ملاعب خاوية وجوائز بالملايين: بطولة السنوكر في جدة تفضح فشل القوة الناعمة السعودية

ملاعب خاوية وجوائز بالملايين: بطولة السنوكر في جدة تفضح فشل القوة الناعمة السعودية

مشهد المدرجات الفارغة في بطولة الماسترز للسنوكر بجدة لم يكن مجرد صدفة أو ضعف دعاية، بل صورة مكثفة لسياسة رياضية سعودية تنفق المليارات على الفعاليات الكبرى بينما تعجز عن جذب جمهور حقيقي. فعلى الرغم من قيمة الجوائز الفلكية التي وصلت إلى 2.5 مليون ريال للفائز، لم يحضر أي مشجع تقريبًا لمتابعة الجولات الأولى، بحسب تعليقات وسائل الإعلام والمشاهدين على الأرض.

النقاد لم يتأخروا في وصف البطولة بأنها ليست “بطولة كبرى رابعة” كما أرادت السعودية تسويقها، بل حدث باهت يفتقر إلى التاريخ، والعمق، وحتى الأجواء الأساسية التي تميز أي بطولة ناجحة. بعض المعلقين وصفوا الجولات الأولى بأنها قصيرة بشكل يقتل الحماس، وأن الجوائز الضخمة تبدو بلا روح أمام مقاعد خالية.

استعراض مالي بلا قاعدة جماهيرية

المملكة تراهن منذ سنوات على ما يُعرف بـ”القوة الناعمة الرياضية” – استضافة أحداث عالمية لتلميع صورتها كدولة حديثة ومنفتحة. لكن بطولة السنوكر هذه تكشف الفجوة بين الاستثمار المالي والنتيجة الواقعية. لا يكفي أن تجلب أفضل اللاعبين في العالم وتمنحهم شيكات ضخمة، إذا لم يكن هناك جمهور يملأ المدرجات أو جمهور محلي يفهم اللعبة ويتحمس لها.

السنوكر، بالنسبة لمعظم السعوديين، ليست رياضة شعبية، ولم تشهد المملكة تاريخًا أو تراكمًا ثقافيًا حولها. محاولة إدخالها فجأة عبر بطولة عالمية تشبه إدخال مسرحية بلغة أجنبية لجمهور لا يعرف حتى أبجديتها. النتيجة: مدرجات صامتة، وكاميرات تبحث يائسة عن لقطة مقنعة للبث الدولي.

القوة الناعمة ليست “شراءً للحظة”

جوهر القوة الناعمة هو التأثير المستدام عبر الثقافة، القيم، والرياضة الشعبية التي تنبع من المجتمع نفسه. عندما استثمرت بريطانيا في كرة القدم أو البرازيل في الفنون القتالية، كان الأمر انعكاسًا لثقافة محلية عميقة، لا مجرد صفقة دعائية.

السعودية، في المقابل، تحاول بناء صورة رياضية من القمة إلى القاعدة: تبدأ بصفقات استقدام نجوم كبار في كرة القدم، تنظيم بطولات عالمية في رياضات غير مألوفة، ثم تأمل أن ينساب الاهتمام إلى الشارع. لكن ما حدث في جدة يثبت أن هذه الاستراتيجية تعاني من ثغرة جوهرية: غياب الأساس الشعبي الذي يمنح الحدث مصداقيته.

إخفاقات متكررة في نفس النمط

بطولة السنوكر ليست الحالة الوحيدة. مشاهد الحضور الضعيف ظهرت سابقًا في بعض سباقات الفورمولا إي وبطولات الملاكمة، رغم الدعاية الضخمة وتذاكر الدخول المجانية أو الرمزية. حتى بعض مباريات كرة القدم التي ضخت فيها المملكة مئات الملايين لاستقدام نجوم عالميين لم تحقق الحضور الجماهيري المتوقع، خصوصًا في المباريات غير المصيرية.

هذه الأنماط تثير تساؤلات: هل الهدف الحقيقي هو خلق قاعدة جماهيرية محلية، أم مجرد صناعة صور تلفزيونية تُصدّر للعالم باعتبارها “دليل التقدم والانفتاح”؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن اللقطات من جدة كانت عكسية تمامًا، إذ أظهرت حدثًا بلا جمهور، بلا طاقة، وبلا روح.

دروس من إخفاقات رياضية حول العالم

ما شهدته جدة يعيد إلى الأذهان تجارب مشابهة في دول حاولت شراء المجد الرياضي سريعًا.

أذربيجان أنفقت الملايين على سباقات الفورمولا 1، لكن الحضور الجماهيري ظل ضعيفًا لسنوات، ما اضطر المنظمين إلى توزيع تذاكر مجانية لملء المقاعد.

الصين استضافت بطولات تنس كبرى بجوائز ضخمة، لكنها واجهت مدرجات فارغة لغياب الثقافة المحلية حول اللعبة، ولجأت أحيانًا لجمهور مأجور.

هذه الأمثلة تؤكد أن بناء جمهور لرياضة ما يحتاج وقتًا واستثمارًا في القاعدة، وليس فقط في القمم. المال وحده لا يشتري الشغف.

الرسالة السلبية للعالم

بدل أن تقدم جدة للعالم صورة بلد يعيش نهضة رياضية حقيقية، أرسلت مشهدًا عن دولة تحاول شراء مكانة لا تملك مقوماتها. وهذا ينعكس سلبًا على استراتيجية محمد بن سلمان لجعل الرياضة أداة لإعادة صياغة صورة المملكة دوليًا.

في عالم الرياضة، المصداقية تُبنى ببطء وتهدم بسرعة. صورة المدرجات الفارغة في بطولة يفترض أنها “ماسترز” لا يمكن إزالتها بسهولة من ذاكرة المتابعين، خاصة في ظل منافسة شرسة من دول لديها بطولات راسخة وحضور جماهيري طبيعي.

فجوة بين الترفيه والاستدامة

المملكة تمضي بسرعة في مسار الترفيه الرياضي، لكن هذا المسار يبدو حتى الآن موسميًا، يعتمد على صفقات آنية لجذب انتباه الإعلام العالمي، دون خطط واضحة لتحويل هذه الأحداث إلى جزء من النسيج الاجتماعي المحلي.

الرياضة ليست مثل حفل غنائي عالمي يأتي ويغادر، بل تحتاج إلى بنية تحتية بشرية وثقافية: مدارس تعلم اللعبة، أندية محلية، دوريات للهواة، ومسابقات ناشئين. من دون هذه العناصر، ستبقى البطولات العالمية في السعودية مجرد مشاهد معزولة تنتهي بانتهاء النقل التلفزيوني.

نزيف مالي بلا عائد جماهيري

وفقًا لتقديرات مؤسسات اقتصادية، أنفقت السعودية خلال السنوات الخمس الماضية ما يزيد عن 15 مليار دولار على فعاليات رياضية كبرى، تشمل صفقات انتقالات في كرة القدم، وبطولات عالمية في رياضات متعددة. ومع ذلك، العائد الجماهيري الفعلي محليًا يظل ضعيفًا، ما يعني أن معدل “العائد على الاستثمار” من حيث التأثير الشعبي أقل بكثير مما يُسوَّق له رسميًا.

عندما تُنفق مئات الملايين على حدث مثل بطولة السنوكر ثم ينتهي بلا جمهور، فإن الرسالة الحقيقية التي تصل للعالم ليست عن سخاء الإنفاق، بل عن سوء التخطيط، وغياب الاستراتيجية الطويلة المدى. المال الذي يُهدر على مدرجات فارغة كان يمكن أن يبني بنية رياضية تحتية، ويخلق أجيالًا من اللاعبين والجماهير، بدلًا من مجرد صورة عابرة على شاشات التلفزيون.

من شراء الألقاب إلى بناء القاعدة

بطولة الماسترز للسنوكر في جدة كانت فرصة ذهبية لإظهار أن السعودية قادرة على تنظيم حدث عالمي بمستوى جماهيري يليق بالجوائز المليونية. لكن النتيجة كانت على العكس تمامًا، فأكدت أن المال وحده لا يكفي، وأن القوة الناعمة الحقيقية لا تُشترى، بل تُبنى.

إذا أرادت المملكة أن تتحول إلى وجهة رياضية حقيقية، فعليها أن تبدأ من الأساس: تعليم الرياضات في المدارس، دعم الأندية المحلية، تشجيع الجمهور على المشاركة قبل المشاهدة. وإلا ستبقى بطولاتها مجرد ديكور باهظ الثمن، بلا جمهور، وبلا تأثير حقيقي على صورتها في العالم.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية