ستاندرد آند بورز ثبّتت تصنيف السعودية الائتماني عند A+ مع نظرة مستقرة. الخبر جاء مطمئنًا، وأعادت الوكالة التأكيد على أن المملكة لا تواجه أزمة ديون سيادية ولا خطرًا وشيكًا على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها. لكن خلف هذا التصنيف المطمئن تكمن أرقام أقل راحة بكثير. الوكالة تتوقع انكماش الاقتصاد الحقيقي بنسبة 0.9% في 2026، وعجزًا ماليًا يصل إلى 5.8% من الناتج المحلي، ودينًا حكوميًا يرتفع إلى 37.2% بحلول 2029. والأهم من ذلك كله، اعتراف عملي بأن الحكومة وصندوق الاستثمارات العامة مضطران إلى إعادة معايرة سرعة تنفيذ مشاريع رؤية 2030. المشكلة ليست أن السعودية على وشك الإفلاس. هذه قراءة لا تدعمها درجة A+ المستقرة. المشكلة الأكثر جدية هي أن النموذج الذي استخدم النفط لتمويل توسع استثماري هائل أصبح يحتاج بصورة متزايدة إلى الدين وترتيب الأولويات وانتظار عودة النفط لإنقاذ معدلات النمو.
تصنيف A+ تصنيف قوي، والنظرة المستقرة تعني أن الوكالة لا تتوقع حاليًا تغيرًا كبيرًا في الجدارة الائتمانية السعودية خلال أفق التصنيف المعتاد. المملكة تمتلك أصولًا ضخمة واحتياطيات نفطية هائلة وقدرة قوية على الوصول إلى أسواق الدين، ومؤسسات مالية تستطيع الاقتراض محليًا ودوليًا. لذلك فإن تصوير ارتفاع الدين باعتباره مقدمة حتمية للإفلاس سيكون تضليلًا. لكن الخطأ المعاكس هو استخدام التصنيف لإلغاء أهمية الأرقام الأخرى. وكالة التصنيف تقول عمليًا شيئين في الوقت نفسه: السعودية قادرة على تحمل التزاماتها، لكن تكلفة سياساتها الاستثمارية والعجز ستدفع مديونيتها إلى الأعلى. وهنا ينبغي أن يبدأ النقاش الحقيقي.
الدين لم يصل إلى منطقة الخطر لكنه يتحول إلى جزء دائم من تمويل الطموح
الدين الحكومي كنسبة من الناتج ليس مرتفعًا بصورة استثنائية مقارنة بكثير من الاقتصادات الكبرى. لكن السعودية ليست اقتصادًا عاديًا يعيش على الضرائب وحدها. إنها دولة تمتلك ثروة نفطية ضخمة، وكانت تتمتع قبل سنوات بمستويات دين منخفضة جدًا. لذلك فإن الاتجاه أهم من الرقم منفردًا. الوصول المتوقع إلى 37.2% من الناتج لا يمثل أزمة ديون بحد ذاته. لكن السؤال هو: لماذا يرتفع؟
إذا كان الاقتراض يمول أصولًا تحقق في المستقبل عائدًا يفوق تكلفة الدين، فقد يكون ذلك استخدامًا عقلانيًا للميزانية العمومية للدولة. أما إذا كان جزء كبير منه يساعد بصورة غير مباشرة على إبقاء منظومة من المشروعات مرتفعة التكلفة تعمل بينما تتأخر عوائدها، تصبح الحسابات مختلفة. الدين له خاصية لا تملكها إيرادات النفط السابقة: يجب سداده مع الفائدة. والريال الذي تقترضه الحكومة اليوم يخلق التزامًا على ميزانيات الغد. كلما ارتفع حجم الدين ارتفعت أهمية خدمة الدين، وكلما زادت خدمة الدين تقلصت مساحة الإنفاق المتاحة لبنود أخرى ما لم ترتفع الإيرادات بالتوازي.
هنا تظهر أهمية «إعادة المعايرة». فهي تعني عمليًا أن رأس المال لم يعد يستطيع مطاردة جميع الأهداف بالسرعة نفسها. الصندوق يتحدث عن الانضباط المالي وتعظيم عائد المحفظة، ويعرض بعض شركاته ومشاريعه على المؤسسات الاستثمارية في وول ستريت بحثًا عن رأس مال خارجي. ومشاريع ضخمة أُعيدت جدولة أجزاء منها أو رُوجعت أحجامها. هذه ليست بالضرورة علامات فشل. بل إن إلغاء مشروع ضعيف أو تقليص مشروع مبالغ في حجمه قد يكون أفضل قرار مالي يمكن اتخاذه. المشكلة هي ما تكشفه ضرورة التصحيح عن الافتراضات الأصلية. إذا أصبحت الدولة الآن مضطرة لترتيب الأولويات، فلماذا أُطلقت سابقًا مشاريع بهذا العدد والحجم في وقت واحد؟ هل كانت التدفقات النفطية المستقبلية مقدرة بتفاؤل مفرط؟ هل افترض المخططون تدفق الاستثمار الأجنبي بسرعة أكبر؟ هل كانت تكاليف المشروعات أقل في النماذج الأولى مما أصبحت عليه فعليًا؟ الإجابة عن هذه الأسئلة أهم من محاولة الدفاع عن كل إعلان سابق.
اقتصاد ينكمش 0.9% ثم يقفز 8.2% والنفط ما زال يمسك بالمفتاح
ربما يكون أكثر أرقام ستاندرد آند بورز إحراجًا للسردية الاقتصادية لرؤية 2030 هو مسار النمو نفسه. الوكالة تتوقع انكماش الناتج الحقيقي 0.9% في 2026، ثم قفزة هائلة تبلغ 8.2% في 2027. لكن السبب الأساسي المتوقع لهذه القفزة هو زيادة إنتاج النفط. وهنا تظهر المفارقة. بعد سنوات من الحديث عن تنويع الاقتصاد، لا يزال تغير إنتاج النفط قادرًا على نقل معدل النمو الوطني من الانكماش إلى طفرة تتجاوز 8%. والربع الثاني من 2026 قدم الصورة بصورة أكثر حدة: الاقتصاد انكمش 4.8% على أساس سنوي مع هبوط النشاط النفطي بنحو 24.7%.
هذا لا يعني أن التنويع لم يحدث. السعودية بالفعل وسعت قطاعات السياحة والترفيه والخدمات والإنشاءات والتقنية وغيرها. لكن تنويع الأنشطة ليس هو نفسه التحرر من النفط. طالما أن النفط يستطيع بهذا الحجم أن يسحب الناتج كله إلى الانكماش ثم يعيده إلى نمو استثنائي، فإنه ما زال القلب المالي والاقتصادي الأكثر قوة. رؤية 2030 لم تصل بعد إلى اللحظة التي تستطيع فيها حماية الاقتصاد من صدمة النفط. وفي الوقت نفسه، أصبحت الدولة تستخدم قدرًا أكبر من ديون المستقبل لتمويل الطريق نحو تلك اللحظة.
الخطر ليس الدين وحده بل تراكم المطالب على الريال نفسه
الحكومة لديها عجز. صندوق الاستثمارات لديه مشاريع تحتاج إلى رأس مال. أرامكو لديها احتياجاتها الاستثمارية. الدفاع أصبح أكثر تكلفة وسط التوترات الإقليمية. الشحن والبناء يتعرضان لضغوط. والاقتصاد يحتاج في الوقت نفسه إلى استثمارات جديدة حتى يستطيع القطاع غير النفطي أن يصبح المحرك الذي تعد به رؤية 2030. كل هذه الجهات تتنافس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على رأس المال السعودي نفسه. وهنا يصبح ارتفاع الدين مجرد عرض لمشكلة أكبر: تكلفة الفرصة البديلة.
المليار الذي يذهب إلى مشروع عقاري عملاق لا يستطيع الذهاب في الوقت نفسه إلى مصنع. والمليار الذي يستخدم لخدمة الدين لن يستخدم لبناء أصل جديد. والمليار الذي يحتاجه مشروع متعثر للحفاظ على استثمار سابق قد يكون أكثر إنتاجية في شركة جديدة. ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يواجه صندوق الاستثمارات والحكومة ليس: هل نستطيع تمويل المشروع؟ السعودية تستطيع تمويل أشياء كثيرة. السؤال الأصعب هو: هل هذا أفضل استخدام للمليار القادم؟
يمكن للحكومة اقتراض رأس المال، لكنها لا تستطيع اقتراض الجدوى الاقتصادية. ولهذا سيكون الرقم الحقيقي الذي ينبغي مراقبته خلال السنوات المقبلة ليس 37.2% وحده، بل ماذا يوجد في الجانب الآخر من الميزانية مقابل هذا الدين. إذا ارتفع الدين وبُنيت مقابله صناعات منتجة وشركات مربحة وبنية تحتية ترفع إنتاجية الاقتصاد وتولد إيرادات مستدامة، فقد يبدو الاقتراض بعد عشر سنوات استثمارًا ناجحًا. أما إذا ارتفع الدين بينما استمرت المشاريع في طلب التمويل وإعادة الجدولة والتقليص، فستصبح الفاتورة أكثر صعوبة في التبرير.
تصنيف A+ يقول إن المملكة ما زالت تمتلك ميزانية قوية بما يكفي للحصول على الوقت. والدين يشتري الوقت. يمكنه تمويل العجز، ومنع التوقف المفاجئ للمشاريع، وتوزيع تكلفة الاستثمارات على سنوات أطول. لكنه لا يستطيع حل المشكلة الأساسية إذا لم تحقق الاستثمارات عوائدها. لا يوجد ما يبرر الحديث عن إفلاس السعودية. لكن هناك سؤال أكثر جدية من الإفلاس نفسه: كم سيبلغ الدين؟ وكم مشروعًا سيُعاد تحجيمه؟ وكم عامًا إضافيًا ستحتاج المملكة قبل أن يصبح الاقتصاد الذي أنفقت المليارات لبنائه قادرًا على النمو بقوة من دون انتظار أن تفتح حقول النفط صماماتها من جديد؟






