ذا لاين سجن تكنولوجي في قلب الصحراء: رافائيل برييتو يكشف كابوس مدينة الجنون

ذا لاين سجن تكنولوجي في قلب الصحراء: رافائيل برييتو يكشف كابوس مدينة الجنون

حين يصف الباحث رافائيل برييتو كورييل، المحاضر في Complexity Science Hub في فيينا، مشروع “ذا لاين” بأنه “مدينة جنونية، بموقع سيء للغاية، بلا ماء، وبحرارة خانقة، وظُلمة خانقة داخل غابة إسمنتية بارتفاع 500 متر”، فإن هذه الكلمات ليست نقدًا عابرًا، بل صفعة علمية لفكرة تسويقية تُباع للعالم باعتبارها “قفزة حضرية للمستقبل”.

تصريح برييتو يفتح بابًا واسعًا لنقد مشروع لا ينتمي للمنطق الجغرافي، ولا يراعي أساسيات العمران أو الطبيعة، ويكشف كيف تحولت “ذا لاين” من شعار مستقبلي إلى سجن تكنولوجي فاخر مغلق على ذاته، بلا حياة طبيعية أو اقتصادية حقيقية.

ذا لاين: سجن تكنولوجي مغلف بالزجاج

التصميم الذي يروج له النظام السعودي – جدران إسمنتية متوازية بارتفاع 500 متر تمتد بطول 170 كيلومترًا – ليس مدينة، بل مرفق مغلق يُحوّل البشر إلى “بيانات قابلة للرصد” في فضاء خاضع كليًا للذكاء الاصطناعي.

كل حركة ستخضع لأنظمة مراقبة دقيقة.

كل معاملة مالية ستكون إلكترونية وتحت سيطرة مركزية.

المدينة بلا سيارات أو مساحات مفتوحة، ما يحوّلها إلى مختبر تحكم بشري كامل، حيث يصبح سكانها جزءًا من “بانوبتيكون” حضري حديث – سجن شفاف يتيح المراقبة الدائمة دون أن يشعروا أنهم تحت القيد.

إنها ليست بيئة للحرية أو الابتكار، بل منصة مغلقة لإدارة البشر كموارد رقمية، تحت ستار “الكفاءة المستقبلية”.

بيئة مضادة للطبيعة: قنبلة كربونية في قلب الصحراء

بينما تسوّق الحكومة “ذا لاين” كـ”مدينة صديقة للبيئة”، يكشف الواقع عن تناقض صارخ:

  • المشروع يتطلب ملايين الأطنان من الخرسانة والفولاذ، وهما من أكبر مصادر انبعاثات الكربون عالميًا.
  • اعتماد كامل على تحلية مياه البحر، وهي عملية كثيفة استهلاك الطاقة وتضر بالبيئة البحرية.
  • موقع في قلب صحراء جافة سيعني استيراد الغذاء والطاقة باستمرار، ما يجعل المدينة طفيلية بيئيًا، تستهلك أكثر مما تنتج.

بناء مدينة كهذه في منطقة بلا موارد طبيعية أساسية هو تحدٍ ضد البيئة نفسها. كيف يمكن لمدينة بلا أنهار أو زراعة أو ظل طبيعي أن تُصبح نموذجًا للاستدامة؟

التحكم الاقتصادي: مدينة بلا نقدية بلا خصوصية

في “ذا لاين”، لن تكون هناك نقود أو أسواق حرة. بدلاً من ذلك، ستتم كل المعاملات عبر شبكة رقمية مركزية تديرها أنظمة الذكاء الاصطناعي:

  • كل عملية شراء مسجلة.
  • كل خدمة تُدار عبر خوارزمية.

السكان يعيشون في اقتصاد مغلق بالكامل حيث يملك النظام القدرة على التحكم في الوصول إلى الموارد، وحتى في من “يُسمح له” بالعيش هناك.

بهذا النموذج، تتحول “ذا لاين” من مدينة مستقبلية إلى أداة لإحكام السيطرة الاقتصادية والاجتماعية على مجتمعها الداخلي، ما يُحوّلها إلى نسخة حضرية من “دولة الشركات”، حيث تُدار حياة الأفراد كملفات مالية قابلة للإغلاق بضغطة زر.

لامنطق الجغرافيا: مدينة ضد قوانين الطبيعة

الموقع الذي اختير لـ”ذا لاين” يُثير السخرية بين الخبراء. المدن الكبرى عبر التاريخ – من القاهرة إلى نيويورك – نشأت قرب مصادر المياه والطرق التجارية الطبيعية. لكن هنا، نرى مدينة تُبنى على خط صخري قاحل، بلا موارد طبيعية، معزولة عن أي منطق بيئي أو اقتصادي.

رافائيل برييتو يلخص هذا العبث: “لا ماء، لا ظل، حرارة خانقة، وجدران إسمنتية شاهقة تحجب الضوء والهواء… كيف تُبنى الحياة هنا؟”

إنها محاولة هندسة ضد الطبيعة، حيث يُراد إجبار الناس على العيش في أنبوب معدني-زجاجي وسط صحراء قاسية، كما لو كانوا كائنات في حاضنة صناعية.

سيناريو المستقبل: مدينة أشباح ذكية؟

إذا اكتمل المشروع – وهو أمر يراه كثير من المحللين شبه مستحيل – فما الذي ينتظرنا خلال 20 عامًا؟

  • أحياء كاملة غير مأهولة بسبب ارتفاع التكلفة.
  • نصف المدينة غير مكتمل بسبب نقص التمويل.
  • نظام ذكاء اصطناعي خانق يراقب كل نفس.
  • عجز مالي ضخم لصيانة البنية التحتية المكلفة.

تصبح “ذا لاين” عندها “مدينة أشباح ذكية”: مشروع نصف منجز يستهلك مليارات في الصيانة دون جدوى اقتصادية، بينما يعيش قلة مختارة من النخبة في مناطق مغلقة محاطة بصحراء خالية.

ذا لاين: وهم يُباع للعالم وكارثة تُبنى على الأرض

تصريح رافائيل برييتو هو بمثابة إعلان وفاة لهذا المشروع منذ لحظة ولادته: “مدينة بلا ماء، حرارة خانقة، جدران قاتلة… إنها كابوس حضري مقنّع بديكور مستقبلي.”

هذه ليست مدينة حقيقية، بل سجن رقمي محاط بالخرسانة، ومشروع علاقات عامة يستهلك المال العام ليمنح النظام صورة تقدمية بينما يعيد إنتاج نموذج الاستبداد بأدوات جديدة.

“ذا لاين”خط على الرمال لا على المستقبل

في النهاية، “ذا لاين” ليست مدينة للمستقبل، بل رمز لفلسفة عمرانية شاذة تُصمم ضد الطبيعة وضد الإنسان، وتحوّل التكنولوجيا إلى قيد جديد على الحرية.

“حين تُختزل المدينة إلى جدار إسمنتي وسط الصحراء، تُصبح الحضارة مجرد وهم، والعمارة مجرد أداة لدفن الحياة تحت الزجاج.”

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية