في الوقت الذي تروج فيه حكومة بن سلمان عن تسامحها وإصلاحاتها المجتمعية، لا يظهر على ساحة العمل السياسي في المملكة سوى القمع والسجن وربما القتل، فلم يعد المستغرب أن يكون كافة المعارضين ضد فساد بن سلمان، بغض النظر عن خطوطهم السياسية، قد سجنوا أو أرسلوا إلى المنفى.
وأشارت تحقيقات وآراء مختصون بأن خطوات المملكة لتبييض وجه بن سلمان، من خلال اقتراح المملكة السعودية إسلاما معتدلا وأكثر تسامحا مثلا، هو في الحقيقة لم يسعفها في إضفاء الشرعية على ما تحاول القيام به، ففي تطور ساخر جدا، كان الاستغلال السعودي والإماراتي للمشاعر المعادية للإسلام لمواجهة الإسلام السياسي، الذي يعتبر التحدي الأكبر لإضفاء الشرعية الدينية على الحكام المستبدين في الدولتين الخليجيتين، الأكثر نجاحا في النمسا، وفرنسا، اهتماما كبيرا بتأثير دعمهما للحملات ضد الإسلام السياسي المرتبطة بكراهية الإسلام على وضع الأقلية المسلمة في البلدين الأوروبيين.
ففي ديسمبر من العام الماضي وبالتنسيق بين الدولتين، قام وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية في ذلك الوقت أنور قرقاش، بالدفاع عن قانون الأمن الجديد الذي اعتمده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وقدمه إلى البرلمان، الذي اتهمه المنتقدون بتقويض الحريات الديمقراطية من خلال استهداف المسلمين ضمنا، والسعي إلى إتمام فرض حظر أوسع على التعليم المنزلي لأبناء المسلمين، وفرض ضوابط على الجمعيات الدينية، والرياضية والثقافية التي تتبع كافة الجمعيات المسلمة، وتوسيع درجات المراقبة والقيود المفروضة على حرية التعبير في كل ما يخص مسلمي أوروبا.
وعلى رغم ما هو معروف عن عداوة ماكرون للمسلمين، وأنه لا يريد أن يرى المسلمين في شوارع الغرب، رأت حكومة بن سلمان وحكومة بن زايد أنه على حق، بل وينبغي إدماج الجاليات المسلمة بشكل أفضل في المجتمع وفق ما يراه ماكرون، ومن حق الدولة الفرنسية استكشاف سبل تحقيق ذلك أيا ما كانت تلك السبل.
الخطة التي اعتمدها بن سلمان للحرب على تيارات العمل المجتمعي التي مرجعيتها الإسلام لم تكن في أوروبا وحدها، بل كانت أوروبا نهاية المطاف، حيث بدأت بمصر، وليبيا وسوريا ومؤخرا تونس، لأنه يرى أن في تلك الحركات حرية للشعوب، في اختيار الحاكم والحكومة، وهو الأمر الذي قد يضر بمملكته مستقبلا، لأنه يوقن أن الشعوب تستيقظ بما تراه من حولها.
كل تلك الحروب التي يشنها بن سلمان داخل وخارج المملكة، يجني الشعب السعودي ثمارها فقرا وتراجعا في الاستثمار، وازديادا في معدلات الفقر والبطالة، فهل يعود بن سلمان للرشد، أم يسير في طريق المستبدين من حوله؟






