محمد بن سلمان تربع على عرش السلطة بلا انتخابات، وحوّل المملكة إلى إمبراطورية بيده وحدها. كاتبة جرت عليها الصحف العالمية كارين إليوت هاوس وصفت بن سلمان بأنه “أوتوقراطي، وليس ديمقراطيًا”. وقد شدد القيود على شعبه، متبنيًا شعارًا ضمنيًا: “الصلحة الوطنية تتطلب الانتقاص من الحرية”. هي ليست صيحة صحفية فحسب، بل تلخيص لحقيقة بنية حكمه: يسجن ويحكم ويقمع من يجرؤ على الانتقاد.
تعزيز السلطة عبر إقصاء النخب
منشورات صحيفة ها آرتس نقلت تحليلات هاوس التي ربطت بين مساعي بن سلمان لفرض إصلاحات اجتماعية واقتصادية وبين إقصائه لكافة الأصوات المنافسة، حتى داخل البيت الملكي نفسه. الإطاحة بآل وُليد بن طلال وغيرهم خلال حملة “مكافحة الفساد” كانت ذريعة لإعادة توزيع الثروة وترسيخ سلطته، وليست مجرد تطهير من الفساد. كما وثّق عدد من المحللين كيف أن هذه الحملة شملت اعتقالات ممنهجة غير شفافة، واستيلاء على أصول وصلت قيمتها إلى مئات المليارات .
فضيحة خاشقجي واحدة، ورسائل القمع العديدة
لم تكن جريمة اغتيال جمال خاشقجي في إسطنبول انقلابًا فرديًا، بل جزء من عقلية النظام. مقالات مراكز دراسات مثل CFR وForeign Policy اعتبرت أن بن سلمان تحول إلى رمز للقمع المعاصر، وليس فقط مجرمًا. وصفوه بأنه أكثر من قاتل، بل “رمز للثمن الذي تدفعه الشعوب مقابل أمن الأنظمة” . تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية استنتج أن الأمر صدر بتوجيه منه، ولكن رغم ذلك لم يُفرض عليه أي عقوبات حقيقية، ما يعكس ازدواجية السياسة الدولية مع السلطة المطلقة .
مسرح بريق التحديث ومسرحُ القمع المقنع
كتبت كارين إليوت هاوس عن مشروع “رؤية 2030” باعتباره مشروع إصلاح طموح، ولكن تابعت أن الإصلاح السياسي غائب تماما. سياسة التحديث حُجزت داخل بوتقة الاقتصاد والتكنولوجيا، بينما تم سحق الأصوات المنتقدة والأصوات الشابة والصحفية، بمن فيهم مستشارين، وقادة الرأي، وحركات المجتمع المدني التي اعتُقلت أو اختفت فجأة . الإصلاح مجرد واجهة، لا أكثر.
الدبلوماسية البراغماتية: التجارة تُلهي العالم عن القمع
وفقًا لهيئة TIME، يرى بن سلمان العلاقات مع الغرب كمصدر نفوذ واستثمار، وليس ضرورة لتحسين حقوق الإنسان. هو يعتمد على دبلوماسية “المصلح أولًا” التي تتعامل فقط بالقوة الاقتصادية والسياسية، وتتعامل مع القمع كجزء من فاتورة التحول. نشر وسائل إعلام غربية صورًا لبن سلمان وهو يعانق رؤساء دول، لكنه لا يرى في القمع عراقيل، بل أدوات بقاء مشروعه .
الصندوق الأسود: صندوق الثروة العام كغرفة سرية
مركز نقدي آخر هو صندوق الاستثمار العام (PIF)، الذي بات يُعد أداة لتمويل مشاريع ضخمة لريادة سلطوية وليست مشاريع دولة. الباحث ستيفن هيرتوج وصفه بأنه صندوق “غير شفاف” ولا يعرف أحد ما يجري داخله، ما عدا النظام نفسه. استثمارات ضخمة في الرياضة والتكنولوجيا تحجب الحقيقة: السيطرة الكاملة للنظام دون أي مساءلة أو رقابة .
الدين لم يغطّر الجوع والصمت لا يمنح الأمان
الحملات الأمنية لم تُوجه فقط إلى السياسيين أو رجال الاقتصاد، بل إلى المفكرين ورجال الدين المستقلين. عشرات من العلماء والمفكرين مثل سلمان العودة وعائض القرني محتجزون، مجرد لأن صوتهم خرج عن صيغة “البراءة المطلقة” لدائرة الحكم. القمع الديني والسياسي ارتبط بترويع المجتمع، وليس بمحاربة الإرهاب كما أعلن النظام .
لا بُنيان يُقام على سجن البصيرة
النظام الذي يصف نفسه بأنه راغب بالإصلاح، لا يتورع عن تصفية نخب المعارضة، واغتيال صحفيين، وسجن أحرار، وتخوين كل صوت حر. ما يُمارس ليس إصلاحًا، بل استعمار داخلي للوعي، ومحاولة لبناء دولة “حديثة” بسطوة الأمن، لا بالقانون.
محمد بن سلمان لا يعارض فساد النظام، بل كان الرافع الأول له إلى مركز يمكنه من حكم غير مشروط.
هو ليس أميرًا بنظريات الحداثة، بل خادمًا لبنية استبدادية تشوه كل قيمة أمام السلطة.
والعالم الغربي الذي يتجاهل فظائع الحكم في صفقات اقتصادية، سيجد آخر المطاف أن كل ما يُبني على الدم يُنهار.
إقصاء المعارض يُفرغ الخطاب من أي معنى. والقمع باسم القانون لا يُنقذ الدولة، بل يدمرها.
والأخطر أن من يقبل هذا النظام كوجه مشروع، فقد أسس لعصر جديد من الصمت، لا مستقبل للعقول، ولا أمان للبشر.






