاع تكلفة النقل باعتباره مشكلة مقاولين.

في النهاية هناك جهة ستدفع.

قد يتحمل المقاول جزءًا إذا كان عقده ثابت السعر.

وقد يطالب المالك بالتعويض.

وقد يُعاد تصميم المشروع.

وقد تؤجل بعض المراحل.

وقد تُخفض المواصفات أو المساحات.

لكن التكلفة الاقتصادية لا تختفي.

إنها فقط تنتقل من جيب إلى آخر.

 نيوم والمشاريع العملاقة أمام الاختبار الذي لا يظهر في الصور الترويجية

أحد أكبر مخاطر المشاريع العملاقة هو أنها تحتاج إلى افتراضات مستقرة لعشرات السنوات، بينما العالم لا يقدم هذا الاستقرار.

عند تصميم مدينة أو منطقة سياحية بمئات المليارات، توجد افتراضات عن تكلفة الحديد والكابلات والطاقة والعمالة والشحن وأسعار الفائدة.

تغير أحدها يمكن استيعابه.

لكن عندما تتغير عدة عناصر في الوقت نفسه، تبدأ الجدوى نفسها في التحرك.

وهنا تظهر أهمية مراجعة مشاريع مثل نيوم والمربع الجديد وغيرها بعيدًا عن فكرة أن تقليص المشروع يعني الهزيمة.

ربما يكون العكس.

إذا تغيرت البيئة الاقتصادية، فإن الإصرار على تصميم قديم فقط لأن القيادة أعلنت عنه سابقًا يمكن أن يكون أكثر تكلفة من الاعتراف بأن الحسابات تغيرت.

الخطأ ليس أن تأتي حرب لم يتوقعها مخطط المشروع.

الخطأ هو التصرف بعد الحرب وكأنها لم تأتِ.

 الصحراء لم تعد أكبر تحديات البناء.. الطريق إلى الصحراء أصبح أغلى

لطالما قدمت مشاريع رؤية 2030 باعتبارها تحديًا هندسيًا: كيف تبني مدينة مستقبلية، ومنتجعات وجبالًا وملاعب وشبكات نقل خلال سنوات قليلة؟

لكن حرب إيران أعادت السؤال إلى مستوى أكثر بساطة:

كيف ستوصل المواد إليها، وبأي تكلفة؟

قد تبدو زيادة سعر كابل أو تكلفة شاحنة تفصيلًا صغيرًا أمام مشروع بعشرات المليارات.

لكن المشاريع العملاقة لا تنهار عادة بسبب بند واحد مذهل.

إنها تتضخم بسبب آلاف البنود الصغيرة التي ترتفع معًا.

كابل أغلى.

شحن أغلى.

تأمين أغلى.

تخزين أطول.

مقاول يطالب بالتعويض.

وجدول يتأخر.

ثم تتحول النسب الصغيرة إلى مليارات.

السعودية ما زالت توقع عقودًا بقوة، و111 مليار ريال خلال سبعة أشهر دليل على أن آلة البناء لم تتوقف.

لكن حجم العقود ليس دليل نجاح في حد ذاته.

العبرة بما ستكلفه عند الإنجاز، ومتى ستكتمل، وما العائد الذي ستنتجه بعد ذلك.

وهنا تصبح الحرب اختبارًا قاسيًا لانضباط المرحلة الجديدة التي يقول صندوق الاستثمارات إنه يريدها.

فإذا كانت المواد أصبحت أغلى في الطريق، والإيرادات النفطية أكثر تعرضًا للجغرافيا، والاقتراض يتزايد، فلا يمكن أن تظل كل المشاريع بالأحجام والجداول والميزانيات التي وُضعت في عالم سابق.

لقد أرادت رؤية 2030 إثبات أن السعودية تستطيع تحدي الجغرافيا ببناء مدن في الصحراء.

لكن 2026 يقدم لها درسًا أكثر قسوة:

يمكن للمال أن يبني في الصحراء ما يشاء، لكنه لا يستطيع إلغاء الخريطة.

ومضيق واحد مضطرب بات قادرًا على الضغط على السعودية من الطرفين: يعرقل خروج البرميل الذي يمول الرؤية، ويرفع تكلفة دخول المواد التي تبنيها.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية