تضخم يتراجع وجيوب المواطن تفرغ: اقتصاد السعودية بين أرقام التجميل وواقع الإنهاك المعيشي

تضخم يتراجع وجيوب المواطن تفرغ: اقتصاد السعودية بين أرقام التجميل وواقع الإنهاك المعيشي

ليس كل تراجع في التضخم انتصارًا اقتصاديًا، كما تحاول البيانات الرسمية أن توحي. ففي السعودية، حيث يتصدر صندوق الاستثمارات العامة العناوين بمشاريع المليارات، وحيث تقف رؤية 2030 على منصة الترويج العالمي، تأتي أرقام يوليو 2025 عن التضخم لتصبح مادة دعائية جديدة. معدل التضخم السنوي تراجع من 2.3% في يونيو إلى 2.1%، لكن وراء هذا الرقم المختصر، تختبئ قصة أخرى: قصة جيوب فارغة، وقوة شرائية متآكلة، وقطاعات أساسية ترتفع أسعارها بلا هوادة، مقابل تراجع قطاعات هامشية لا تخفف من المعاناة الحقيقية.

أرقام على ورق وحياة على الحافة

البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء تبدو للوهلة الأولى مريحة للحكومة: الإيجارات السكنية قفزت بنسبة 6.6%، لتظل المحرك الأكبر للتضخم وتشكل 25.5% من وزن المؤشر. بمعنى أوضح، ربع معاناة المستهلك السعودي اليوم مصدرها السكن، وهو بند لا مفر من دفعه. ارتفاع أسعار الإيجارات يلتهم أي أثر إيجابي لتراجع أسعار بعض السلع أو الخدمات.

في المقابل، تشير الأرقام إلى ارتفاعات أخرى مؤثرة: السكن والمياه والكهرباء والغاز (+5.6%)، السلع والخدمات الشخصية (+4.3%)، الأغذية والمشروبات (+1.6%)، المطاعم والفنادق (+1.4%)، والتعليم (+1.1%). كل هذه القطاعات تمثل ضروريات أو خدمات أساسية في حياة المواطن والمقيم، ما يجعل التضخم الحقيقي الذي يشعر به الأفراد أعلى بكثير من النسبة الرسمية المعلنة.

التراجع الذي لا يطعم خبزًا

القطاعات التي شهدت انخفاضًا في الأسعار تبدو، عند التدقيق، أقل تأثيرًا على ميزانية الأسرة الشهرية: تأثيث وتجهيزات المنازل (-2.0%)، الاتصالات (-1.1%)، الملابس والأحذية (-0.4%)، النقل (-0.3%)، والصحة (-0.2%). انخفاض أسعار الأثاث أو الكماليات لا يغير من واقع الأسر التي تكافح لتأمين إيجار المنزل وفواتير الكهرباء والطعام.

بعبارة أخرى، يمكن للحكومة أن تتباهى بانخفاض التضخم الكلي، لكن المواطن يعرف أن فاتورة حياته اليومية لم تنخفض، بل زادت حدة.

السكن: الأزمة المزمنة

ارتفاع الإيجارات بهذا الشكل يعكس فشل السياسات الإسكانية في تحقيق التوازن بين العرض والطلب، رغم الوعود الضخمة التي أطلقتها برامج الإسكان منذ سنوات. في ظل التركيز الحكومي على جذب الاستثمارات الأجنبية، وتحويل بعض المدن إلى وجهات ترفيهية أو سياحية، يظل السكن للمواطنين في المدن الكبرى أزمة متفاقمة، حيث يتنافس السكان المحليون مع المستثمرين الأجانب والمشاريع التجارية على العقار ذاته، ما يرفع الأسعار دون مبرر حقيقي.

الطاقة والمرافق: فاتورة ثقيلة على المستهلك

ارتفاع أسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز بنسبة 5.6% يأتي في وقت ترفع فيه الحكومة تدريجيًا الدعم عن الطاقة والخدمات الأساسية. هذه الزيادات تتزامن مع مواسم حرارة مرتفعة واستهلاك أكبر للكهرباء، ما يجعل الأسر السعودية تدفع مبالغ أكبر للبقاء في الحد الأدنى من الراحة المعيشية.

الطعام والشراب: التضخم الخفي

رغم أن نسبة التضخم في الأغذية والمشروبات تبدو متواضعة (+1.6%)، إلا أن هذه النسبة تخفي وراءها تفاوتات حادة بين السلع، حيث شهدت بعض المواد الغذائية الأساسية زيادات أكبر بكثير، خصوصًا المستوردة منها، نتيجة تقلبات أسعار الشحن وسعر صرف الريال المرتبط بالدولار.

القطاع الصحي: انخفاض رقمي بلا أثر حقيقي

تراجع أسعار الخدمات الصحية بنسبة 0.2% لا يعكس تحسنًا في القدرة على الوصول إلى رعاية طبية ميسورة التكلفة. فالعديد من الخدمات الأساسية لا تزال خارج التغطية التأمينية، فيما تتجه المستشفيات الخاصة إلى فرض رسوم أعلى على الفحوص والعلاجات المتقدمة.

التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي

تروج الحكومة السعودية لتراجع التضخم باعتباره نتيجة لسياسات اقتصادية ناجحة، لكن الواقع يكشف أن هذا التراجع مدفوع بانخفاض أسعار سلع وخدمات ليست في قلب الإنفاق الأسري اليومي، بينما تستمر الضغوط على القطاعات الأكثر مساسًا بحياة الناس.

الخطر الأكبر: تآكل الثقة

حين تصبح الأرقام أداة للتجميل السياسي، يتآكل الإيمان الشعبي بجدوى الخطط الاقتصادية. المواطن السعودي اليوم لا يحتاج إلى تقارير عن انخفاض التضخم بقدر حاجته إلى سياسات تضبط أسعار السكن، وتعيد الدعم للقطاعات الحيوية، وتضمن استقرار أسعار الغذاء والطاقة.

الاقتصاد الكلي أمام اختبار التحمل

تراجع التضخم الكلي لا يعني أن الاقتصاد في مأمن، خصوصًا مع الضغوط المستمرة من انخفاض أسعار النفط، وارتفاع كلفة الاقتراض العالمي، والتزامات المملكة بمشاريع ضخمة ذات عوائد مؤجلة. إذا استمر التضخم في القطاعات الأساسية، فسيتحول إلى قيد على النمو غير النفطي الذي تراهن عليه الحكومة في رؤية 2030.

العبرة ليست في النسبة بل في الواقع

الأرقام الرسمية تحاول طمأنة الأسواق الدولية والمستثمرين، لكن التاريخ الاقتصادي يثبت أن تجاهل التضخم الحقيقي الذي يشعر به المواطن قد يقود إلى أزمات اجتماعية وسياسية أعمق. الفجوة بين التضخم “الإحصائي” والتضخم “المعيشي” هي ما يحدد في النهاية استقرار المجتمعات.

أرقام تتراجع وأعباء تتضاعف

ما لم تتخذ الحكومة خطوات جريئة لمعالجة جذور التضخم في القطاعات الأساسية، فإن كل تراجع في المعدلات الكلية سيظل ورقة دعائية لا أكثر. السكن، الطاقة، الغذاء، والتعليم هي الميادين الحقيقية لمعركة الأسعار، وأي تجاهل لها يعني أن المواطن سيظل يدفع الثمن، مهما انخفضت الأرقام على الورق.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية