أورد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “CSIS” في دراسة نشرها الباحث Jon Alterman بعد زيارته للمملكة أن الانفتاح السياسي في السعودية سيظل ضعيفاً بشكل كبير، بل أن مزاعم الإصلاح الجاري في السعودية بترويج من ابن سلمان مجرد خليط فوضوي، حيث أظهرت الدراسة أن الوزارات السعودية تتقاطع فيما بينها، ويهدم بعضها جهد الآخر، مثلاً قد ترغب إحدى الوزارات بتعزيز الاستثمار الأجنبي، بينما تريد وزارة أخرى زيادة الإيرادات الضريبية، وقد ترغب وزارة ثالثة في زيادة توظيف السعوديين، في حين أنه من الممكن متابعة جميع الأهداف الثلاثة في وقت واحد، إلا أنه يثبت صعوبة أكبر في الممارسة، وذلك للافتقار إلى الكوادر الإدارية، حيث يشكل هذا الافتقار تحديًا مستمرًا في المملكة، تضطر معه الحكومة في الاعتماد على أرامكو لتزويد المديرين بالمساعي الجديدة، لكن الطلب يفوق بكثير ما يمكن أن تنتجه أرامكو، فالحكومة لديها قرارات صعبة لاتخاذها بشأن المفاضلات بين المديرين المستوردين من الخارج، ورعاية المديرين الجدد في الداخل.
وأشار الباحث إلى “أن وضع حقوق الإنسان في السعودية مقلق بشدة، حيث يختفي أشخاص، ويُعدم آخرون دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة” حيث أردف قائلا: عندما ذهبت إلى المملكة العربية السعودية لأول مرة منذ أكثر من 20 عامًا، كان كل شيء أبيضا وأسودا بالمعنى الحرفي للكلمة، نادرًا ما كانت تُرى النساء السعوديات من دون عباءة سوداء منتفخة، ويرتدي الرجال جميعًا ثيابًا بيضاء متطابقة، حتى لاحظت كيف أن الياقات والأصفاد والجيوب توفر خيارات لا حصر لها للتخصيص، أما الآن السعودية لم تعد هكذا، حيث يرتدي عدد متزايد من السعوديات العباءات الملونة، ويتركها مفتوحة في كثير من الأحيان، ويختار عدد متزايد من الرجال السعوديين الجينز والقمصان، كما تدفقت الشابات والشبان على حد سواء إلى الوظائف الخدمية، من العمل في المقاهي إلى قيادة سيارات Uber’s، هناك طاقة وإبداع إنه مكان مختلف، ويؤدي إلى إعادة التفكير، قبل ثلاث سنوات ونصف كان برنامجي في مركز CSIS على وشك الانخراط في مشروع مهم مع السعوديين، بينما كنا نعيش مأساة مقتل الزميل جمال خاشقجي، وأوقفنا البرنامج وأعدنا الأموال التي كانت مودعة، حينها كنت واثقًا من أنه الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله، لكن الآن لست متأكدًا من أن استمرار فك الارتباط هو القرار الصحيح للمضي قدمًا، لقد سمعت عددًا من الحجج ضد إعادة الارتباط، وأتعاطف معها، فوضع حقوق الإنسان في المملكة يقلقني بشدة.
وبالطبع، لا يزال هناك جمال خاشقجي، الذي أخبرني ذات مرة أنه يوافق بشكل كامل تقريبًا على اتجاه خطة إصلاح بلاده، لكنه يعتقد أن القيام بذلك دون تشاور وعملية التعديل والتصحيح المستمرة تعرض نجاحها للخطر، لهذا قُتل وذبح، ورغم ذلك فإن هذه المآسي ليست كل ما في البلاد، حيث يتطلع الشباب السعودي إلى مستقبل مختلف عما كان يتصوره قبل خمس سنوات، ويرون دورًا جديدًا لأنفسهم وبلدهم.
كذلك فإن النظام القانوني آخذ في التغير مع تنحية المحاكم الدينية جانبا، وجلب تكنوقراط لفرض العقود، ويتم إعادة تشكيل الجيش حتى يتمكن من القيام بعمل أفضل في الدفاع عن البلاد، بدلاً من الاعتماد على القوى الخارجية، ورغم ذلك إنها في الواقع خليط فوضوية.
ويضيف الباحث: “إنني أقدر الحجة التي يقدمها البعض للإصرار على شكل آخر من أشكال التغيير السعودي لجعل إعادة الانخراط أمرًا ممكنًا، لكن لا يمكن لأي شكل من أشكال المساءلة أن يعيد جمال خاشقجي أو يرضي تمامًا الأشخاص الغاضبين بحق من مقتله، ومن شبه المؤكد أن الانفتاح السياسي في السعودية سيظل خجولًا ، وستظل حرب اليمن وصمة عار لسنوات قادمة، في الوقت نفسه، فإن الحوثيين طرفًا حميدًا، والإصرار على اتفاق سلام قبل إعادة الانخراط مع المملكة يمنح الحوثيين حق النقض، إن طبيعة الاستخفاف الوطني لدينا هي أنه يتم وصف أي استعداد للانخراط مع السعودية على أنه مسعى فاسد للحصول على الدولارات، وطبيعة تشاؤمنا السياسي هي أن إعادة الانخراط هذه تُفسر على أنها رغبة في التملص من حكومة أجنبية، لكن ثلاثة عقود في الشرق الأوسط علمتني عدة أشياء، الأول هو أن المملكة لها تأثير كبير في جميع أنحاء المنطقة، الثاني أنك تتعلم أكثر من التفاعل مع الأشخاص الذين لا تتفق معهم أكثر مما تتعلمه مع الأشخاص الذين تتفق معهم.
إن التعاطي مع السعودية لا يمحو أخطاء البلاد ولا يمنعها من ارتكاب أخطاء جديدة، لكن رفض إعادة الانخراط من حيث المبدأ لا يعجل بالإصلاحات، ولا يحسن ظروف السعوديين أو جيرانهم، وزيارة الرئيس بايدن القادمة مناسبة ليس لأنها تمثل نهاية للتوترات الثنائية، ولكن لأنها تمثل تصميمًا على العمل معًا للحد منها، فهل ينجح بايدن في جمح شهوة الديكتاتورية في عقل بن سلمان أم يضفي عليها شرعية دولية؟!






