من «السعودية الجديدة» إلى 14 ألف موقوف في أسبوع: تحديث الواجهة أسرع من بناء دولة الحقوق

من «السعودية الجديدة» إلى 14 ألف موقوف في أسبوع: تحديث الواجهة أسرع من بناء دولة الحقوق

من «السعودية الجديدة» إلى 14 ألف موقوف في أسبوع: تحديث الواجهة أسرع من بناء دولة الحقوق
من «السعودية الجديدة» إلى 14 ألف موقوف في أسبوع: تحديث الواجهة أسرع من بناء دولة الحقوق

هناك صورتان للسعودية يجري تقديمهما في الوقت نفسه. الأولى هي الصورة التي تريد الرياض أن يراها العالم: دولة تستثمر في الذكاء الاصطناعي والسياحة، تستضيف البطولات العالمية، تبني المدن الجديدة، وتقدم رؤية 2030 باعتبارها انتقالًا تاريخيًا نحو مجتمع واقتصاد أكثر انفتاحًا. والثانية تظهر في ملفات أقل بريقًا: ملاحظات أممية مستمرة بشأن التمييز وحماية العمال المهاجرين، تقارير عن أعمال انتقامية مزعومة ضد متعاونين مع آليات حقوق الإنسان الدولية، وحملات أمنية تنتهي خلال أسبوع واحد فقط بضبط 14,796 مخالفًا لأنظمة الإقامة والعمل والحدود وترحيل 12,057 شخصًا. الرقم الأخير تؤكده بيانات وزارة الداخلية السعودية المنشورة عن الفترة من 3 إلى 9 سبتمبر 2026. جمع هذه الملفات لا يعني أن كل عملية ترحيل انتهاك لحقوق الإنسان، ولا أن كل شخص ضُبط في حملة أمنية ضحية؛ للدولة حق تطبيق قوانين الإقامة والعمل وحماية حدودها. لكنه يكشف سؤالًا أكبر بكثير من أخبار متفرقة: هل نجحت السعودية في تحديث شكل الدولة أسرع مما نجحت في تحديث الضمانات التي تحكم علاقة الدولة بالفرد، خصوصًا عندما يكون هذا الفرد عاملًا أجنبيًا أو عديم الجنسية أو ناشطًا أو شخصًا بلا نفوذ؟

الإصلاح الذي تستطيع الكاميرا تصويره أسهل من الإصلاح الذي يقيد السلطة

أحد أكثر عناصر تجربة محمد بن سلمان وضوحًا أن التغيير الاجتماعي كان سريعًا. لكن إصلاح حقوق الإنسان مختلف جذريًا عن بناء مشروع سياحي أو السماح بنشاط ترفيهي. يمكن للحكومة إصدار قرار اجتماعي فيتغير المشهد خلال أشهر. أما بناء دولة حقوق فيحتاج إلى شيء أصعب بكثير: قوانين واضحة، قضاء فعال، ضمانات للإجراءات القانونية، آليات شكوى يستطيع الأفراد استخدامها من دون خوف، ومؤسسات قادرة على مساءلة أجهزة الدولة نفسها. وهنا تصبح ملاحظات لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري أكثر أهمية من صورتها البيروقراطية. اللجنة سبق أن طلبت من السعودية متابعة قضايا محددة تتعلق بالشكاوى بشأن التمييز العنصري، وخطاب وجرائم الكراهية، والعمال المهاجرين. والسعودية قدمت بالفعل ردًا رسميًا للأمم المتحدة في أكتوبر 2025 قالت فيه إن التوصيات موضع اهتمام وإن الآليات الوطنية تدرسها وتتابع تنفيذها. إذن القضية ليست أن الرياض لا تتعامل مطلقًا مع الأمم المتحدة. المشكلة هي الفارق بين وجود عملية إصلاح وبين كفاية نتائجها. وهذا هو المعيار الذي يجب أن تُحاسب به رؤية 2030 أيضًا. فكما لا يكفي الإعلان عن مشروع عملاق لإثبات نجاحه الاقتصادي، لا يكفي الإعلان عن إصلاح قانوني لإثبات أن الشخص الأضعف أصبح أكثر حماية.

العامل الأجنبي يبني الرؤية لكن موقعه داخل منظومة الحقوق يظل الاختبار الأصعب

هناك مفارقة لا ينبغي تجاهلها. جزء كبير من التحول العمراني والاقتصادي السعودي يعتمد على قوة عمل مهاجرة ضخمة. المهاجر موجود في موقع البناء والفندق والمطعم والمستشفى والمصنع والمنزل وشركات الخدمات. أي أن العامل الأجنبي ليس هامشًا في رؤية 2030. إنه أحد الأشخاص الذين يبنونها فعليًا. ولهذا فإن حقوق العمال المهاجرين ليست ملفًا منفصلًا عن الرؤية، بل جزء من مصداقيتها. كانت لجنة القضاء على التمييز العنصري قد أثارت في مراجعتها للسعودية مسائل تتعلق بالمهاجرين، بمن فيهم الأشخاص في أوضاع غير نظامية ومن انتهت تصاريح عملهم، كما ناقشت تقارير عن ظروف احتجاز وترحيل ومشكلات تواجه مجموعات معرضة للخطر. وهنا ينبغي التفريق بوضوح بين أمرين. من حق السعودية ضبط الهجرة غير النظامية. لكن حق الدولة في إنفاذ القانون لا يلغي حقوق الشخص أثناء إنفاذه. هل يحصل المحتجز على معرفة واضحة بوضعه القانوني؟ هل يستطيع الاعتراض عندما تكون هناك أسباب قانونية تمنع ترحيله؟ هل توجد ترجمة ومساعدة قانونية عند الحاجة؟ كيف تُعامل الحالات الإنسانية؟ وماذا يحدث للعامل عندما يكون صاحب العمل نفسه جزءًا من المشكلة؟ هذه الأسئلة هي التي تفرق بين إدارة الهجرة باعتبار الأشخاص ملفات أمنية وبين إدارتها باعتبارهم بشرًا خاضعين للقانون.

الأرقام الرسمية نفسها ضخمة. بين 3 و9 سبتمبر، ضبطت السلطات 14,796 شخصًا: 7,504 بسبب مخالفات الإقامة، و3,783 بسبب مخالفات أمن الحدود، و3,509 بسبب مخالفات العمل. كما ضُبط 1,273 شخصًا أثناء محاولة دخول المملكة بصورة غير نظامية؛ 55% منهم إثيوبيون و44% يمنيون. وفي الفترة نفسها، قالت السلطات إنها رحلت 12,057 شخصًا، بينما كان أكثر من 30 ألف وافد يخضعون لإجراءات تنفيذ الأنظمة. هذه الأرقام لا تسمح وحدها بالقول إن هؤلاء الأشخاص تعرضوا لانتهاكات. لكنها تسمح بسؤال مؤسسي شديد الأهمية: هل منظومة الضمانات القانونية قادرة على العمل بالكفاءة نفسها عندما تعالج عشرات الآلاف من الحالات؟ فالعملية التي تتعامل مع أعداد ضخمة بسرعة تحتاج إلى ضمانات أقوى، لا أضعف. كلما تحولت إجراءات التوقيف والترحيل إلى آلة واسعة النطاق، زادت مخاطر الخطأ: شخص لديه مطالبة قانونية، أو عامل وقع ضحية استغلال، أو حالة تحتاج حماية، أو فرد لا يملك أوراقه لأن جهة أخرى احتجزتها. الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بسرعة القبض. تُقاس أيضًا بقدرتها على اكتشاف الخطأ قبل أن يصبح الترحيل غير قابل للتراجع.

من يخشى التعاون مع الأمم المتحدة؟ هنا يصل ملف الحقوق إلى أخطر نقطة

الملف الثاني أكثر حساسية لأنه لا يتعلق بالمهاجرين فقط، وإنما بعلاقة الأفراد بالرقابة الدولية نفسها. التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الأعمال الانتقامية هو آلية مخصصة أصلًا لتوثيق ادعاءات الترهيب أو الانتقام من أشخاص يتعاونون أو يحاولون التعاون مع الأمم المتحدة وآلياتها الحقوقية. ومن المهم التأكيد أن إدراج حالة أو الإشارة إليها في هذا السياق لا يعني تلقائيًا صدور حكم قضائي يثبت كل الادعاءات. لكن خطورة الفكرة نفسها واضحة. إذا شعر شخص بأن الحديث مع مؤسسة حقوقية دولية قد يعرضه أو أسرته للاعتقال أو المراقبة أو منع السفر أو غير ذلك من الضغوط، فإن المشكلة لا تعود انتهاكًا فرديًا فقط. إنها تضرب آلية كشف الانتهاك نفسها. فالرقابة الحقوقية تعتمد على الشهود والأسر والمحامين والنشطاء. إذا خاف المصدر من الكلام، تصبح الدولة هي الطرف الذي يمتلك المعلومات وهي الطرف الذي يقرر مقدار المعلومات التي يمكن للعالم رؤيتها. وهنا يصبح الصمت مؤشرًا مضللًا. قلة الشكاوى لا تعني بالضرورة قلة المشكلات إذا كان تقديم الشكوى نفسه يحمل مخاطر.

رؤية 2030 تريد المستثمر العالمي، لكنها تحتاج أيضًا إلى معيار عالمي للقانون. قد يبدو ربط هذه القضايا بنيوم أو صندوق الاستثمارات أو السياحة مبالغة. لكنه في الحقيقة في قلب المشروع الاقتصادي. محمد بن سلمان يريد اقتصادًا عالميًا. يريد الشركات الأجنبية. يريد المديرين والمهندسين والمستثمرين والسائحين. ويريد أن تصبح الرياض مركزًا للأعمال. لكن الاقتصاد العالمي لا يأتي برأس المال فقط. يأتي معه سؤال المؤسسات. هل القانون متوقع؟ هل العامل يستطيع الشكوى؟ هل الأجنبي والمواطن يحصلان على إجراءات عادلة؟ هل يستطيع شخص انتقاد مؤسسة دون الخوف من عقوبة غير قانونية؟ وهل توجد جهة تستطيع محاسبة السلطة نفسها؟ لا يمكن بناء مركز اقتصادي عالمي بقوانين استثمار القرن الحادي والعشرين وضمانات حقوقية لا تتطور بالسرعة نفسها. هذه ليست قضية مثالية منفصلة عن الاقتصاد. سيادة القانون نفسها أصل اقتصادي.

تستطيع السعودية بناء مدينة في الصحراء لكن الاختبار الأصعب هو بناء حدود للسلطة

معايير نجاح نيوم واضحة عندما نتجرد من الدعاية: كم أُنفِق؟ ماذا بُني؟ ما العائد؟ وما الذي تحقق مقارنة بما وُعد به؟ والمنهج نفسه ينبغي تطبيقه على ملف حقوق الإنسان. ليس: كم قانونًا صدر؟ بل: ماذا تغير في حياة الشخص عندما يواجه السلطة؟ ليس: كم لجنة أُنشئت؟ بل: هل يستطيع العامل استخدامها ضد صاحب نفوذ؟ ليس: كم تقريرًا أرسل إلى الأمم المتحدة؟ بل: هل يستطيع مواطن أو مقيم التواصل مع الأمم المتحدة من دون خوف من الانتقام؟ وليس: كم شخصًا رُحّل؟ بل: هل حصل كل شخص على الإجراءات والضمانات التي يكفلها له القانون والمعايير الدولية؟ هذه هي الفجوة التي لا تستطيع المشاريع العملاقة تغطيتها. يمكن شراء شركة عالمية. يمكن بناء منتجع. يمكن تنظيم كأس العالم. ويمكن تغيير أفق الرياض بالكامل خلال عشر سنوات. لكن بناء دولة قانون أصعب من بناء ناطحة سحاب، لأنك في الأولى لا تطلب من المهندس أن يغير الخرسانة؛ بل تطلب من السلطة أن تقبل وضع حدود على نفسها. وهنا سيكون الاختبار الحقيقي لـ«السعودية الجديدة». ليس مدى اختلاف الرياض في 2030 عن الرياض في 2015 من حيث الأبراج والحفلات والمطاعم. بل مدى اختلاف تجربة الشخص الذي لا يملك مالًا أو واسطة أو جنسية سعودية عندما يقف أمام مؤسسة حكومية. إذا أصبحت المدن أكثر حداثة بينما ظل الفرد الأضعف يحتاج إلى الخوف من صاحب العمل، أو الترحيل السريع، أو الانتقام المزعوم بسبب حديثه إلى جهة حقوقية، فستكون المملكة قد حدّثت واجهتها أسرع بكثير مما حدّثت علاقتها بحقوق الإنسان. ورؤية تريد أن تُقاس عالميًا لا تستطيع اختيار المعايير العالمية عندما يتعلق الأمر بالاستثمار والسياحة والتكنولوجيا، ثم اعتبارها شأنًا خارجيًا عندما تصل إلى حقوق الإنسان.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية