من كان يظن أن أكبر عائق أمام طموحات السعودية في سباق الذكاء الاصطناعي لن يكون التمويل أو التكنولوجيا أو الكفاءات البشرية، بل الماء؟ نعم، الماء. العنصر الأبسط والأكثر بدائية يتحول اليوم إلى “عنق الزجاجة” الذي قد يخنق مشاريع الرياض المستقبلية، ويفضح التناقض بين شعاراتها عن التنمية المستدامة وواقعها كدولة تُصنف بين أكثر مناطق العالم عطشًا.
سباق اصطناعي في بيئة طبيعية خانقة
في السنوات الأخيرة، ضخّت السعودية مئات المليارات في مشاريع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، بهدف منافسة عمالقة التكنولوجيا في وادي السيليكون. ومع إعلانها عن خطط لإنشاء 2200 ميجاوات من سعة مراكز البيانات الجديدة بحلول 2030، فإن الرياض تريد أن تكون مركزًا عالميًا لتخزين البيانات ومعالجتها.
لكن خلف هذا البريق، هناك كابوس مائي يتشكّل. فمركز بيانات واحد بقدرة ميجاوات واحد يستهلك ما يصل إلى 25.5 مليون لتر من المياه سنويًا — كمية تكفي لتلبية الاحتياجات اليومية لـ300 ألف إنسان. إذا كانت السعودية تستهدف آلاف الميجاوات، فإننا نتحدث عن مئات المليارات من اللترات سنويًا.
في بلد يعاني أصلًا من ندرة مائية خانقة، تبدو هذه المعادلة أقرب إلى الانتحار البيئي منها إلى التنمية المستقبلية.
الرياض في مواجهة معادلة قاتلة
وفقًا لمعهد الموارد العالمية (WRI)، السعودية من أكثر دول العالم معاناة من الإجهاد المائي. تضطر البلاد للاعتماد على تحلية مياه البحر لتوفير حاجات سكانها، وهي عملية تستهلك كميات هائلة من الطاقة الأحفورية، وتزيد بدورها من الانبعاثات الكربونية.
الآن، ومع حرارة الخليج اللاهبة التي تتجاوز 50 درجة مئوية في الصيف، تُجبر مراكز البيانات على تشغيل أنظمة تبريد قائمة على التبخير، أي استنزاف المزيد من المياه النقية. وهكذا، يجد ولي العهد نفسه أمام تناقض قاتل: لكي يثبت أنه يقود ثورة الذكاء الاصطناعي، عليه أن يستهلك المياه التي بالكاد تكفي شعبه.
وعود المناخ تحت أقدام محطات التحلية
لا يخفى أن السعودية والإمارات تحاولان ترويج صورتهما كـ”قادة للعمل المناخي”، لكن كيف يمكن التوفيق بين هذا الخطاب وبين تشغيل اثنتين من أكبر محطات تحلية المياه في العالم بالوقود الأحفوري لتبريد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؟ هنا يظهر الانفصام الكامل: اقتصاد “مستقبلي” يعتمد على ذكاء اصطناعي، لكن مشروط بعمليات تحلية مدمّرة بيئيًا.
ما يحدث ليس مجرد مفارقة تقنية، بل جريمة بيئية مؤجلة. فإذا تجاوز الطلب على المياه العرض في غضون عقد — كما تحذر مؤسسات إدارة المياه الإقليمية — فلن تنهار مشاريع البيانات وحدها، بل سيُهدد استقرار المنطقة برمّتها.
غسيل تكنولوجي جديد
كما فشلت الرياض في “غسيل سمعتها” عبر الرياضة والترفيه، ها هي اليوم تدخل في لعبة جديدة: “الغسيل التكنولوجي”. يتم الترويج لمشاريع مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي باعتبارها رمزًا للحداثة والانفتاح، بينما يتم إخفاء التكلفة الحقيقية: تدمير ما تبقى من الموارد المائية الشحيحة.
هنا يجب أن نتذكر أن أزمة المياه ليست تفصيلًا ثانويًا في بلد صحراوي. الماء هو خط الحياة، وإذا جرى تحويله إلى وقود لمشاريع وهمية تستهدف رضا شركات مثل Google وMicrosoft وAmazon، فهذا يعني أن النظام يفضل شراء النفوذ التكنولوجي على حساب بقاء سكانه.
إنذار أحمر: مجتمع مهدد بالعطش
الأرقام صادمة: 426 مليار لتر من المياه ستحتاجها المنطقة سنويًا بحلول 2030 لتشغيل مراكز البيانات فقط. هذا الرقم يوازي استهلاك ملايين البشر لمياه الشرب والغذاء والزراعة. هل يمكن لأي مجتمع أن يقبل أن تتحول المياه التي كان يمكن أن تروي مدنًا بأكملها إلى “وقود” لحواسيب ضخمة تخدم الشركات العالمية؟
إنه مشهد استعمار تكنولوجي بامتياز: السعودية تموّل، والمياه تُستنزف، والنتائج النهائية تخدم مصالح وادي السيليكون قبل أن تخدم سكان الخليج.
بين العطش والذكاء الاصطناعي: أي مستقبل؟
إن رهان السعودية على الذكاء الاصطناعي دون معالجة مأزق المياه يشبه بناء ناطحة سحاب على رمال متحركة. المشروع قد يبدو ضخمًا من الخارج، لكنه سينهار عند أول أزمة بنية تحتية. إذا لم تُطوَّر تقنيات تبريد بديلة لا تعتمد على المياه، فإن المشاريع المخططة ليست سوى أحلام ورقية ستتحول إلى عبء وجودي.
ذكاء اصطناعي أم غباء استراتيجي؟
إن ما يحدث في السعودية اليوم ليس سباقًا نحو المستقبل بقدر ما هو سباق نحو كارثة مائية محققة. فبينما تُباع صورة المملكة كحاضنة للابتكار والذكاء الاصطناعي، الحقيقة أنها تُقامر بأندر وأغلى مواردها: الماء.
الذكاء الاصطناعي يحتاج عقولًا تفكر قبل أن يحتاج مليارات تُنفق على مراكز بيانات عطشى. وإذا لم تصحُ الرياض من هذا الوهم، فإن “الذكاء الاصطناعي” سيصبح مجرد عنوان ساخر لغباء استراتيجي سيحكم على المنطقة بعطش طويل الأمد.
في النهاية: لا يمكن لمجتمع يعاني من العطش أن يقود ثورة رقمية. الماء أولًا ثم يأتي الذكاء.






