أمير القفار الذي قتل الكبار وشرّد الصّغار وسجن الأحرار وجرّم الأخيار وهدم الدّيار وقطع بالمنشار
“يا مْزَيِّنْ مِنْ بَرَّا شْحَالِكْ مِنْ دَاخِلْ”، مثلٌ شعبيّ مغاربيّ يُضرب للتّأكيد على أنّ المظاهر منافقة خدّاعة، فقد يكون الغلاف جذّابا والمضمون رديئا، وقد يكون الشكل حسنا والجوهر زيفا، وقد يقول الناس ما لا يفعلون، وقد يفعلون ما لا يقولون. وهذا وليّ العهد السعودي ” أبو منشار مْصَدِّي”، يبذّر مليارات الدولارات للتّرويج لصورة “مملكة العدل والتّطوّر والإنسانية” بقيادة الأمير الشاب “صاحب الإنجازات غير المسبوقة”. ومن إنجازاته أن قتل الكبار وشرّد الصّغار وسجن الأحرار وجرّم الأخيار وهدم الدّيار وقطّع بالمنشار. ففي شريعة بن سلمان التي لا مجال فيها للرّحمة، التغريد خارج السرب حرام، وانتقاد النظام كبيرة، والمطالبة بالتغيير أمّ الكبائر.

وتعجّ “مملكة العدل” بمعتقلات وسجون بخدمات “خمس نجوم”: فهذا جناحٌ لمعتقلي الرأي، فيه قد تفقد سمعك وبصرك وقد تتدهور صحتك وتحرمك السلطات السعودية من العلاج، ألم يقل الدكتور عبد الله العودة، نجل الداعية السعودي سلمان العودة، في تغريدة عبر حسابه الموثق بـ”تويتر”، “أنّ والده فقد تقريبا نصف سمعه ونصف بصره”، وفق طبيب السجن، وأنّ تُهْمَته أن “دعا لتأليف القلوب ولمصلحة الشعوب”؟؛ وهذا جناح للناشطات الحقوقيات والنسويات، يتعرّضن فيه للتّحرّش والاعتداء الجنسي والصعق بالكهرباء وأقسى ألوان التعذيب، وقد تُنسب إليهنّ تهم بـــ”الإرهاب والمساس بأمن البلاد”، ألم تتمّ إحالة قضية لجين الهذلول إلى المحكمة الجزائية المتخصصة التي تنظر في قضايا الإرهاب؟ ألم تعتقل السلطات السعودية، في 15 مايو/ أيار 2018، عددا من الناشطات في مجال حقوق الإنسان، أبرزهن لجين الهذلول، وسمر بدوي، ونسيمة السادة، ونوف عبد العزيز، ومياء الزهراني؟؛ وهذا جناح للمعارضين السياسيين والمغردين خارج السرب، والفوز بليال أو حتى سنوات في هذا الجناح الملكي ليس بالأمر الصعب أبدا، يكفي مثلا أن تغرّد على “تويتر” بما لا يتلاءم مع أجندات النظام حتى تنقضّ عليك قوّات الأمن وتنقلك ربما مكبّل اليدين معصوب العينين إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ألم يصرّح عبد الحكيم الدخيل، نجل وكيل وزارة المالية السعودية السابق عبد العزيز الدخيل ــ الذي اِعتُقل بسبب محاربته للفساد المالي للدولة، ومطالبته بالحرية والعدالة، ومحاولته للإصلاح ــ في مقابلة خاصة مع “عربي21″، “أنّهم لا يعلمون شيئا عن وضع والده داخل محبسه حتى الآن”؛ إذ “انقطع الاتصال به تماما، ولا يوجد نظام محاماة للمعتقلين السياسيين، ولهذا لا نستطيع أن نستفيد من أي محام ليخبرنا عن وضعه”.

وفي “مملكة التّطوّر”، يسحق ـــ نيوم ـــ أضخم مشروعات سموّ “المنشار” للتنمية الاقتصادية أحد أعرق القبائل في المنطقة العربية ــ الحويطات ــ . إذ يسعى وليّ العهد السّعودي إلى بناء مدينة تقنية عالمية بتكلفة تصل إلى 500 مليار دولار لجذب الاستثمار الأجنبي إلى المملكة، في منطقة تُعدُّ معقلاً للعديد من القبائل العربية، عبر إبادة شعب أصلي مستخدما في ذلك كل أدوات الترهيب وصولا إلى التّصفية المباشرة كما فُعل بـــ”عبدالرحيم الحويطي”. ومنذ سنوات، يعاني أبناء قبيلة “الحويطات” من التهديدات المستمرة من قبل السلطات بالطرد والتهجير القسري والممارسات القمعية كقطع إمدادات الخدمات العامة مثل الماء والكهرباء وخطوط الهاتف وغيرها. وما أشبه اليوم بالأمس! فما يعانيه الحويطيون السعوديون لا يختلف عما قاساه الفرع الآخر للقبيلة من أبناء “الحويطات” في فلسطين المحتلة مع بداية الثلث الأول من القرن العشرين على يد الاحتلال الإسرائيلي.
وتسببت “مملكة الإنسانية” في نشوب أكبر أزمة إنسانية في القرن الواحد والعشرين: “الحرب في اليمن”. وأودت حرب اليمن المتواصلة منذ ما يقارب الستّ سنوات بحياة 233 ألف شخص، وفق تقارير نشرتها منظّمة الأمم المتحدة، كما تسبّبت في نزوح 5 ملايين يمنيّ بينما يقف ثلاثة أرباع السكان على عتبة المجاعة، وذلك في الوقت الذي تتصاعد فيه حدّة الصراع بين التّحالف الذي تقوده مملكة سمو “المنشار” والحوثيين. صراع تطوّر ليأخذ طابعا دوليًّا منذ عام 2015 ويقال أنّه أودى بشكل مباشر بحياة أكثر من 100.000 شخص. ويفرض النظام السعودي حصارا شاملا جوّا وبحرا وبرّا ممّا يمنع وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين. ودمّر القصف المكثّف البنية التحتيّة، حتى المستشفيات تمّ استهدافها في وقت تنتشر فيه الأوبئة كالكوليرا وحمى الضنك وكورونا. يمكن القول اليوم بأنّ اليمن يواجه بؤسًا لم يسبق له مثيل.
وعليه وإيمانا منا بحرية الرأي والقلم وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فإنّنا في حملة “ما وراء نيوم” نطالب بتحرّك أمميّ عاجل وجدّي للضغط على النظام السعودي الذي يحترف انتهاك حقوق الإنسان في الداخل ويدعم انتهاك حقوق الإنسان في الخارج.
كما ندعو كلّ الأصوات الحرّة لتكثيف جهودها بغية تسليط الضّوء على جرائم هذا النّظام الذي وصل به التّمادي أن قطّع أوصال مواطن سعوديّ بمنشار ملكيّ داخل قنصليّة بلاده.
إنّا وإذ ندقّ ناقوس الخطر، فإنّنا ندعو الجميع وخاصة الدول التي تتشدق باستماتتها في الدفاع عن حقوق الإنسان إلى مراجعة علاقاتهم مع الرياض، وتسليط أشدّ العقوبات على السّلطات السعودية بهدف مراجعة منظومتها القضائيّة المسيّسة وسياساتها المدمّرة وقرارات الخزي والعار التي تحترف اِتخاذها.
اقرأ أيضًا: نيوم .. مشروع الفتى الواهم للمستثمرين الحالمين






