سرد جميل تقدّمه القيادة السعودية للإصلاح المناخي والاقتصادي، لكن خلف ديكور صفقات الطاقة النظيفة بقيمة 8.3 مليار دولار، تقع قضايا أعمق تُظهر هشاشة رؤية 2030. التطبيل الإعلامي لم يتوقف طوال اليوم، بينما الواقع يعكس اعتمادًا لا يزال خرجًا عن إدارة النفط، وسيطرة صندوق الاستثمارات العامة، وضعفًا في جذب استثمارات عالمية حقيقية.
صفقة الطاقة النظيفة تبدو كابتسامة مزيفة في وجه اقتصاد يواجه عدة تحديات: تراجع أرباح الصندوق بنسبة 60%، صعوبات جذب رؤوس أموال حقيقية، اقتصاد ريعي يفتقر لقاعدة صناعية وكوادر مدربة. لنحلل الأمر وفق المعايير:
1. مشروع الطاقة “النظيف”… لكن التمويل أخضر النفطي
إعلان رويترز عن توقيع السعودية صفقات طاقة متجددة بقيمة 8.3 مليار دولار يشكل أكبر دفعة لمشاريع شمس ورياح بطاقة 15 جيغاواط .
لكن ما لا يُقال هو أن هذه الاستثمارات مدفوعة بالكامل من صندوق الاستثمارات العامة، ذاته الذي صار ذراعًا احتكاريًا للإنفاق الطائفي والرياضي والإنشائي، ولا يُظهر أي أثر لتنويع فعلي.
التمويل يعتمد على نفس الذهب الأسود، رغم كل التصريحات بأنه “نحو اقتصاد ما بعد النفط”.
2. صندوق الدولة يهيمن على السوق بدل القطاع الخاص
وفق NREP، تهدف السعودية إلى توليد 130 جيغاواط من الطاقة المتجددة بحلول 2030 ، والصندوق يُضخّ الأموال عبر شركات مثل ACWA Power, Badeel وAramco Power، مع إشراف وزارة الطاقة برئاسة الأمير عبدالعزيز .
لكن الواقع يقول إن القطاع العام يقتحم كل مجال نظيف أم لا، بينما الخاص يكتفي بالدور الثانوي إذا سمح له أحد. اقتصاد يدار من أعلى لا يستطيع النمو المستقل.
3. نقص الكفاءات… وغياب جيش تدريبي وطني
حتى وان فتحت الأبواب للشركات الغربية أو الصينية، يبقى العائق الأكبر هو سوق عمل ضعيف بنية وكوادر. لا يوجد عمالة وطنية مؤهلة تقوم بتشغيل هذا الكم من المحطات. الفرصة تتجه لكفاءات أجنبية، وتبقى السعودية دون “رأس مال بشري” قادر على الاستمرارية أو الابتكار.
التنمية الحقيقية لا تُبنى برؤية وظيفية فقط، بل تحتاج طاقات مدربة داخليًا: لا استثمار نظيف بدون إنسان نظيف.
4. الاعتماد الاستراتيجي… لكن على من؟
كما أشار FT، الصين أصبحت أكبر مستثمر في “التكنولوجيا الخضراء” داخل السعودية .
هذا النموذج الياباني–الصيني للتحول الاقتصادي يوحي بأن السعودية لا تملك شريكًا، بل تعتمد على بقية العالم لملء فراغها الاقتصادي.
هل هذا اقتصاد وطني؟ أم اقتصاد توظيفي تُدفع فيه الأموال الأجنبية وتُسحب الأرباح إلى الخارج؟
5. جملة الأرقام… حقائق مُخزية
8.3 مليار دولار في صفقات اليوم، لكنها مرتبطة بتدفقات نفطية متذبذبة.
صندوق invest تواجه خسارة 60% في الأرباح .
15 جيغاواط جديدة، بينما 55 جيغاواط سابقًا لا تزال تعتمد على الغاز والنفط .
هدف طموح: 130 جيغاواط بحلول 2030، لكن حتى الآن قوة عاملة وأداء جامدة.
هذه الإحصائيات توضح أن التحول يدار بعقلية المشاريع الكبرى لا بالواقع الاقتصادي المنكسر خلف الأرقام.
6. فقاعة “الإصلاح الأخضر”: تسويق ممنهج
يبدو أن الخطوة نقلت السعودية من “منطقة النفط” إلى “منطقة الغرين ووش”، لكن الحقائق تشير إلى أن العرض الإعلامي أكبر من الواقع في الأرض. المشاريع العملاقة تُروّج لكي تصبح “وحدات تسويق” في منتديات عالمية، أكثر من كونها إنتاجًا للطاقة أو للشركات الوطنية.
من يربح فعليًا؟ أرامكو، الصندوق، شركات المقاولات. أما المواطن؟ ضغط كهربائي أقل؟ وظائف لم تُخلق؟ لا شيء ملموس.
7. السور الإعلامي الخلفي: مَنْ الذي يستفيد؟
هذه الصفقات الدولية تُستخدم لإظهار السعودية كشريك نظيف في حركة الطاقة العالمية. لكنها تصرفات مخصصة للإعلان والتخريط للتوزيع المحلي: صندوق الدولة يهيمن ويقيد القطاع الخاص، ويروج “نجاحه” في كل مؤتمر دولي.
في الداخل، يطالب الناس بـ “تقنين استهلاك الطاقة”، لكن ريع النفط يُصرف خارج الحدود كدعاية لاستثمارات من دون بنى تحتية وطنية مستحقة.
“الطاقة النظيفة… لكن بتمويل نفطي، وغياب استدامة وطنية”
أي استثمارٍ رياضي أو بيئي آخر يُصوّر بمظهر “نجاح” لا يمكن أن يُروّج على أنه “إنجاز اقتصادي” طالما أن:
1. التمويل يأتي من النفط
2. القطاع الخاص يُقصى
3. لا توجد كفاءات وطنية كافية
4. يعتمد النظام على سرد إعلامي أكثر من أداء ميداني
صفقات اليوم تكرّس استمرار الاقتصاد الريعي، وليست تحولًا. هي ضريبة يدفعها المواطن مقابل مشاهد مؤتمرات ودعاية عالمية، بينما حقيقة الاقتصاد تستمر في الانهيار خلف الستار.






