صناعة الوهم: السياحة والأمن السيبراني تحت مجهر الدعاية السعودية

صناعة الوهم: السياحة والأمن السيبراني تحت مجهر الدعاية السعودية

حملة العلاقات العامة التي يقودها محمد بن سلمان منذ إطلاق رؤية 2030 لم تتوقف عند الترويج لمشاريع عملاقة كـ”ذا لاين” أو “نيوم”، بل امتدت إلى استغلال كل مؤشر وتصنيف دولي لتضخيم الإنجازات واختراع “صدارات” زائفة، رغم هشاشة الواقع الاقتصادي والاجتماعي السعودي. مؤشرات السياحة والأمن السيبراني تكشف بوضوح كيف يتم توظيف الأرقام لصناعة وهم الريادة، في وقت يتآكل فيه الاقتصاد الوطني وتزداد الأزمات المالية والاجتماعية حدة.

السياحة: أرقام متواضعة خلف دعايات كبرى

وفق تقرير منظمة الأمم المتحدة للسياحة، لم تأت السعودية ضمن الدول العشر الأولى عالميًا من حيث تحسن إيرادات السياحة الدولية خلال الربع الأول من 2025 مقارنة بنفس الفترة من 2024، بل جاءت في المرتبة الثانية عشرة بنمو بلغ 14% فقط. هذه نتيجة متواضعة جدًا إذا ما قورنت بميزانيات الإنفاق الضخمة المخصصة لما يسمى “فتح البلاد للسياحة”، لكنها قُدمت في الإعلام السعودي كعلامة على تقدم غير مسبوق.

الحكومة لجأت إلى مقارنة السعودية بمستوى عام 2019، العام الذي شهد بداية السماح بالسياحة غير الدينية. طبيعي إذن أن يظهر التحسن كبيرًا مقارنة بخط أساس قريب جدًا وحديث، بينما دول أخرى حول العالم تسجل الآن معدلات نمو أعلى في إيرادات السياحة نتيجة تعافي ما بعد جائحة كورونا.

هذا النمو الضعيف يعكس قصورًا واضحًا: السياحة السعودية لا تزال تعتمد بالكامل على الإنفاق الحكومي ودعاية السلطة، دون أن تنجح في خلق قطاع متكامل يحقق استدامة اقتصادية أو ينمو بفعل جاذبيته الذاتية أو كفاءته التشغيلية.

غياب البنية المؤسسية واستمرار الاعتماد على العمالة الأجنبية

حتى مع هذه الأرقام المتواضعة، تعاني مشاريع السياحة من غياب الكوادر الوطنية المؤهلة، ما يفرض على المملكة الاعتماد شبه الكامل على العمالة الأجنبية لإدارة الفنادق والأنشطة الترفيهية والخدمات السياحية. هذه الحقيقة تغيب تمامًا عن الخطاب الرسمي الذي يحتفي بـ”نجاح” رؤية 2030 في دعم قطاع السياحة، لكنها تفضح عجز الدولة عن تطوير رأس مالها البشري بما يتناسب مع طموحاتها المعلنة.

الأمن السيبراني: صدارة شكلية بلا مضمون حقيقي

الملف الآخر الذي وظفته الدعاية السعودية هو تصنيف المملكة كدولة “رائدة” في مؤشر الأمن السيبراني العالمي 2024، بعدما حصلت على أعلى مرتبة تقييم T1 (Role-Modelling). الخبر قُدم كإنجاز استثنائي يضع السعودية في “صدارة العالم”، لكن الحقيقة أن أكثر من 40 دولة أخرى حصلت على التصنيف نفسه، بينها دول لا تملك اقتصادًا بحجم السعودية، ما يفرغ “الصدارة” من معناها التنافسي.

الأخطر أن هذا التصنيف يعتمد بدرجة كبيرة على مدى توافق السياسات الحكومية مع المعايير النظرية التي يضعها الاتحاد الدولي للاتصالات، ولا يعكس فعليًا مستوى أمان البنية التحتية الرقمية في مواجهة الهجمات السيبرانية.

واقع مغاير تمامًا خلف التصنيف

رغم هذا التصنيف، البنية التحتية الرقمية في السعودية تعتمد بشكل واسع على شركات أجنبية لإدارة وتشغيل أنظمتها. معظم مراكز البيانات الكبرى والمشاريع الرقمية الضخمة يجري تشغيلها من قبل مقاولين وشركات عالمية، بينما تعاني السعودية من نقص مزمن في الكفاءات التقنية الوطنية القادرة على الإشراف والإدارة.

حتى المؤشرات الأمنية الداخلية لا تعكس هذا “التقدم”: المملكة سجلت خلال الأعوام الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في الهجمات السيبرانية التي طالت قطاعات حكومية وحيوية. هذه الهجمات كشفت هشاشة البيئة الرقمية رغم كل الادعاءات الرسمية.

نهج قائم على شراء المراكز لا بنائها

السعودية لا تكتفي بتوظيف هذه التصنيفات لتزيين صورة النظام، بل تتعامل مع أي مؤشر عالمي باعتباره سلعة يمكن شراؤها بالدعاية والتمويل، دون أن تبني مؤسسات مستقلة أو تطور كفاءات محلية تعكس أي تميز حقيقي. هذه “الصدارة الشكلية” تنسجم تمامًا مع فلسفة رؤية 2030: التركيز على الشكل والواجهة، وتجاهل جوهر التنمية المستدامة.

وهم الصدارة وسقوط التنمية الشكلية

صناعة الوهم في ملفي السياحة والأمن السيبراني مثال واضح على كيف يتحرك النظام السعودي اليوم:

  • دعاية مكثفة
  • احتفاء بمؤشرات سطحية
  • غياب تام للتحليل النقدي
  • تجاهل للحقائق الاقتصادية والاجتماعية العميقة

السعودية لم تتحول إلى وجهة سياحية عالمية بعد، ولا هي رائدة حقيقية في مجال الأمن السيبراني، بل دولة ما زالت تعتمد على النفط لتمويل كل شيء، وتحاول تعويض غياب الكفاءات والمؤسسات بشراء الجوائز وشراء المراكز في المؤشرات الدولية.

هذه السياسة التي تقوم على تلميع الصورة بدل بناء المحتوى ستؤدي حتمًا إلى انهيار وهمي آخر، لأن العالم والمستثمرين يدركون بسرعة أن الصدارة الحقيقية لا تتحقق بالإنفاق الإعلامي بل بالعمل الجاد والمتكامل على كل المستويات.

الحقيقة المؤلمة أن رؤية 2030 تتحول إلى مجرد حملة دعائية طويلة المدى، تغطي على أزمة حقيقية: اقتصاد هش، سوق غير تنافسي، مجتمع يعاني من غياب العدالة والفرص، وسلطة تفضل تسويق الوهم على مواجهة الحقائق الصعبة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية