اقتصاد “الأندية الرياضية”: بطولات وهمية تمولها وعود لا تستند لقاعدة فعلية

اقتصاد “الأندية الرياضية”: بطولات وهمية تمولها وعود لا تستند لقاعدة فعلية

كشف اكتتاب الأفراد في شركة “الأندية للرياضة” (بودي ماسترز) عن مدى تداول هائل غير مبرر في السهم، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدية السوق السعودي. إذ بلغت طلبات المستثمرين الأفراد حوالي 248 مليون ريال على 6.86 مليون سهم مطروحة بسعر 7.5 ريال للسهم، ما أدى إلى تغطية بلغت *533.6%*  . هذه الأرقام تبدو علامة على إقبال شعبي كبير، لكن تحليل السوق بعمق يكشف أن الأزمة تكمن في عوامل عرض الطلبات، والظروف المحيطة بالاقتصاد السعودي، وغياب سياسات تحريرية.

تسييس الاكتتاب وتجميد السوق المحلي

العرض الضخم لرؤوس الأموال الفردية يعكس حجم الضخ الإعلامي والمالي الذي تصاحبه هذه الاكتتابات. في سوق تغلب عليه المشاريع الحكومية وصناديق الدولة، يصبح من الصعب على المستثمر الصغير تحليل قيمة الأصول الحقيقية. تقييم السهم كان مدفوعًا أساسًا بتوقعات توسع “استعراضي” بدعم من صندوق الاستثمارات العامة، لا بعائدات مؤكدة من قطاع الصحة واللياقة الذي لم يشهد بعد نضجًا وظيفيًا مستقلًا  .

عندما يصل الإقبال على الاكتتاب إلى أكثر من خمسة أضعاف الطرح، فإن ذلك يعكس رغبة جماعية في الاستفادة من مشاريع الدعم الحكومي، أكثر منه ثقة بقدرة الشركة على الدفع الفعلي لعوائد مستدامة. هاجس المستثمرين لم يكن في المردود المالي الحقيقي، بل في الرغبة في الظهور كشريك في نهضة رسمية تهيمن على السوق.

احتكار صندوق الدولة وخنق المنافسة

اكتتاب الأفراد الذي خضع لقيود تخصيص صارمة – عشرة أسهم كحد أدنى، ثم توزيعات نسبية بمعدل تخصيص 12.5% للمكتتبين   – يكشف عن هيمنة هيكلية: مشاريع يتولاها صندوق الدولة مقابل عروض دعائية. هذه الديناميكية تقوض قدرة الشركات الخاصة على التنافس، خاصة عندما تصطف المؤسسات والأسواق خلف خطط صندوق الاستثمارات العامة على حساب تطوير اقتصاد حقيقي بازار، وجهاز مصرفي، وسوق رأسمالي مستقل.

الرسالة بوضوح: لا مجال لمنافسة حقيقية عندما تستند المشاريع إلى ضوء أخضر من الدولة ممثلة في الصندوق، وإلى دعم تسويقي غير مسبوق. الرابح الأول إذًا هو الدولة، والخاسر هو السوق المحلي.

اعتماد المفتوح على النفط وتحويل الرياضي إلى سوق مصرفي

“الأندية للرياضة” جزء من مشروع نيوم البديهيّ ذاته، مبني على ضخ نفطي يمول تحولات “استعراضية” لا تحفز تنمية مستدامة. اعتماد مشاريع البنية التحتية، والسياحة، والرياضة على النفط خلق اقتصادًا هشًا: عند هبوط أسعار النفط، كما حدث سابقًا، ينهار هذا النمو الافتراضي، وتتبدّد مكاسب “الشهرة الاقتصادية” أمام واقع سوق متآكل.

كما أن الاقتصاد السعودي لطالما افتقر إلى محركات داخلية حقيقية؛ فالقطاع الخاص غير قادر على بناء شبكات محلية متماسكة، والقطاع العام يمتلك اليد الطولى. ما يفرض تساؤلًا مهمًا حول جدوى تأميم الفنانات الرياضية ووضعهن في بورصة قبضتها الدولة: هل ستولد عائداً حقيقيًا على المواطن، أم أنها مجرد مزاد مهما كانت النتيجة؟

انعكاسات الكفاءة البشرية: ضعف التدريب والتأهيل

بينما ينخرط السوق في حملات لاكتتاب جماهي، يشكو الواقع من نقص المدربين والكوادر المحلية المؤهلة، واعتماد شبه كامل على العمالة الأجنبية  . التمويل الجماهيري لا يبدو كافيًا إذا لم يصاحبه تطوير فعلي في جودة الخدمات، وحلول فعلية للبنى التحتية لعالم الصحة واللياقة. الاكتتاب، بمغازلته الجماهيرية، والتغطية الدعائية، يغطي عقد نقص كفاءات تبدو مشرّعة للهيمنة الأجنبية على سوق لا يملك مقوماته البشرية بعد.

جباية استعراضية على أكتاف المواطنين

الدعم الشعبي الطوعي عبر الاكتتاب بحجم غير مسبوق يشبه الجباية الجماعية لخدمة مشاريع الدولة، من تمويل حفل رونالدو إلى بناء الأندية. والمخيف أن المواطنين الذين يصطفّون في هذه الطوابير يظنون أنهم يشترون حصة من مستقبلهم الاقتصادي، لكن الواقع أنهم يُموّلون مشروعات قد لا تفتح يوما فرصة توظيفية لهم، وليس تحصيلًا لعائد مستدام بقدر ما هو عملة رمزية في بورصة الرؤية الأجمل فقط.

نحو فقاعة مالية جديدة؟

يشهد السوق السعودي حركة نشطة في الاكتتابات، بوجود ستة عروض هذا العام وحده حتى منتصف يوليو  . هذا النشاط، رغم أن بعضه يعكس انتعاشًا تحصل عليه البورصة الخليجية من بوابة ضخ دولاري، إلا أنه ينذر أيضًا بظهور فقاعة. فحينما يصبح اكتساب الأسهم مبنيًا على الدعاية الحكومية، وليس على تحليل السوق والملاءة التشغيلية للشركة، تكتمل عوامل الدمار.

الإنهيار قد يأتي بسرعة عند أول تعديل لأسعار النفط، أو أول تعديل في السياسات الاقتصادية. حينها يبدأ التراجع في قيمة الأسهم، ويخسر نفس المستثمرون الذين دفعوا بحماس الفصول الماضية.

اكتتاب الشعب لدعم أحلام الدولة: اقتصاد يُباع برؤية مزيفة

صدّاع الاكتتاب الجماعي ليس دليلًا على نجاح، بل إشعار خطر لاقتصاد لا يزال يتحكم فيه صندوق الدولة وبالدوائر الحكومية، وليس بالسوق الحر والمنافسة.

الغلبة ليست لمن يملك المال فحسب، بل لمن يحوله إلى سلعة وحصة في مشروعات بدون جدوى اقتصادية حقيقية. والمواطن، الذي طور حماس الاكتتاب، يجد نفسه يدفع من جيبه تأمينًا ممتدًّا لصندوق الدولة، في حين تُخنق السوق المستقل، ويُستنزف اقتصاد الوطن لتمويل عروض سياسية ورياضية لا تعود عليه بشيء حقيقي سوى الكُلفة والمقامرة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية