8 مليارات تتبخر… هل بدأ اقتصاد محمد بن سلمان يفقد أنفاسه؟

8 مليارات تتبخر… هل بدأ اقتصاد محمد بن سلمان يفقد أنفاسه؟

الخطط العظمى تنهار ليس بصوت انفجار، بل بخطوات “إعادة تقييم” متكررة تُقدَّم للناس كقرارات حكيمة. لكن حين يضطر صندوق الاستثمارات العامة السعودي إلى خفض استثماراته في المشاريع العملاقة بمقدار 8 مليارات دولار، فإن هذا لم يعد مجرد تعديل في الأرقام، بل صفعة على وجه رواية الثراء اللامحدود التي يروّجها ولي العهد محمد بن سلمان منذ أن أطلق “رؤية 2030”.

قرار يفضح الواقع

في نهاية 2024، أعلن الصندوق أن قيمة استثماراته في المشاريع العملاقة داخل المملكة تراجعت من 64 مليار دولار في 2023 إلى 56 مليار دولار فقط، بانخفاض نسبته 12.4%. الأسباب الرسمية كانت “تغيرات في الخطط التشغيلية” و”التقلبات الاقتصادية العالمية”، لكن الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: المال لم يعد يكفي، وأسعار النفط لم تعد تمنح الرياض ترف الإنفاق الملياري بلا حساب.

الأمر لم يطل مشروعاً ثانوياً، بل ضرب في صميم ما يروَّج له عالمياً: نيوم، البحر الأحمر، ذا لاين، وغيرها من المشاريع التي استُخدمت كأدوات دعائية لبيع صورة “السعودية الجديدة” أمام المستثمرين والإعلام الغربي.

محمد بن سلمان من المبالغة إلى التراجع

حين أعلن ولي العهد عن هذه المشاريع، رسم صورة خيالية لمستقبل سعودي يضاهي أو يتفوق على مدن الغرب في التكنولوجيا والبنية التحتية والرفاهية. لكن الواقع يقول إن معظم هذه المشاريع تتأخر، تتقلص، أو تُجزأ إلى مراحل بسبب غياب التمويل الكافي وارتفاع التكاليف بشكل جنوني.

تسويق الحلم كان سهلاً، لكن تمويله في ظل اقتصاد يعتمد على سلعة واحدة – النفط – بات معضلة، خصوصاً مع هبوط الأسعار وتراجع أرباح أرامكو.

صدمة للمستثمرين ونزيف في الثقة

القرار بخفض الاستثمارات أرسل إشارة مقلقة للأسواق الدولية. المستثمر الأجنبي يرى أن الحكومة، رغم كل ضجيجها الإعلامي، عاجزة عن الحفاظ على وتيرة التمويل نفسها. الرسالة واضحة: المشاريع العملاقة ليست محصنة من المقص المالي.

هذا التراجع يأتي في وقت يتآكل فيه الزخم الاستثماري العالمي نحو السعودية، نتيجة المخاطر السياسية، سجل حقوق الإنسان السيء، والتوترات الإقليمية، ما يجعل أي خطوة تقليصية مضاعِفة لقلق المستثمرين.

الاعتماد المميت على النفط

رغم حديث القيادة السعودية عن “تنويع مصادر الدخل”، فإن النفط ما زال يوفّر أكثر من 60% من إيرادات الدولة. أي هزة في السوق العالمية تنعكس مباشرة على قدرة الحكومة على تمويل مشاريعها.

أسهم أرامكو انخفضت بنسبة 14.3% منذ بداية 2024، وتراجعت توزيعات أرباحها، وهو ما ضرب الصندوق السيادي الذي يملك 16% من الشركة. باختصار، أي أزمة نفطية تعني أزمة في تمويل رؤية 2030، مهما حاول الخطاب الرسمي إخفاء ذلك.

بورصة السعودية: وعود بلا أرضية صلبة

في الوقت الذي تحلم فيه الرياض بأن تصبح بورصتها ضمن أكبر 10 أسواق عالمية، يعيش المؤشر العام حالة تراجع بأكثر من 9% منذ بداية العام، في واحد من أسوأ الأداءات على مستوى العالم.

الطروحات الأولية التي كان يُفترض أن تجذب المستثمرين أصبحت مثالاً على فشل الاستراتيجية؛ كثير من الأسهم الجديدة يتم تداولها تحت سعر الطرح، ومتوسط العائد بعد الإدراج هبط من 27% في 2024 إلى 4% فقط.

المشاريع العملاقة دعايات باهظة الثمن

مشاريع مثل نيوم وذا لاين لم تُبنَ حتى الآن إلا على الورق والدعاية، بينما الواقع العملي يواجه تأخيرات وسلسلة تعديلات على نطاق التنفيذ. ما بُني حتى اليوم لا يتناسب مع ما أُعلن قبل سنوات، ما يجعل التساؤل مشروعاً: هل كانت هذه المشاريع في الأساس أدوات علاقات عامة أكثر من كونها خططاً اقتصادية قابلة للتطبيق؟

محمد بن سلمان أمام اختبار القبول بالواقع

خفض الـ8 مليارات هو لحظة مواجهة مع الحقيقة: المال ليس بلا حدود، وأسعار النفط ليست تحت السيطرة، والمشاريع العملاقة لا تنمو على التصريحات الصحفية.

الأمير الذي بنى صورته على أنه “القائد الجريء” يجد نفسه اليوم أمام خيارات صعبة: إما الاقتراض، وهو ما سيزيد أعباء الديون، أو تقليص المشاريع بشكل أكبر، أو فرض ضرائب وقيود داخلية قد تثير استياء المواطنين.

المخاطر المستقبلية: من الحلم إلى الكابوس

إذا استمرت أسعار النفط في التذبذب، وإذا بقيت البيئة الاستثمارية غير جاذبة بسبب القمع السياسي وضعف الحوكمة، فإن “رؤية 2030” قد تتحول من حلم اقتصادي إلى عبء مالي.

التاريخ الاقتصادي مليء بأمثلة دول ضخّت مليارات في مشاريع رمزية وانتهت بمدن أشباح أو هياكل خرسانية بلا فائدة. السؤال: هل تسير السعودية على نفس الطريق؟

اقتصاد الصورة لا يدوم

خفض استثمارات المشاريع العملاقة بمقدار 8 مليارات دولار ليس مجرد حدث اقتصادي، بل علامة على أن مرحلة الإنفاق المفتوح تقترب من نهايتها. محمد بن سلمان الذي قدّم نفسه كمخلّص اقتصادي يواجه الآن اختبار الاستدامة، والنتيجة حتى الآن تشير إلى فجوة خطيرة بين الطموحات والقدرة على التنفيذ.

الاقتصاد السعودي بحاجة إلى إصلاحات بنيوية عميقة، لا إلى إعلانات عملاقة. بدون شفافية، وبدون تنويع حقيقي بعيداً عن النفط، وبدون بيئة استثمارية تحترم القانون والحقوق، ستظل المشاريع الضخمة مجرد شعارات على لافتات، في حين تتبخر المليارات كما تبخرت هذه الـ8 مليارات.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية