منطقة تعذيب داخل الريتز: عندما تحولت حملة مكافحة الفساد إلى ملف أسود لم يُغلق

منطقة تعذيب داخل الريتز: عندما تحولت حملة مكافحة الفساد إلى ملف أسود لم يُغلق

منطقة تعذيب داخل الريتز: عندما تحولت حملة مكافحة الفساد إلى ملف أسود لم يُغلق
منطقة تعذيب داخل الريتز: عندما تحولت حملة مكافحة الفساد إلى ملف أسود لم يُغلق

كان يفترض أن يكون فندق الريتز كارلتون في الرياض رمزًا للترف السعودي الحديث: أجنحة فاخرة، رخام لامع، وثريات تضيء قاعات كبار الضيوف. لكن الروايات التي عادت لتطفو على السطح بعد نحو تسع سنوات ترسم صورة معاكسة تمامًا. أبواب غرف تُنتزع من مكانها، محتجزون تُعصب أعينهم، وصالة ألعاب رياضية يقول معتقلون سابقون إنها تحولت إلى «منطقة تعذيب» تتردد فيها أصوات الضرب والصراخ. الرواية الأحدث والأكثر تفصيلًا جاءت من قضية رامي النعيمي، نجل وزير النفط السعودي الأسبق ورئيس أرامكو السابق علي النعيمي. بحسب ما نقلته فايننشال تايمز عن زوجته ميرا، أخبرها رامي بأنه تعرض للتعذيب أثناء احتجازه، وأن التحقيقات انصبت على الأموال والممتلكات. وشهادة منفصلة من سالم المزيني تصف سماعه أصوات أشخاص يُضربون ويصرخون داخل جزء مغلق من الفندق.

هذه اتهامات بالغة الخطورة، لكنها تظل في نهاية المطاف ادعاءات صادرة عن محتجزين وأسرهم، وليست حقائق مثبتة بحكم قضائي مستقل منشور. السلطات السعودية نفت مرارًا مزاعم إساءة معاملة محتجزي الريتز، ووصفتها بأنها غير صحيحة، مؤكدة أنها وفرت الرعاية الطبية وأتاحت الوصول إلى محامين. لكن النفي الرسمي لا يغلق الملف. بل يجعل السؤال أكثر إلحاحًا ومرارة: إذا كانت هذه الروايات مختلقة، فلماذا ترفض واحدة من أكثر عمليات الاحتجاز إثارة للجدل في التاريخ السعودي الحديث أي تحقيق مستقل يكشف ما جرى فعلًا خلف تلك الأبواب؟

من فندق خمس نجوم إلى سجن مغلق حين اختفت الحدود بين مكافحة الفساد والسلطة المطلقة

بدأت حملة الريتز كارلتون في نوفمبر 2017 تحت شعار مكافحة الفساد. المبدأ المعلن كان مشروعًا في ظاهره: استعادة أموال عامة يُشتبه في الاستيلاء عليها، ومحاسبة أصحاب النفوذ الذين ظنوا أنفسهم فوق القانون. لكن مكافحة الفساد الحقيقية لا تُقاس بعدد الأمراء ورجال الأعمال الذين تستطيع الدولة اعتقالهم في ليلة واحدة. تُقاس بالقانون الذي تستخدمه لمحاسبتهم، وبمدى شفافية الإجراءات، وبقدرة المتهم على الدفاع عن نفسه أمام قضاء مستقل.

وهنا تكمن المشكلة الجوهرية في الريتز. احتجاز عشرات الأشخاص داخل فندق فاخر بدل منشأة قضائية تقليدية، وإجراء مفاوضات وتسويات مالية معهم خلف أبواب مغلقة، ثم الإفراج عن بعضهم بعد التنازل عن أصول وأموال طائلة، جعل العملية منذ اللحظة الأولى مختلفة جذريًا عن نموذج المحاكمة العلنية. الاتهامات الجديدة تجعل هذا الغموض أخطر بكثير. بحسب رواية زوجة رامي النعيمي، كانت الأيام الأولى طبيعية بشكل مربك، وكأن الرجل دخل الفندق ضيفًا. ثم انقلب المشهد فجأة: أُزيلت الأبواب، وعُصبت الأعين، وبدأت جلسات استجواب وتعذيب مزعومة. إذا ثبتت هذه الرواية، فلن تكون مجرد تجاوز إداري عابر. التعذيب لا يتحول إلى أداة مشروعة لأن المتهم ثري، ولا يصبح مقبولًا لأن العملية تحمل عنوانًا برّاقًا اسمه مكافحة الفساد.

الجسد كأداة ضغط مالي «أخبرنا أين أموال والدك وسنعطيك 5%»

أشد ما في رواية رامي النعيمي ليس فقط وصف أساليب التعذيب المزعومة، بل الغاية التي تقول أسرته إنه استُخدم من أجلها. بحسب ميرا، أخبر المحققون زوجها أثناء تعذيبه أن والده يتعرض للتعذيب في الغرفة المجاورة، وعرضوا عليه نسبة 5% إذا كشف مكان أموال والده. لا توجد وسيلة مستقلة أمامنا لإثبات أن هذه العبارة قيلت فعلًا، ولذلك يجب نسبتها بوضوح إلى رواية الأسرة. لكنها إن صحت، فإنها تقلب طبيعة القضية رأسًا على عقب. لم يعد الأمر استجوابًا يهدف إلى الحصول على اعتراف بجريمة محددة، بل ضغطًا جسديًا ونفسيًا مزعومًا لاستخراج أموال.

وتتقاطع هذه الرواية مع ما تقوله الأسرة عن مطالبة رامي بتسوية مالية قُدرت أولًا بنحو خمسة مليارات ريال، ثم خُفضت إلى مليار. لا يصح اختزال الأمر بالقول إنه «دفع مليار ريال مقابل حريته». المتاح فقط هو ادعاء الأسرة بأنه تعرض لضغوط للموافقة على تعهد أو تسوية بهذا الحجم. لكن الأسئلة تظل معلقة في الهواء: كيف حُدد هذا الرقم أصلًا؟ إذا كانت هناك أموال عامة مسروقة، فأين القضية القضائية التي تثبت قيمتها بدقة؟ وإذا كان الرجل مذنبًا، فلماذا تصبح التسوية المالية بديلًا عن عرض الأدلة وإصدار حكم علني؟ وإذا كان بريئًا، فلماذا يُطلب منه المال من الأساس؟

شهادة سالم المزيني تمنح القضية بعدًا إضافيًا. بحسب الرواية المنقولة عنه، اقتيد إلى قسم مغلق يحمل لافتة تمنع الدخول، وهناك سمع أصوات أشخاص يُضربون ويصرخون، ووصف المكان صراحة بأنه منطقة تعذيب داخل الريتز. هذه الشهادة لا تثبت تلقائيًا كل تفاصيل رواية النعيمي، ولا تحدد من كان يُضرب أو من أصدر الأوامر. لكن وجود روايات منفصلة تتقاطع حول المكان والأساليب والظروف يجعل المطالبة بتحقيق مستقل أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. في ملفات حقوق الإنسان، هذه نقطة محورية. لا يكفي أن تقول الحكومة إن المزاعم «غير صحيحة إطلاقًا». ولا يكفي أن تقول المعارضة إنها صحيحة لأن شخصًا رواها. الحل الوحيد المقبول مؤسسيًا هو التحقيق المستقل المبني على أدلة: من كان موجودًا في الفندق؟ من أدار الاستجوابات؟ هل توجد سجلات طبية؟ هل سُجلت إصابات؟ من أصدر التعليمات؟ هل تقدم أي محتجز بشكوى؟ وهل تم التحقيق فيها؟

حقوق الإنسان ليست هامشًا في مشروع رؤية 2030

السعودية التي خرجت من 2017 ليست نفسها التي دخلته. خلال السنوات اللاحقة أعاد محمد بن سلمان صياغة جزء واسع من صورة المملكة: سمح للنساء بالقيادة، ووسع صناعة الترفيه، وفتح أبواب السياحة، واستقطب البطولات الرياضية والشركات العالمية والمشاهير، وأطلق مشاريع بمئات المليارات، وقدم رؤية 2030 بوصفها انتقالًا من دولة قديمة إلى دولة حديثة. لكن الحداثة الاقتصادية لا يمكن أن تكون بديلًا عن سيادة القانون. يمكن أن تتحول الرياض إلى مدينة عالمية للمال والترفيه، لكن المستثمر الذي يقرر الدخول إلى أي دولة لا ينظر فقط إلى الفنادق الفاخرة والمطارات الحديثة ومعدلات النمو. ينظر أيضًا إلى ما يحدث عندما يدخل في نزاع مع السلطة: هل توجد محكمة مستقلة؟ هل يستطيع توكيل محامٍ بحرية؟ هل يمكن احتجازه دون إجراءات شفافة؟ هل الملكية الخاصة محمية بالقانون؟ وهل يستطيع القضاء أن يقف بين الفرد والدولة؟

لهذا فإن حقوق الإنسان ليست ملفًا منفصلًا عن الاقتصاد. التعذيب المزعوم داخل فندق فاخر، والتسويات المالية الغامضة التي جرت خلف أبوابه، يمسان جوهر مفهوم دولة القانون الذي تحتاجه أي بيئة استثمارية مستقرة. كان يمكن اعتبار الريتز فصلًا منتهيًا لولا أن قضاياه ما زالت تعود. رامي النعيمي، وفق رواية أسرته، لم يعد إلى حياة طبيعية بعد خروجه؛ أُفرج عنه مع قيود، ثم أعيد اعتقاله في 2022، ووصل إلى سجن الحائر، وما زالت قضيته تتقلب في مسارات قضائية. القضية إذن ليست بحثًا تاريخيًا عن أحداث 2017 و2018، بل سؤال مفتوح عن المحاسبة بعد كل هذه السنوات. من السهل على أي سلطة أن تنفي حدوث تجاوزات. الأصعب أن تسمح بآلية مستقلة قادرة على إثبات أو نفي هذه التجاوزات. وإذا كان بعض أفراد الأجهزة قد تجاوزوا القانون دون أوامر عليا، فإن التحقيق هو ما يحمي الدولة نفسها من تحمل مسؤولية أفعال أفرادها. أما الصمت المستمر فيترك كل شيء في منطقة رمادية مظلمة.

تقدر السلطة أن تنزع أبواب الغرف لكنها لن تستطيع إغلاق باب الأسئلة إلى الأبد

أكثر الصور قسوة في رواية الريتز ليست الصعق الكهربائي أو الإيهام بالغرق المزعومين وحدهما. إنها صورة الرجل الذي يقول إنه أراد النوم داخل خزانة ملابس هربًا من أصوات ما كان يحدث في الخارج. فإذا كانت الرواية صحيحة، يتحول الفندق الذي قدمته الدولة يومًا كمقر لحملة مكافحة الفساد إلى شاهد على انتهاكات تستوجب المحاسبة، لا مجرد فصل سياسي قديم طُوي. وإذا كانت الرواية كاذبة، فإن خطورة الاتهام نفسه تستدعي تحقيقًا مستقلًا يثبت براءتها. لا ينبغي أن تبقى هناك منطقة ثالثة يظل فيها التعذيب اتهامًا يتكرر لسنوات، بينما يكتفي كل طرف بروايته الخاصة.

ملف الريتز لم يعد مجرد قضية حقوق إنسان قديمة. أصبح اختبارًا حقيقيًا لمشروع محمد بن سلمان بأكمله. ليس اختبارًا لقدرته على بناء «ذا لاين» أو شراء أندية وشركات عالمية أو تنظيم بطولات كبرى أو تحويل الرياض إلى مركز أعمال دولي. بل اختبار أبسط وأعمق: هل يستطيع المواطن أن يكون آمنًا من التعذيب عندما تصبح الدولة خصمه؟ الدولة الحديثة لا تثبت قوتها بقدرتها على إجبار أصحاب المليارات على الخضوع، ولا بحجم الأموال التي تستطيع استعادتها منهم، ولا بعدد مراكز القوة القديمة التي تفككها. قوتها الحقيقية تظهر عندما تقيد نفسها بالقانون حتى وهي تواجه من تتهمهم بالفساد. لذلك فإن أخطر ما في روايات الريتز ليس فقط احتمال أن أشخاصًا ضُربوا أو صُعقوا أو أُغرقوا خلف أبواب فندق فاخر. الأخطر أن تمر قرابة تسع سنوات كاملة، ويبقى السؤال الأساسي بلا جواب علني مستقل: ماذا حدث فعلًا خلف تلك الأبواب؟ من كان يعلم؟ من أصدر الأوامر؟ ومن سيحاسَب إذا ثبت أن «مكافحة الفساد» تحولت في بعض غرف الريتز إلى تعذيب؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية