سندالة جزيرة الأحلام تتحول إلى كابوس صامت في البحر الأحمر

سندالة جزيرة الأحلام تتحول إلى كابوس صامت في البحر الأحمر

بعد عام واحد فقط من افتتاحها وسط ضجيج إعلامي ووعود بتحويلها إلى “إيبيزا الشرق الأوسط”، تقف جزيرة سندالة اليوم فارغة بلا سياح، شاهدة على سقوط جديد في مسلسل المشاريع الفاشلة التي أُطلقت تحت مظلة رؤية 2030. المشروع الذي أنفق عليه صندوق الاستثمارات العامة مليارات الدولارات، لم يصمد سوى أشهر قليلة قبل أن يتحول إلى عبء محرج على ولي العهد محمد بن سلمان، الذي اعتبر – بحسب مصادر مطلعة نقلتها وكالة بلومبيرغ – أن الجزيرة لا تتوافق مع معاييره ولا مع طموحاته.

من الوعود البراقة إلى الواقع المُرّ

عندما أعلن محمد بن سلمان عن سندالة، جرى تسويقها كأول وجهة سياحية جاهزة ضمن مشروع نيوم العملاق. تم تصويرها كواحة حصرية لليخوت الفاخرة، والفنادق العالمية، والمطاعم الراقية، حيث سيقصدها أثرياء أوروبا والخليج لقضاء عطلات لا تُنسى.

لكن الواقع جاء صادمًا: الجزيرة لم تستقطب سوى أعداد محدودة من الزوار في البداية، ثم سرعان ما خلت تمامًا. لا رحلات، لا فعاليات، ولا حتى حركة اقتصادية محلية تُذكر. الجزيرة اليوم صامتة، والفنادق التي وُعدت بأن تكون “مستوى عالميًا” باتت بلا نزلاء.

عيوب تتجاوز السياحة

بحسب بلومبيرغ، لم يكن ضعف الإقبال السياحي وحده سببًا في انهيار المشروع. بل أشارت المصادر إلى وجود عيوب تصميمية ومشكلات سلامة هيكلية خطيرة. أي أن الجزيرة التي قُدّمت على أنها أيقونة معمارية لم تصمد أمام أبسط معايير السلامة.

هذه الفضائح الهندسية ليست الأولى من نوعها في مشاريع نيوم. فالمشروع الشهير “ذا لاين” يواجه هو الآخر تحديات لوجستية وهندسية ضخمة، فيما مشروع “تروجينا” للتزلج مهدد بالفشل البيئي. بات واضحًا أن نمط “الإبهار أولًا، والدراسة لاحقًا” هو ما يحكم هذه المشاريع.

صورة ولي العهد على المحك

بالنسبة لمحمد بن سلمان، لم يكن فشل سندالة مجرد إخفاق تجاري، بل ضربة مباشرة لصورة الرجل الذي وعد العالم بتحويل السعودية إلى وجهة عالمية للسياحة. كيف يمكن لرجل يطرح نفسه كمهندس “السعودية الجديدة” أن يقبل بفضيحة بهذا الحجم بعد عام واحد فقط؟

بحسب التسريبات، ولي العهد اعتبر أن الجزيرة لا ترقى إلى “معاييره”، وهو تصريح يُلقي بالمسؤولية على القائمين على التنفيذ. لكن الحقيقة أن المشكلة أعمق من مجرد تصميم سيئ؛ إنها مشكلة رؤية متضخمة تتجاهل الواقع الاقتصادي والجغرافي والبيئي للمملكة.

استعراض بلا جدوى

جزيرة سندالة تكشف من جديد فلسفة “الاستعراض الفارغ” التي باتت سمة حكم ابن سلمان. إنفاق مليارات على واجهات سياحية لا يزورها أحد، بينما تعاني البلاد من بطالة مرتفعة، وتضخم خانق، وعجز مالي متصاعد.

السعودية لا تعاني من نقص في المشاريع الفاخرة، بل من غياب الاستثمار في القطاعات الأساسية التي تمس حياة المواطنين: التعليم، الصحة، الإسكان، والوظائف المستدامة. سندالة ليست سوى تجسيد لسياسة إنفاق دعائي هدفها تلميع الصورة أكثر من خدمة الشعب.

فشل ذريع في التسويق السياحي

الجزيرة أُريد لها أن تكون بوابة لقطاع السياحة الجديد، لكن:

  • لم يتم تطوير بنية تحتية للنقل الجوي أو البحري تضمن وصول السياح بسهولة.
  • لم تُبذل جهود حقيقية للترويج لها عالميًا خارج الدعاية الرسمية.
  • تجاهلت الحكومة الطبيعة المحافظة للمجتمع السعودي، الذي لا يرى نفسه في صورة “جزيرة ليلية” على غرار إيبيزا.

النتيجة أن المشروع لم يجد لا جمهورًا محليًا ولا زوارًا أجانب، فبقي معلقًا في الفراغ.

الخبراء: إنذار مبكر لفشل نيوم

يرى خبراء اقتصاديون أن انهيار سندالة هو إشارة تحذير مبكرة على مصير باقي مشاريع نيوم. فإذا كانت جزيرة صغيرة نسبيًا لم تصمد أمام الواقع، فكيف لمشروع ضخم بحجم “ذا لاين” أو “تروجينا” أن ينجو من التحديات؟

ويؤكد محللون أن المشكلة ليست في التنفيذ فقط، بل في العقلية الحاكمة للمشاريع. فالقرارات تُتخذ بشكل فردي من ولي العهد، بناءً على نزوات استعراضية أكثر من دراسات جدوى. وعندما يقرر الرجل أن المشروع لا يناسب “معاييره”، تُهدر المليارات وكأنها لم تكن.

صمت رسمي وتجاهل متعمد

رغم أن الجزيرة باتت فارغة، لم يصدر أي بيان رسمي يعترف بالفشل أو يوضح مصير المشروع. كالعادة، تعتمد السلطات على سياسة الإنكار، آملة أن يطوي الإعلام المحلي الموضوع بصمته المألوف. لكن التقارير الدولية، وعلى رأسها بلومبيرغ، سلطت الضوء على الفضيحة، لتكشف أن التغطية لم تعد ممكنة.

من واحة الأحلام إلى مقبرة السياحة

جزيرة سندالة لم تفشل فقط في جذب السياح، بل فشلت في إقناع العالم بأن السعودية قادرة على بناء قطاع سياحي تنافسي. المشروع الذي صُوّر كحلم فاخر انتهى إلى كابوس فارغ، وفضح هشاشة رؤية تعتمد على الأرقام الضخمة والوعود البراقة دون أي رصيد واقعي.

 النتيجة واضحة: سندالة لم تكن جزيرة للسياحة، بل جزيرة للوهم. واليوم، تقف كدليل صارخ على أن رؤية محمد بن سلمان ليست سوى مسرحية علاقات عامة، تنفق المليارات على مشاريع ورقية، بينما الحقيقة تفضحها الجزر المهجورة والفنادق الفارغة.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية