«رؤية 2030» تغيّر وجه السعودية.. لكن المقصلة ما زالت تعمل بنفس الوتيرة

«رؤية 2030» تغيّر وجه السعودية.. لكن المقصلة ما زالت تعمل بنفس الوتيرة

«رؤية 2030» تغيّر وجه السعودية.. لكن المقصلة ما زالت تعمل بنفس الوتيرة
«رؤية 2030» تغيّر وجه السعودية.. لكن المقصلة ما زالت تعمل بنفس الوتيرة

السعودية التي تريد أن يراها العالم في 2030 مختلفة جذريًا عن المملكة قبل عقد: سياحة دولية، كأس عالم، مدن مستقبلية، حفلات، استثمارات تكنولوجية، ذكاء اصطناعي، ومشاركة أوسع للنساء. مئات المليارات تُضخ لإعادة بناء الصورة والاقتصاد. 

لكن خلف هذه الواجهة يوجد مؤشر يصعب دمجه في رواية «السعودية الجديدة»: 108 عمليات إعدام وثقتها المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان في النصف الأول من 2026 وحده. 59 أجنبيًا و49 سعوديًا. 71 حالة مرتبطة بالمخدرات. و83 من أصل 108 لم تتضمن قتلًا عمديًا. 

هذه أرقام منظمة حقوقية، وليست حكمًا قضائيًا محايدًا على سلامة كل قضية. لكن الصورة العامة تجد دعمًا في بيانات رسمية متفرقة وتقارير دولية أخرى. والسؤال وفق معايير نيوم ليس: هل يحق للسعودية مكافحة المخدرات؟ بل: كيف تستطيع دولة تنفق مئات المليارات لإقناع العالم بأنها تبني اقتصاد المستقبل أن تقبل بعقوبة لا رجعة فيها في قضايا تثار حولها أسئلة جدية عن المحامي والترجمة والمحاكمة العادلة؟

71 إعدامًا في قضايا مخدرات.. عندما تصبح العقوبة النهائية أوسع من «أشد الجرائم خطورة»

أكثر ما يلفت النظر ليس العدد وحده، بل طبيعة القضايا. جرائم المخدرات شكلت نحو ثلثي الحالات الموثقة. والأجانب شكلوا 54%. 

القانون الدولي لحقوق الإنسان، حتى للدول التي لم تلغ الإعدام، يفسر معيار «أشد الجرائم خطورة» تفسيرًا ضيقًا يرتبط أساسًا بالقتل العمد. هيومن رايتس ووتش أشارت إلى انتقاد فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي لتطبيق العقوبة في جرائم مخدرات غير مميتة. 

يمكن للحكومة أن تقول إن التهريب جريمة خطيرة تهدد المجتمع، وإن العقوبات المشددة سياسة ردع. لكن حتى قبول هذه الحجة لا ينهي النقاش. هناك فارق بين: هل الفعل جريمة خطيرة؟ وهل ينبغي أن تكون عقوبته الموت؟ 

عندما تكون العقوبة غير قابلة للتصحيح، يجب أن يرتفع معيار العدالة الإجرائية إلى أقصى مستوى. مزاعم غياب المحامي أو المترجم تصبح خطيرة للغاية. الدولة الواثقة من عدالة أحكامها يفترض أن تكون لديها مصلحة في إظهار قوة المحاكمة: أين المحامي؟ أين المترجم؟ ما الأدلة؟ كم استغرقت المحاكمة؟ هل فهم المتهم التهم؟ هل استطاع الطعن؟ هل توجد أحكام منشورة تسمح بالفحص؟ 

الرد الأقوى على اتهام المحاكمات غير العادلة ليس الصمت، بل شفافية يمكن إثباتها.

 59 أجنبيًا في ستة أشهر.. أخطر اختبار للعدالة عندما يكون المتهم أفقر وأضعف من أن يدافع عن نفسه

السعودية تحتاج ملايين الأجانب لبناء الاقتصاد الذي تتصوره. هم يبنون الأبراج ويعملون في الخدمات والفنادق والإنشاءات والمشروعات المرتبطة برؤية 2030. 

لكن العدالة لا تُختبر بالطريقة التي تعامل بها الدولة المستثمر الذي يحمل جواز سفر غربيًا وفريق محامين. تُختبر بالطريقة التي تعامل بها عاملًا إثيوبيًا فقيرًا يقف أمام محكمة بلغة قد لا يفهمها. 

هيومن رايتس ووتش وثقت إعدام خمسة إثيوبيين في 27 يوليو بتهم تهريب حشيش، و17 إثيوبيًا على الأقل في قضايا مخدرات منذ بداية 2026. ولا يعني كون المتهم مهاجرًا أنه بريء. ولا يعني الفقر أن الاتهام ملفق. للدولة حق واضح في ضبط حدودها. 

لكن هشاشة المتهم تجعل الضمانات أكثر أهمية لا أقل. عدم معرفة اللغة يمكن أن يحول توقيع ورقة إلى شيء لا يفهمه صاحبها. غياب المحامي يجعل شخصًا لا يعرف النظام عاجزًا عن الدفاع. الخطأ في حكم بالسجن يمكن تصحيحه جزئيًا. أما الخطأ بعد تنفيذ الإعدام فلا توجد محكمة استئناف تعيد صاحبه. 

في قضية عقوبتها الموت، الترجمة والمحامي ليسا تفصيلين إداريين. هما جزء من الفارق بين القضاء والقوة المجردة.

 ملاعب 2034 ومدن نيوم تحتاج عمالًا.. لكن «الرؤية» تحتاج دولة قانون يستطيع هؤلاء العمال الوثوق بها

قد يبدو من السهل فصل الملفات: نيوم اقتصادي، والإعدام حقوقي، والعمال اجتماعي. لكن الدولة نفسها جمعت هذه الملفات عندما جعلت الانفتاح على العالم جزءًا من استراتيجيتها. 

كأس العالم يعني لاعبين ومشجعين وشركات وعمالًا وصحفيين ومنظمات. نيوم تحتاج مهندسين وعمال بناء من عشرات الدول. السياحة تحتاج زوارًا. الاستثمار يحتاج موظفين وأسرًا. وهكذا تصبح سيادة القانون أصلًا اقتصاديًا. ليس لأن المستثمر مؤسسة حقوقية، بل لأنه يريد معرفة قواعد الدولة التي يضع فيها ماله وموظفيه. 

هيومن رايتس ووتش أشارت إلى أن محمد بن سلمان قال في 2018 إن المملكة تسعى إلى تقليل استخدام عقوبة الإعدام بدرجة كبيرة، بينما سجلت السعودية لاحقًا 345 إعدامًا في 2024 و356 في 2025. حالات 2026 لا تظهر في فراغ. هناك مسار يحتاج إلى تفسير، وهو أكثر إثارة للأسئلة بسبب الوعد السابق. 

يمكن تغيير المدينة في عشر سنوات. لكن الاختبار الأصعب هو بناء مؤسسات تستطيع تقييد سلطة الدولة نفسها. الإصلاح الذي يمكن تصويره سهل: امرأة تقود، حفلة، سائح، ملعب، برج. أما القاضي المستقل والمحامي والمترجم والحكم المنشور وآلية التحقيق المستقلة فلا تنتج فيديو مذهلًا. لكنها هي التي تفصل الدولة الحديثة عن الدولة التي تمتلك فقط مظهر الحداثة.

 أطول برج يمكن هدمه.. أما حكم الإعدام فلا «إعادة معايرة» له

هناك تناقض يصعب على «رؤية 2030» الهروب منه. المملكة تطلب من العالم أن يقيسها بالمستقبل. لكن حقوق الإنسان تطلب منها أن تُحاسب على الحاضر. 

يمكن بناء مطار جديد واستضافة كأس العالم وإنشاء منتجعات واستثمار في الذكاء الاصطناعي. كل ذلك تحول حقيقي. لكن التحديث الاقتصادي لا يمنح حصانة من المحاسبة الحقوقية. 

وفق أرقام المنظمة الأوروبية السعودية: 108 أشخاص أُعدموا في ستة أشهر، 59 أجانب، 71 في قضايا مخدرات. ووفق هيومن رايتس ووتش وصل العدد إلى 116 على الأقل بحلول نهاية يوليو، بينهم 17 إثيوبيًا على الأقل في قضايا غير مميتة. 

يمكن للحكومة أن تختلف جذريًا مع هذه التقييمات وتدافع عن قوانينها. لكن أفضل رد على اتهام المحاكمات غير العادلة ليس شعارًا. إنه محاكمة عادلة يمكن إثبات عدالتها: محامٍ، مترجم، شفافية، حق فعلي في الدفاع والاستئناف، وتدقيق شديد قبل عقوبة يستحيل التراجع عنها. 

هذه ليست مطالب تجميلية. إنها البنية التحتية القانونية لدولة تريد استضافة العالم. أثبت محمد بن سلمان أن الدولة تستطيع تغيير شكل الشارع بسرعة مذهلة عندما تمتلك الإرادة والمال والسلطة. لكن هناك اختبارًا أصعب بكثير من بناء «ذا لاين»: هل تستطيع السلطة بناء مؤسسات تضع حدودًا واضحة وقابلة للتحقق على استخدامها للقوة؟ 

أطول برج يمكن هدمه وإعادة بنائه. ومشروع نيوم يمكن تقليصه. وملعب يمكن إلغاؤه. أما حكم الإعدام، فبمجرد تنفيذه، لا توجد «إعادة معايرة» تستطيع إعادة الإنسان إلى الحياة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية