الأرقام لم تعد تترك مجالًا للوهم. السعودية، التي تُسوّق نفسها كقوة اقتصادية صاعدة، تكشف اليوم هشاشتها بأوضح صورة. منصات التنقيب عن النفط تراجعت للشهر السادس على التوالي لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ 2005 (20 منصة فقط بعد أن كانت 46 في أوائل 2024)، في وقت تُسجل فيه “سابك” خسارة ربع سنوية ثالثة متتالية بلغت 4.1 مليار ريال، متجاوزة كل توقعات المحللين الذين كانوا يتوقعون أرباحًا بمقدار 1.1 مليار ريال.
هذه ليست مجرد بيانات متفرقة، بل صفعة مزدوجة تكشف اقتصادًا يُدار كواجهة استعراضية بلا عمق إنتاجي. بلد يزعم أنه يخرج من عباءة النفط يجد نفسه يخسر منصات التنقيب، وفي الوقت نفسه يعجز عن حماية أكبر شركة صناعية فيه من الانهيار. هذه الصورة لا تمثل اقتصادًا “يتحوّل”، بل اقتصادًا يترنح على حافة الانهيار، يبيع أحلام “التنويع” بديون وضرائب، بينما تتآكل دعائمه الأساسية.
منصات النفط تتساقط والاعتماد يتعمق
هبوط عدد منصات التنقيب إلى أدنى مستوى منذ 20 عامًا لا يمثل مجرد “تراجع دوري”، بل انكماشًا حادًا في قدرة السعودية على استدامة إنتاجها النفطي. قطاع الطاقة الذي يُفترض أنه شريان الدولة يعيش تراجعًا تاريخيًا في استثماراته، بالتوازي مع فشل مشاريع الغاز في تعويض هذا التآكل.
الخطير في هذه الأرقام أنها تأتي وسط إنفاق حكومي ضخم وشعارات عن اقتصاد غير نفطي، بينما النفط يظل المصدر الأكبر لأكثر من 60% من الإيرادات الحكومية. ماذا يعني ذلك؟ أن الدولة تموّل ميزانيتها من قطاع يتقلص، بلا خطة بديلة واضحة، وكأنها تصر على السير نحو حافة الهاوية وهي تعلم أن الأرض تتشقق تحتها.
“سابك” تغرق: انهيار العملاق الصناعي
خسارة “سابك”، الشركة التي يُفترض أنها ركيزة القطاع الصناعي غير النفطي، جاءت كإشارة واضحة إلى أن مشاريع “التنويع” ليست سوى عنوان فارغ. الشركة سجّلت خسارة صافية بلغت 4.1 مليار ريال في ربع واحد فقط، بعد خسارتين متتاليتين، لتصبح واحدة من أكبر الانهيارات في تاريخها.
تجاوزت الخسارة كل توقعات السوق، حيث كان المحللون ينتظرون أرباحًا، لا نزيفًا بهذا الحجم. هذه ليست مشكلة “سوق عالمية” أو “دورة اقتصادية”، بل نتيجة مباشرة لاقتصاد يفتقد التخطيط الصناعي، ويعتمد على النفط حتى في تمويل ما يُسمى بالقطاعات البديلة. إذا كانت “سابك” – أكبر أذرع الصناعة السعودية – تعاني من خسائر بهذا الحجم، فما الذي تبقى من وهم التنويع؟
اقتصاد يترنح بين النفط والضرائب
تراجع منصات النفط وخسائر “سابك” يعيدان طرح السؤال الجوهري: ماذا تبقى من رؤية 2030؟ خمس سنوات مرت دون أن ترى السعودية اقتصادًا إنتاجيًا متماسكًا. كل ما تحقق هو زيادة الضرائب، رفع أسعار الوقود، وخفض الدعم، في مقابل مشاريع ضخمة تلتهم الميزانيات دون مردود حقيقي.
المعادلة واضحة:
- أقل نفطًا = عجز مالي أكبر.
- عجز مالي أكبر = ضرائب أوسع وخدمات أقل.
- خدمات أقل = ضغط شعبي يتصاعد.
هكذا يُدار الاقتصاد: تحميل المواطن التكلفة، وبيع الوهم على المنصات الإعلامية، مع إخفاء التراجع الفعلي في الإنتاج النفطي والصناعي.
الاستثمارات في الغاز رهان يائس
محاولة تعويض انهيار التنقيب عن النفط عبر الاستثمار في مشاريع الغاز تعكس إدارة أزمة لا خطة تحول. هذه الاستثمارات، رغم زخمها الإعلامي، لم تصل بعد إلى مستويات قادرة على سد فجوة النفط، ولن تثمر في المدى القريب. الفجوة التمويلية اليوم لا تنتظر عقود تطوير الغاز الطويلة، بل تتسع بوتيرة أسرع من أي بدائل مزعومة.
ديون تتضخم ومشاريع استعراضية
التوسع في الاقتراض لسد العجز المالي بات سياسة يومية، مع تضخم الدين العام لمستويات تاريخية. أموال القروض لا تتجه إلى بناء اقتصاد إنتاجي، بل إلى مشاريع ضخمة مثل “نيوم” و”ذا لاين” التي تحولت إلى ملصقات دعائية أكثر من كونها أدوات اقتصادية.
هذا النمط يعيد إنتاج نموذج الاقتصاد الريعي: استنزاف الموارد والاقتراض لتغطية إنفاق حكومي متضخم، بلا أي قاعدة صناعية أو تجارية مستدامة.
مجتمع يختنق تحت عبء الفشل
الأزمات الاقتصادية لا تبقى في حدود المؤشرات، بل تضرب المجتمع مباشرة. الضرائب المتزايدة والرسوم الحكومية تلتهم دخول المواطنين، بينما ترتفع تكاليف المعيشة وتظل الخدمات العامة عاجزة عن مجاراة الضغوط. البطالة، خصوصًا بين الشباب، تتفاقم رغم الإنفاق الضخم على مشاريع استعراضية لا توفر فرص عمل حقيقية.
هذا المشهد يخلق هوة متزايدة بين خطاب السلطة وواقع المجتمع، حيث تُباع الأحلام، ويُطلب من المواطنين تمويلها عبر جيوبهم.
الدروس الغائبة من تاريخ الأزمات
أزمة سوق الأسهم في 2006، وانهيارات أسعار النفط في 2014، وأزمات التضخم اللاحقة، كلها دروس لم تُستوعب. اليوم، نفس الأسباب تتكرر: اعتماد على النفط، إهمال التنويع الحقيقي، إنفاق بلا ضوابط، وانفصال القرار الاقتصادي عن الواقع الفعلي للأسواق والمجتمع.
بعد عقدين من الحديث عن الإصلاح، يعيد الاقتصاد السعودي إنتاج نفس الحلقة: نفط يتراجع، ضرائب ترتفع، مواطن يتضرر، وسلطة تواصل الدعاية.
اقتصاد يتنفس إعلامًا ويموت بالأرقام
تراجع منصات النفط إلى أدنى مستوى منذ 2005 وخسائر “سابك” التاريخية ليسا مجرد خبرين ماليين؛ إنهما شهادة وفاة لنموذج اقتصادي يُدار بالوهم.
اقتصاد يُعاني نزيفًا في أهم قطاعاته، يفتقر للإنتاجية، ويستنزف المواطن بالضرائب، بينما يواصل ضخ وعود “التنويع” في مؤتمرات براقة.
الشرعية الاقتصادية لا تُبنى على إعلانات المشاريع، بل على قدرة الاقتصاد على خلق وظائف، وتوليد إنتاج، وتقليل التبعية. السعودية اليوم تفشل في هذه الملفات مجتمعة.
إن لم يحدث تحول حقيقي – لا شكلي – فإن المستقبل لن يحمل سوى انفجار أزمة مالية واجتماعية لن تنفع معها لغة الدعاية. اقتصاد ينهار أمام العالم، وحكومة تواصل الاختباء خلف صور براقة، وشعب يدفع الثمن.





