في ظل التسارع الرهيب في مسيرة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، تتعامل إسرائيل مع حكومة المملكة من مبدأ السيد والعبد، الآمر والمنفذ، لأنها توقن بأن هذه هي حقيقة العلاقة بين أمريكا والمملكة السعودية، لذاك ومن الطبيعي أن تكون مصالح الكيان الصهيوني مقدمة عن حكومة المملكة السعودية، وأن يقوم على رعايتها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
وانطلاقا من هذه المسلمة، فإن ولي العهد السعودي قد أعلن في العام 2016 عن رؤيته الاقتصادية لتنويع اقتصاد المملكة بدلا من اعتماده على النفط فقط، لكن الغريب أنه لم ينفذ من تلك الرؤية إلا ما تشكك في المحللون، ونسبه الكثير من أهل السياسة إلى مصلحة الاحتلال الإسرائيلي، لأن MBS يعلم يقينا أنه لا يمكن أن يحصل على دعم البيت الأبيض من دون تزكية من “أبياك” (مجموعة الضغط الرئيسية المؤيدة لإسرائيل) والمنظمات اليهودية، وفقا لما قاله النائب السابق لرئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي “إيران ليرمان”.
هناك مؤشرات كبرى وكثيرة تؤكد وقوف إسرائيل وراء نيوم، أولها أنه لا يمكن لهذا المشروع الذكي أن يقوم بين مصر والأردن والمملكة السعودية من دون موافقة الكونجرس الإسرائيلي، وأن يتم من دون أن تحرك أفكاره يد المخابرات الصهيونية، وهو ما دفع السيسي بأمر من إسرائيل وموافقة ظاهرية لتنازله عن حق مصر في جزيرتي تيران وصنافير المصريتين، فهذا المشروع سيكون بمثابة جسر يربط مصر بالسعودية، ويجب أن يعبر إلزاميًا صحراء النقب الممتدة داخل الأراضي المحتلة من قبل الكيان الصهيوني، وعليه فلا يمكن أن يكون بن سلمان قد تحرك في مشروعه من دون أن يأخذ الضوء الأخضر من الكيان الصهيوني المحتل، إن لم يكن هالكيان هو صاحب الفكرة، وبن سلمان أجير لتنفيذها.
مؤشر آخر على دور الاحتلال في نيوم، حيث أعلنت المملكة عن احتياجها لإنشاء مدينة عالمية ذكية، تدار من خلال الروبوتات، لذا فإن من المستحيل أن تعتمد المملكة على شركاتها المحلية العاملة في أسواق المملكة، ولتفوق إسرائيل في المجال المدعوم من الغرب، فإن هذه هي الفرصة الحقيقية التي يمكنها من خلالها أن تنفذ إلى بلاد العرب على جناح التطبيع، لتندمج بين قوى المجتمعات العربية السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والسياحية والاجتماعية مستقبلا، وبالطبع سيتولى هذا الملف رواد التطبيع بين دول الخليج والاحتلال الإسرائيلي، الذين أدوا خدمتهم في إحدى وحدات الاستخبارات التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، لأن مجال المراقبة التكنولوجية هو المجال الأهم على الإطلاق لدى دولة الاحتلال الصهيوني، لإدارة لعبة السياسة ودس عملائها بين الصفوف العربية.
فعلى سبيل المثال توظّف شركاته (كوتشافي) العشرات من الضباط والمجندين السابقين، الذين عملوا سابقًا في مختلف وحدات الاستخبارات و”الشين بيت”، لتقديم الخدمات الأمنية الخاصة للعديد من العملاء، وبين عامي 2007 و2015، قامت “شركة كوتشافي” ببيع الإمارات خدمات أمنية بقيمة 6 مليار دولار لحقول النفط لديها، حيث لم تكن آبار النفط قبل هذه السنوات مؤمنة، كما قامت بتأسيس إحدى أنظمة الدفاع الأكثر تكاملًا في العالم، إذ يحوي آلاف الكاميرات وأجهزة الاستشعار الممتدة على طول 620 ميلًا على الحدود الإماراتية؛ وتصبّ المعلومات التي يقوم بجمعها في قاعدة بيانات تسمّى “ويسدوم”، ويشرف عليها كوتشافي، وتدار من خلال إحدى أكبر شركاته من قلب إسرائيل، وهي شركة “لوجيك إنداستريز”، التي يرأس مجلس إدارتها عاموس ملكا، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية (أمان).
كل تلك المؤشرات تؤكد متانة العلاقات بين حكومة المملكة السعودية وبين تل أبيب، وأن ولي العهد ليس سوى خادم جديد لمصالح الاحتلال مثل غيره من بعض حكام العرب.






