سبعة مصريين ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام في أي لحظة داخل سجون النظام السعودي. لا إنذار مسبق، لا موعد محدد، ولا فرصة أخيرة للنجاة. ينامون وهم لا يعرفون إن كانوا سيُعدمون في الصباح. ذووهم يعيشون في حالة هلع، كل يوم يحمل احتمال الفقد، وكل اتصال قد يكون النبأ الأخير.
لا شيء يبرر هذا المشهد الدموي سوى نظامٍ اعتاد على سحق الفقراء والوافدين في الخفاء، بينما يشتري الغلاف الإعلامي بالاستثمار الرياضي والدعاية الاقتصادية. الأحكام لا تُبنى على محاكمة نزيهة، بل على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب، وفق تقارير موثقة من منظمات حقوقية مثل “ريبريف”، وسط تجاهل تام للعدالة، وتواطؤ قضائي لا يخجل من إضفاء الشرعية على القمع.
نظام قضائي مختطف: حين تكون المحاكم امتدادًا لجهاز الأمن
المحكمة الجزائية في تبوك أصدرت حكمًا بإعدام الشاب عصام الشاذلي عام 2022، رغم أنه أكد أنه أُجبر تحت تهديد السلاح على ابتلاع عبوات تحتوي مخدرات دون علمه بمحتواها. تعرض الشاذلي للتعذيب لثلاثة أيام، حُرم من النوم، وأُجبر على التوقيع على اعترافات، وفق ما ورد في تسجيل صوتي أرسله لوالدته. ومع ذلك، تجاهلت المحكمة هذا كله، وأيّدت الحكم محكمة الاستئناف والمحكمة العليا، في نموذج صارخ لانعدام العدالة.
منظمة “ريبريف” أكدت أن الشاذلي كان ضحية للاتجار بالبشر، وهي الحقيقة التي رفضت المحاكم السعودية الاعتراف بها بشكل متعمد، في انتهاك صارخ للمعايير الدولية. وكمثل مأساوي متكرر، لم يُسمح له بمحامٍ، لا في التحقيق ولا في المحاكمة، وهي ممارسة مألوفة في نظام يقيم العدالة على قاعدة “اعترف أو تُعدم”.
العدالة السعودية ميزان مائل ضد الفقراء
النظام السعودي لا يطبق القانون، بل يستخدمه كأداة قمع وانتقام وانتقائية. من يملك المال والسلطة ينجو، ومن ينتمي إلى الطبقات المسحوقة يُدفن حيًا في غرف التحقيق.
بينما يُعدم عمال مصريون بسبب “حيازة” كميات ضئيلة من المخدرات، يحظى أفراد العائلة الحاكمة المتورطون في جرائم أخطر بالحصانة التامة. بل إن تقارير دولية وثقت تورط أمراء سعوديين في تهريب مخدرات على نطاق واسع، ولم يُحاسب أي منهم.
فأين العدالة إذن؟
عدالة النظام السعودي لا تُوزع، بل تُباع. لا تُطبق، بل تُستخدم للردع والتخويف وفرض الهيبة.
الرعب الصامت: الإعدام بدون إشعار
واحدة من أبشع ممارسات النظام هي تنفيذ الإعدامات بصمت، دون إشعار الأهل، أو منح المحكوم فرصة للوداع الأخير أو الاعتراض القانوني. تقول شقيقة أحد المعتقلين السبعة، رامي النجار، إن العائلات “لا تعرف شيئًا”، وأن الإعدام يتم في صباح مفاجئ، دون أي إنذار.
هذا الرعب لا يقتصر على من هم في الزنازين، بل يخترق البيوت في مصر، ويحوّل كل مكالمة هاتفية إلى احتمال لكارثة. الآباء والأمهات لا ينامون، الأشقاء يعيشون في فزع، والأمل يتآكل يومًا بعد يوم، وسط صمت رسمي مصري مهين، وعجز دبلوماسي مخزٍ.
من ضحية إلى مجرم: كيف يتجاهل النظام السعودي قضايا الاتجار بالبشر؟
حالة الشاذلي ليست استثناء، بل جزء من نمط ممنهج. الكثير من العمالة الأجنبية تقع ضحية لمافيا التهريب، ويُجبرون على تهريب أو حمل أشياء لا يعلمون محتواها. بدل أن يتعامل النظام مع هؤلاء كضحايا، يُحولهم إلى مجرمين، ثم يصدر ضدهم أحكامًا بالإعدام، لإظهار الحزم الزائف وتلميع صورته في ملف مكافحة المخدرات.
المفارقة أن هذا “الحزم” لا يُطبّق على شبكات التهريب الكبرى، ولا على من يُعتقد أنهم متورطون من داخل الأجهزة ذاتها. فقط الضعفاء يُساقون إلى المقصلة، دون أن يرف للنظام جفن.
أين الدولة المصرية؟ صمت يُشرعن الإعدام
النظام المصري، الشريك السياسي والاقتصادي الوثيق للرياض، لا يجرؤ حتى على المطالبة العلنية بوقف هذه الإعدامات. الخارجية المصرية تلتزم صمتًا فاضحًا، كأن حياة هؤلاء لا تهم، وكأن العدالة توقفت عند حدود صفقات النفط والمساعدات المشروطة.
هذا التخاذل لا يُفهم إلا كتواطؤ. الدولة التي تُفرّط بأبنائها لا تستحق احترامًا. السكوت الرسمي المصري يُعطي ضوءًا أخضر لمزيد من الانتهاكات، ويجعل من المصري العامل في الخليج مشروع ضحية قادمة.
الازدواجية القانونية: القتل باسم النظام والقانون
نظام بن سلمان يستخدم القانون كستار لارتكاب القتل السياسي والاجتماعي. محاكم تفتقر للشفافية، اعترافات تنتزع بالتعذيب، قضاة ينفذون التعليمات، وليسوا أمناء على العدالة.
في المحاكم السعودية، لا فرق بين تهمة حقيقية أو ملف مُفبرك. ما يهم هو الرسالة السياسية: النظام لا يرحم، ولا يسمع، ولا يُحاسب. هذا هو جوهر العدالة في السعودية: عدالة صورية، تنفذ الأوامر، وتغطي على الفساد، وتُنزل العقوبة على من لا صوت له.
السياق الأوسع: نظام يراهن على الدم لإثبات سلطته
محمد بن سلمان يدرك أن حكمه لا يقوم على شرعية حقيقية، لذلك يعتمد على ترويع المجتمع، وبناء سطوة أمنية داخلية تعتمد على الاعتقالات الجماعية، الإعدامات السياسية، والأحكام التعسفية.
إعدام عمال وافدين ليس فقط استعراض قوة، بل رسالة ترهيب موجهة للجميع: لا فرق بين مواطن ومقيم، الجميع تحت التهديد إن تجرأ أحدهم على خرق الخطوط الحمراء أو رفض الخضوع.
من يقتل الأبرياء لا يبني مستقبلًا
السعودية لا تنفذ إعدامات، بل ترتكب جرائم بحكم القانون.
نظام يرفض الاعتراف بالاتجار بالبشر، ويُنزل أقسى العقوبات بضحاياه، لا يمكن اعتباره دولة تحكم بالقانون، بل كيان بوليسي يخلط بين العدالة والانتقام.
ومن يقتل دون إشعار، ويعذب لانتزاع اعتراف، ويغلق الأبواب أمام المحامين، لا يسعى لتحقيق الأمن، بل لبناء سطوة قائمة على الدم والصمت.
الإعدام جريمة إذا خلت من العدالة. والنظام السعودي اليوم يُمارسها كأداة حكم، لا كجزء من منظومة قضائية.
وما لم يتحرك المجتمع الدولي، وتعلو الأصوات لوقف هذه الانتهاكات، سنشهد مزيدًا من الضحايا الأبرياء، الذين يُساقون إلى حتفهم بلا رحمة، وبلا صوت يدافع عنهم.






