الإنفاق في مانهاتن… والفقر في الداخل: صندوق الاستثمارات السعودي يبيع المستقبل لشراء النفوذ في الخارج

الإنفاق في مانهاتن… والفقر في الداخل: صندوق الاستثمارات السعودي يبيع المستقبل لشراء النفوذ في الخارج

حين تُهدر مئات الملايين من الدولارات في ناطحات سحاب على الجانب الآخر من العالم، بينما يعاني المواطن من ارتفاع الأسعار، وغياب فرص العمل، وتقلّص دخل الأسرة، فإن السؤال لم يعد فقط عن أولوية الإنفاق، بل عن منطق وجود الدولة ذاتها. صندوق الاستثمارات العامة، أداة محمد بن سلمان المالية الضخمة، لم يعد صندوقًا سياديًا بقدر ما أصبح وسيلة لشراء النفوذ الدولي وتلميع صورة النظام على حساب لقمة المواطن.

في الوقت الذي يعاني فيه الداخل من شح الموارد وغلاء المعيشة وتدهور التعليم والصحة، يسارع النظام إلى استثمار 200 مليون دولار – مبدئيًا – في ناطحة سحاب بمانهاتن، بارتفاع 365 مترًا، في مشروع ليس له أي جدوى اقتصادية ملموسة للمواطن السعودي.

الاستثمار بالخارج.. والهروب من الداخل

بحسب تقرير وول ستريت جورنال، استحوذ صندوق الاستثمارات العامة على ثلثي الموقع المخصص لبناء ناطحة سحاب في نيويورك، بالتعاون مع شركة “Related Cos” الأمريكية. هذه الصفقة ليست الأولى من نوعها، لكنها واحدة من سلسلة استثمارات خارجية ضخمة يستخدمها النظام لشراء الشرعية الدولية، والتودد للشركات الغربية، وبناء نفوذ ناعم يعوّض عما فقده في الداخل من ثقة ومصداقية.

لكن ما الذي يستفيده المواطن السعودي من ناطحة سحاب في مانهاتن؟ كيف يعود عليه استثمار بمئات الملايين، بينما مشاريع البنية التحتية تتعثر، والفقر يتفاقم في المناطق الطرفية، والبطالة بين الشباب في أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقد؟

الجواب واضح: لا شيء.

رؤية 2030.. تصدّر للخارج وتهميش للداخل

منذ إعلان “رؤية 2030″، يروّج النظام السعودي لنفسه كمستثمر عالمي طموح. لكن الواقع أن هذه الرؤية تحوّلت إلى خطة لتبديد الثروة العامة في مغامرات مالية خارجية، بلا شفافية، وبلا رقابة، بينما المواطن يُطلب منه التقشف، ودفع الضرائب، وتحمل رفع الدعم عن الخدمات الأساسية.

صندوق الاستثمارات العامة، الذي أنشئ أساسًا لحماية ثروة الأجيال القادمة، أصبح اليوم أداة بن سلمان لتمويل مشاريعه الشخصية، من نيوم الخيالية، إلى صندوق ليف غولف الرياضي، وصولًا إلى ناطحات سحاب نيويورك.

بالمقابل، يعاني المواطن من ارتفاع رسوم الكهرباء والماء، وإلغاء بدلات المعيشة، وفرض ضرائب لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.

أي عدالة اقتصادية تتيح هذا الانفصام؟

أرقام تكشف الفضيحة

🔺 أكثر من 180 مليار دولار تم ضخها في استثمارات خارجية خلال السنوات القليلة الماضية

🔺 مئات الملايين أنفقت على شراء نوادي رياضية، وصفقات ترفيه، وإعلانات دولية

🔺 في المقابل، تضاعف الدين العام السعودي إلى أكثر من 1 تريليون ريال، أي نحو 265 مليار دولار

🔺 ارتفاع العجز المالي سنويًا رغم ارتفاع أسعار النفط

🔺 تباطؤ النمو غير النفطي، وزيادة الاعتماد على الاستدانة الخارجية

هذه الأرقام لا تعكس اقتصادًا صحيًا أو مستدامًا، بل سياسات مالية غير مسؤولة يُدار بها البلد كمزرعة خاصة، لا يعرف أصحابها إلا طريق التفاخر الاستعراضي، بينما المواطن يُطالب بالصبر على الوعود.

شركات أمريكية.. أول المستفيدين

من المفارقات أن الشريك الرئيسي في مشروع ناطحة السحاب بنيويورك، شركة “Related Cos”، معروفة بأنها أحد أكبر المطورين العقاريين الأمريكيين، ولها علاقات وثيقة بمراكز صنع القرار المالي في الولايات المتحدة.

النظام السعودي لا يستثمر لأجل العائد، بل لأجل شراء النفوذ والرضا السياسي من واشنطن، على حساب مصلحة الداخل.

وهذه ليست أول مرة. سبق أن استثمر صندوق الاستثمارات في شركات مثل أوبر، لوسيد موتورز، بلاكستون، وديزني، دون أن تعود هذه الاستثمارات بأي مردود حقيقي على المجتمع السعودي. بل إن بعضها سجل خسائر ضخمة، أو بيعت بخسارة، أو جُمّدت دون نتائج.

الشعب يئن.. والنظام يستعرض

منطقة نجران بلا مستشفيات متطورة، جازان تعاني من فقر مزمن، والبطالة في تبوك، المنطقة التي تستضيف “نيوم”، في مستويات قياسية. لكن بدلاً من توجيه الأموال لحل هذه الأزمات، تُضخ المليارات في مانهاتن.

أي عقل اقتصادي يعتبر أن بناء ناطحة سحاب في نيويورك أكثر أولوية من بناء شبكة مواصلات داخلية تخدم المناطق النائية؟

أي نظام يفضّل تمويل مطورين أمريكيين، بدلًا من دعم مشاريع إسكان مستدامة للمواطنين الذين لا يستطيعون تحمل القروض العقارية؟

الجواب بسيط: نظام بن سلمان لا يدير اقتصادًا.. بل يشتري صورة.

انعدام الشفافية والمحاسبة

صندوق الاستثمارات العامة لا يخضع لأي رقابة برلمانية أو قضائية، ولا يُنشر أي تفصيل شفاف عن عوائد استثماراته، أو خسائره، أو رواتب إدارته.

هو صندوق يُدار في الظل، في خدمة طموحات رجل واحد، بينما الشعب محروم من حقه في معرفة أين تُصرف أموال دولته.

ورغم تحذيرات خبراء الاقتصاد – المحليين والدوليين – من خطر الاعتماد المفرط على الاستثمارات الخارجية، ومن غياب التوازن بين الإنفاق الداخلي والخارجي، لا أحد في الداخل يجرؤ على المساءلة.

كل من ينتقد مصير الصندوق يُصنف كمغرض، أو خائن، أو يُحذف صوته كما حُذفت التقارير عن ديون الصندوق من الصحف الرسمية.

تسويق الفشل لا يصنع النجاح

في النهاية، بناء ناطحة سحاب في مانهاتن لا يحل أزمة البطالة في مكة، ولا يُطعم الأسر التي تعيش تحت خط الفقر في حائل، ولا يوقف الانهيار التعليمي في المدينة المنورة.

هو مجرد “إعلان فاخر” جديد، يشتري به النظام السعودي صفحات الإعجاب في وول ستريت جورنال، لكنه لا يشتري شيئًا من ثقة الناس.

المواطنون لا يريدون ناطحات سحاب في نيويورك، بل فرص عمل كريمة، تعليم مجاني محترم، نظام صحي عادل، وخبز على المائدة دون قروض.

أما الصندوق، فبدلاً من أن يكون “استثمارًا للمستقبل”، أصبح آلة لتبييض صورة نظام يغرق في القمع والديون.

حين تُصرف الملايين هناك.. ويُطلب من الناس الصبر هنا

الإنفاق المليوني على ناطحة سحاب في نيويورك ليس مجرد استثمار خارجي… بل صفعة في وجه المواطن الذي يُطلب منه التقشف بينما تُباع ثروته للغرب.

صندوق الاستثمارات لم يعد يمثّل الشعب، بل يمثّل طموحات رجل واحد يشتري مستقبله السياسي بمال الوطن.

والمعادلة واضحة:

كل دولار يُستثمر في الخارج، يقابله صمت داخلي عن الفشل، وازدراء لحاجات الناس.

هل بقي شيء لم يُبع؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية