مشروع جديد يكشف حجم تورط النظام السعودي في إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية لصالح “إسرائيل” وتكريس التبعية الاقتصادية للغرب تحت ستار “التحول الأخضر”. الإعلان عن توقيع شركة أكوا باور، المدعومة مباشرة من صندوق الاستثمارات العامة الذي يترأسه محمد بن سلمان، اتفاقيات لدراسة إنشاء خطوط طاقة عابرة للقارات، لا يمثل فقط مشروعًا اقتصاديًا، بل خطوة أخرى في مشروع أوسع: دمج السعودية في منظومة اقتصادية شرق أوسطية ترتبط مباشرة بـ”إسرائيل” وتخدم أجندات جيوسياسية لا علاقة لها بمصالح الشعب السعودي.
التطبيع الاقتصادي تحت عباءة الهيدروجين الأخضر
رغم محاولة تسويق الاتفاقيات على أنها “استثمار مستقبلي في الطاقة النظيفة”، فإن جوهر المشروع الحقيقي يكشف نفسه بوضوح بمجرد ربطه بـ”الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا”، الذي أُعلن عنه في قمة G20 عام 2023، وكان حجر الزاوية فيه هو دمج البنية التحتية بين السعودية و”إسرائيل” كممر إجباري نحو أوروبا.
هذه ليست مجرد بنية تحتية، بل بناء اعتماد اقتصادي متبادل يجعل أي فك ارتباط مستقبلي مع إسرائيل مكلفًا للغاية سياسيًا وماليًا، ويمثل تمهيدًا عمليًا للتطبيع الكامل على الأرض قبل أي اتفاقيات سياسية علنية.
أكوا باور ذراع بن سلمان الاقتصادي
شركة أكوا باور ليست لاعبًا عاديًا، بل أداة من أدوات صندوق الاستثمارات العامة الذي يقوده محمد بن سلمان شخصيًا. المشروع الذي يتحدثون عنه الآن كمشروع “تصدير طاقة” يبدأ بخطوط كهرباء وهيدروجين أخضر، لكنه يعني عمليًا ربط البنية التحتية الاستراتيجية السعودية بالبنية الإسرائيلية بحيث تصبح الرياض وتل أبيب جزءًا من سلسلة اقتصادية واحدة تتجه غربًا نحو أوروبا.
هذه الاستراتيجية ليست مصادفة ولا مجرد قرار اقتصادي محايد، بل تعبير عن نهج كامل يقوم على التخلي عن مبدأ استقلال القرار الوطني وربط الاقتصاد السعودي ببنى اقتصادية يسيطر عليها الغرب وإسرائيل تحت ذريعة “التكامل الإقليمي”.
أوهام تصدير الطاقة النظيفة على حساب الداخل
النظام السعودي يواصل الترويج لهيدروجين أخضر يصدَّر إلى أوروبا، بينما يعيش قطاع الطاقة داخل السعودية حالة فوضى في الأسعار والرسوم، ويعاني المواطن من ارتفاع فواتير الكهرباء، وعدم كفاءة البنية التحتية للطاقة، والاعتماد المفرط على المحطات القديمة والمكلفة.
أموال ضخمة تُنفق لربط السعودية بأوروبا، بينما القطاعات المحلية تعاني من سوء إدارة وضعف استثمارات. هذا التناقض يفضح مرة أخرى أن مشاريع مثل هذه ليست مصممة لخدمة الشعب السعودي، وإنما لتقديم تنازلات استراتيجية مقابل الحصول على اعتراف سياسي أو رضا غربي، وعلى حساب الموارد والثروات الوطنية.
“الممر الاقتصادي”وهم كبير يخدم الاحتلال
مشروع الممر الاقتصادي المعلن عنه في قمة G20 قدم باعتباره “خطة طموحة لتحفيز التجارة بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا”، لكن الحقيقة أن جوهر هذا المشروع هو تأسيس محور اقتصادي إقليمي تكون فيه إسرائيل مركزًا لوجستيًا إجباريًا، بحيث تتحول أي تجارة سعودية مع أوروبا إلى فرصة لإثراء الكيان الصهيوني وتثبيته كدولة طبيعية في المنطقة.
مجرد قبول السعودية بهذا الدمج الاقتصادي، حتى من دون تطبيع سياسي رسمي، يعني عمليًا الاعتراف بإسرائيل كدولة حليفة وجزء من منظومة التجارة السعودية المستقبلية، ما يناقض كل شعارات النظام نفسه عن “دعم القضية الفلسطينية”، في وقت يرتكب فيه الاحتلال جرائم يومية ضد الفلسطينيين، بما فيها حرب إبادة مستمرة في غزة.
غياب أي رقابة شعبية أو مساءلة
مثل كل مشاريع رؤية 2030، جرى توقيع هذه الاتفاقيات وتوجيه المليارات نحوها من أموال صندوق الاستثمارات العامة من دون أي رقابة شعبية أو مساءلة برلمانية. لا أحد في الداخل السعودي يعرف الشروط الحقيقية لهذه الاتفاقيات أو الأطراف المستفيدة منها أو التزامات الدولة المستقبلية.
هذه السرية ليست عرضًا، بل سياسة ثابتة للنظام الذي يرى أن موارد الدولة ملك له ولحاشيته، وليس للشعب السعودي الذي لا يُستشار ولا يُحاسب أحد أمامه عن هذه القرارات الاستراتيجية.
“ممر أخضر”طريق آخر لبيع السيادة
مشروع تصدير الهيدروجين الأخضر وخطوط الكهرباء العابرة للقارات ليس مجرد خطة اقتصادية، بل جزء من هندسة جديدة للمنطقة تفرض على السعودية تكريس العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل عبر ربط البنية التحتية نفسها، بحيث يصبح الانفصال لاحقًا مستحيلًا أو مكلفًا جدًا.
النظام السعودي الذي يدّعي دعم فلسطين وحقوق شعبها يتورط اليوم بشكل مباشر في خطة جيوسياسية تهدف إلى تثبيت الاحتلال كدولة “طبيعية” عبر الاقتصاد، بعد أن فشل تطبيعه السياسي في إقناع شعوب المنطقة.
الحقيقة الصارخة أن أموال صندوق الاستثمارات العامة، الذي هو في النهاية مال الشعب السعودي، تُستخدم لتمويل مشاريع تخدم أجندات غربية وإسرائيلية، بينما الداخل السعودي يواجه أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، من بطالة متزايدة إلى تراجع جودة التعليم والصحة، وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق.
مشروع خط الكهرباء السعودي باتجاه أوروبا عبر إسرائيل ليس مشروع تنمية وطنية، بل نموذج إضافي على كيف أن رؤية 2030 تحولت إلى أداة لخدمة الأجندات الخارجية، وبيع السيادة الاقتصادية تحت عناوين براقة مثل “الهيدروجين الأخضر” و”الطاقة النظيفة” و”التكامل الإقليمي”.






