حين يُختصر الحكم في شخص واحد مهووس بألعاب الفيديو، مهووس بالتحكم في كل صغيرة وكبيرة، وتُدار دولة بأكملها بمنطق “إذا لم تبرز، فكأنك لم توجد”، فإن الكارثة ليست مجرد احتمال بل واقع نعيشه. محمد بن سلمان، الذي تصفه الصحفية كارين إليوت هاوس بأنه “مصلح قاسٍ”، ليس سوى حاكم متسلّط يسعى لفرض رؤيته القاصرة على مجتمع بأكمله عبر مشاريع وهمية، وتغييرات سطحية، بينما تُقمع الحريات، ويُكمم الأفواه، وتُهدر المليارات في مغامرات لا طائل منها.
بين “فاينل فانتسي” والواقع المرير
من المدهش – والمقلق – أن تقارير جدية مثل تقرير نيويورك بوست تستند إلى مقابلات مع ولي العهد السعودي لتكشف أن لعبته المفضلة هي “فاينل فانتسي 16″، وأنه يمارسها صباح كل يوم رغم مسؤولياته السياسية. في بلد تتزايد فيه معدلات البطالة، ويتصاعد فيه قمع الحريات، ينشغل الحاكم بألعاب فيديو، فيما يُترك الشعب لمواجهة واقع اقتصادي منهك، وفجوات اجتماعية عميقة، وأزمة سياسية مستمرة.
إصلاحات بوجه دعائي وقلب قمعي
الحديث عن “إصلاحات” يقوده النظام السعودي، وعلى رأسه محمد بن سلمان، لا يتعدى كونه إعادة طلاء لواجهة قمعية. تسمح النساء بالخروج دون محرم، لكن تُسجن الناشطات اللاتي طالبن بهذا الحق. تُعرض الأفلام في دور السينما، لكن يُمنع عرض الحقيقة في الصحف أو وسائل الإعلام. تُرفع الأغاني في الحفلات، بينما تُقمع الأصوات الحرة في السجون. هي إصلاحات للاستهلاك الإعلامي، تخدم العلاقات العامة، وتُستخدم كشماعة لتلميع صورة النظام أمام الغرب لا أكثر.
رؤية 2030.. حلم فاقد للواقعية
رؤية محمد بن سلمان الطموحة التي يروج لها، والتي تتحدث عنها هاوس بإعجاب مثير للدهشة، لا تقوم على أسس اقتصادية حقيقية. مشروع “نيوم” الذي يعد من أبرز رموز الرؤية، ليس سوى مدينة خيالية تقوم على أفكار أقرب لأفلام الخيال العلمي: قمر صناعي يضيء السماء؟ شواطئ تتوهج في الظلام؟ كل ذلك فيما تكافح المملكة لتمويل مشروعاتها، وتضطر للاستدانة لتغطية العجز المتزايد في الميزانية.
التضليل الإعلامي.. وتواطؤ الصحافة الغربية
من المثير للريبة أن تتبنى صحفية مثل كارين هاوس هذا الخط الإعجابي في تناول شخصية محمد بن سلمان. فهي تسلط الضوء على تفاصيل سطحية مثل ملاحظته لعباءتها، وتُظهره كشخص “متفتح” رغم تورطه المعروف في قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي. هل يمكن لصحفية تدّعي المهنية أن تغض الطرف عن واحدة من أبشع الجرائم السياسية في القرن؟ أم أن الأمر يعكس تواطؤًا إعلاميًا متكررًا يغض البصر عن قمع الأنظمة الديكتاتورية حين تخدم مصالح الغرب؟
الهوس بالتحكم.. لا إصلاح حقيقي
تقول هاوس إن “لا شيء يبدو صغيرًا بما يكفي ليغيب عن انتباه” بن سلمان. وهذا لا يعكس حرصًا إداريًا، بل هوسًا استبداديًا بالسيطرة. من السياسات إلى الترفيه، كل شيء يجب أن يمر من تحت عينيه. هذا النوع من الحُكم الفردي لا يفرز إلا الكوارث، لأن الخطأ حين يصدر من رأس الهرم لا يمكن تصحيحه، بل يُفرض كسياسة دولة.
ماذا عن الشعب؟
يُقال إن الشباب يؤيدونه. لكن في ظل غياب حرية التعبير، ووجود قانون جرائم إلكترونية يُجرم حتى التغريدات الساخرة، لا يمكن اعتبار هذا “تأييدًا شعبيًا” بل هو صمت الخوف. وهل يعقل أن “يدعم الشعب” من يسجن أبناءه، ويدفعهم للهجرة، ويبدد ثرواتهم في مشاريع فاشلة؟
ديكتاتورية محدثة تلبس عباءة الحداثة
ما يفعله محمد بن سلمان ليس إصلاحًا، بل تلميع استبداد وتحديث القمع. هو يخلع عباءة رجال الدين، ليرتدي عباءة المستثمر العصري، لكنه يُبقي على جوهر الحكم ذاته: صوت واحد، سلطة مطلقة، لا محاسبة ولا معارضة. الفرق الوحيد أن السجن صار أكثر أناقة، والقمع أكثر ذكاءً.
محمد بن سلمان ليس مصلحًا كما يروج الإعلام الغربي، بل حاكم فردي يقود بلاده إلى الهاوية تحت غطاء الخيال العلمي وألعاب الفيديو. يخلط بين الحكم والمرح، وبين التطوير والتدمير، وبين الدولة والشركة الخاصة. ومهما حاول شراء الصمت الدولي وتزييف الصورة، فالحقيقة تبقى واضحة: قائد مهووس بالسلطة، فشل في الإصلاح، ونجح فقط في تحويل المملكة إلى سجن كبير مطلي بأضواء “نيوم”.






