لم يعد تمديد العقود في قطاع الطاقة مجرد خطوة تشغيلية أو تفصيل اقتصادي، بل بات انعكاسًا مباشرًا لعلاقة التبعية التي تكرّسها الرياض لشركات النفط العالمية. إعلان شركة الحفر العربية تمديد عقود تشغيل 11 منصة غاز مع الشركة الأميركية «إس إل بي» (شلمبرجير سابقًا) ليس حدثًا محايدًا، بل إشارة صريحة إلى استمرار رهن قطاع استراتيجي بحجم الغاز الطبيعي في يد شركات أجنبية. تحت لافتة “الاستقرار” و”ضمان الإيرادات”، تخفي هذه الصفقة أسئلة مؤلمة عن استقلالية القرار الاقتصادي السعودي وقدرة الدولة على تطوير تقنيات الحفر بقدراتها الذاتية.
الغاز: رئة اقتصادية تتحكم فيها واشنطن
الصفقة، التي تمثل ما بين 15% و20% من إيرادات الحفر العربية لعام 2024، تكشف حجم الاعتماد على شريك واحد يملك في الوقت نفسه 34.3% من أسهم الشركة. أي أن «إس إل بي» ليست مجرد مقاول خدمات، بل شريك يملك مقعدًا في غرفة التحكم المالي والإداري. ما يُسوّق داخليًا كـ “تعاون تقني” ليس سوى تجديد لعقد احتكار يمنح واشنطن وأذرعها نفوذًا مزدوجًا: مشاركة في الأرباح، وتحكم في مسار الإنتاج.
هذا الاعتماد يزداد خطورة إذا وضعنا في الاعتبار أن المملكة تراهن استراتيجياً على الغاز غير التقليدي ليكون بديلاً جزئياً عن النفط في مزيج الطاقة بحلول 2030. أي خلل في العقود أو توترات سياسية مع واشنطن يمكن أن يشلّ هذا المسار ويترك البلاد رهينة تكنولوجيا مستوردة.
عقود تسليم مفتاح: راحة آنية ومخاطر طويلة الأمد
يتم تنفيذ المشروع بصيغة LSTK (عقود تسليم مفتاح)، أي أن الشركة الأميركية تتولى التصميم والتنفيذ والتشغيل بسعر محدد مسبقًا. هذه الصيغة التي تبدو جذابة لأنها تمنح “اليقين المالي” تحمل في طياتها مخاطرة استراتيجية: نقل الخبرة والتكنولوجيا يبقى محدودًا للغاية، إذ تنفذ «إس إل بي» المشروع من الألف إلى الياء وتسلّمه جاهزًا، دون أن تطور القدرات المحلية بالمعنى الحقيقي.
بكلمات أخرى: السعودية تدفع، الأميركيون يحفرون، ثم يتركون منصات تعتمد على خدماتهم وصيانتهم لسنوات قادمة. هذه ليست شراكة بل استدامة تبعية مغلفة بالحداثة.
توقيت الإعلان: غطاء سياسي أكثر منه اقتصادي
التمديد جاء في لحظة سياسية حساسة؛ فمحمد بن سلمان يستعد لزيارة واشنطن ولقاء ترامب في نوفمبر المقبل. الصفقات الاقتصادية مع الشركات الأميركية الكبرى تتحول هنا إلى أوراق اعتماد سياسية؛ تقول الرياض لواشنطن: “ها نحن نضمن عقودًا بمليارات لشركاتكم، فماذا ستقدمون لنا مقابل ذلك؟”.
بهذا المعنى، تمديد العقود ليس مجرد خيار اقتصادي، بل جزء من مقايضة أوسع: حماية سياسية ودعم دولي مقابل فتح أبواب الاقتصاد أمام الشركات الأميركية.
هل الغاز السعودي بلا سيادة تقنية؟
المدافعون عن الصفقة يشيرون إلى أن «إس إل بي» تمتلك تكنولوجيا متقدمة لا غنى عنها. لكن السؤال البديهي: لماذا لم تستثمر المملكة، عبر صندوق الاستثمارات العامة أو أرامكو، في بناء قدرات وطنية تضاهي هذه التكنولوجيا خلال العقود الماضية؟
إنفاق مئات المليارات على مشاريع استعراضية مثل نيوم والفعاليات الترفيهية لم يواكبها استثمار مماثل في البحث العلمي والتطوير التقني في مجال الحفر. النتيجة واضحة: بلد يملك واحدًا من أكبر احتياطيات الغاز في العالم يعتمد على شركة أجنبية لتشغيل 11 منصة، ويحتفي بذلك وكأنه إنجاز.
بين الإيرادات والهيمنة: من يربح فعليًا؟
البيان الرسمي للحفر العربية حاول تهدئة المستثمرين بالقول إن العقود تمثل ضمانة لاستقرار الإيرادات، لكن هذا “الاستقرار” يعني في الواقع استمرار ضخ الأرباح نحو الشريك الأميركي. مع حصة ملكية تبلغ أكثر من ثلث الشركة، ستستفيد «إس إل بي» من كل ريال يدخل، سواء عبر العقود أو عبر توزيعات الأرباح.
هكذا تتحول منصة الغاز من أداة لتعزيز السيادة الاقتصادية إلى أداة لتمويل الشركات الأجنبية. السعودية تدفع الفاتورة مرتين: مرة لتمديد العقود، ومرة عبر اقتطاع أرباح المساهم الأميركي.
صورة براقة تخفي خللاً هيكليًا
الإعلان صيغ بعبارات تسويقية مثل “خطوة مهمة لتعزيز استقرار الأعمال” و”دعم التحول في مزيج الطاقة الوطني”. لكن الواقع أن هذا الاستقرار هش لأنه مبني على استمرار رضا الشريك الأميركي. أي خلاف سياسي أو نزاع تعاقدي قد يهدد استمرارية الإنتاج، وهو خطر لا يعترف به الخطاب الرسمي.
الأخطر أن الاعتماد على عقود قصيرة الأجل (عام واحد فقط) يكشف غياب استراتيجية طويلة المدى. كيف يمكن لمشروع بحجم التحول الطاقي أن يبنى على عقود تُمدد سنويًا؟ أين الرؤية العشرية أو العشرينية التي يفترض أن تحكم قطاع الغاز؟
مقاومة العمال واحتجاجات الصفقات
في أوروبا، شهدنا حوادث مثل اعتراض عمال ميناء جنوة الإيطالي على سفينة “بحري ينبع” السعودية المحملة بأسلحة متجهة للإمارات أو إسرائيل. هؤلاء العمال أدركوا أن مشاركتهم في تحميل السفينة يعني التواطؤ في جرائم حرب. السؤال هنا: من سيجرؤ داخل السعودية على مساءلة هذه العقود التي ترهن مستقبل الغاز لشركة أجنبية؟
المناخ القمعي يجعل النقد الداخلي شبه مستحيل، لكن تراكم هذه التبعية سيجعلها عاجلاً أو آجلاً مادة لانفجار سياسي أو اجتماعي، خاصة إذا فشلت هذه العقود في تحقيق عوائد ملموسة للمجتمع.
ما وراء الأرقام: فضيحة مقنّعة
تمديد العقود قد يبدو للوهلة الأولى مجرد خبر اقتصادي، لكنه في جوهره فضيحة سياسية واقتصادية. دولة تملك فوائض مالية هائلة وتتباهى برؤية 2030، لكنها عاجزة عن تشغيل منصاتها الغازية دون توقيع عقد سنوي مع شركة أميركية. أي تحديث وأي استقلال اقتصادي يُمكن الحديث عنه في ظل هذا الواقع؟
استقرار مزيف وتبعية متجددة
الخطاب الرسمي سيواصل التباهي بأن تمديد عقود 11 منصة غاز مع «إس إل بي» يمثل “نجاحًا في تعزيز استقرار الإيرادات”. لكن خلف هذه الكلمات المطمئنة تكمن حقيقة مرة: استقرار مبني على التبعية لا يُسمى استقرارًا، بل قيدًا جديدًا يلتف حول عنق السيادة الاقتصادية.
السعودية لا تحتاج إلى عقود تسليم مفتاح، بل إلى كسر الأقفال التي تجعل مفاتيح قطاعها الاستراتيجي في جيوب الشركات الأميركية. وما لم تُبنَ قدرة محلية حقيقية في مجال الغاز والحفر، ستبقى كل منصة جديدة شاهدًا على فشل الدولة في التحرر من ارتهانها لواشنطن وشركاتها.






