الإعلان الأخير عن إغلاق شركة أكوا باور السعودية لتمويل بقيمة 3.4 مليار دولار لمشروعَي محطتين غازيتين لإنتاج الكهرباء بنظام الدورة المركبة في منطقتي الرياض والشرقية، بدا للوهلة الأولى خطوة “تنموية كبرى”. غير أن قراءة أعمق للأرقام، ولمدة التمويل البالغة 28 عاماً، ولتركيبة الجهات الممولة، تكشف أن المشهد ليس مجرد توسع في البنية التحتية للطاقة، بل هو جزء من مقامرة استراتيجية تحمل في طياتها أثماناً اقتصادية وجيوسياسية باهظة.
المملكة التي ترفع شعار “تنويع مصادر الطاقة” و”تقليل الاعتماد على النفط”، تجد نفسها اليوم تغرق في تمويلات طويلة الأمد لقطاع يعتمد على الغاز الأحفوري، في وقت يشهد فيه العالم انتقالاً متسارعاً نحو الطاقة المتجددة. فهل نحن أمام مشروع لتعزيز أمن الطاقة السعودي، أم أمام رهان يضاعف التبعية الاقتصادية والمالية ويضع البلاد في مواجهة مستقبل ملتبس؟
28 عاماً من الالتزامات: استثمار أم قيد؟
التمويل الذي أغلقته أكوا باور – بقيمة 12.8 مليار ريال – ليس مجرد قرض قصير الأجل يمكن التخلص من أعبائه سريعاً. إنه التزام يمتد على مدى 28 عاماً، أي ربع قرن من الزمن، وهو ما يطرح سؤالاً بديهياً: هل يمكن التنبؤ بجدوى هذه المحطات بعد عقود في ظل التحولات الجذرية في سوق الطاقة؟
العالم يتغير بسرعة: السيارات الكهربائية تغزو الطرقات، أوروبا تضيق الخناق على الانبعاثات الكربونية، والصين نفسها – أكبر مستورد للغاز والنفط – تعيد رسم استراتيجيتها الطاقية. ما يعني أن السعودية قد تجد نفسها بعد عقدين أمام محطات ضخمة، مكلفة، لكنها عتيقة وغير قادرة على المنافسة مع بدائل الطاقة النظيفة.
شراكة دولية أم ارتهان مالي؟
اللافت في صفقة التمويل هو تنوع الجهات المشاركة: من بنك التصدير والاستيراد الكوري (KEXIM)، إلى البنوك السعودية الكبرى، مروراً ببنوك صينية (البنك الزراعي، البنك الصناعي والتجاري)، وحتى المؤسسة العربية للاستثمارات البترولية.
هذا التنوع قد يبدو في الظاهر مؤشراً على “ثقة دولية” في الاقتصاد السعودي، لكنه في العمق يعكس توزيع المخاطر على شبكة واسعة من الدائنين. أي تعثر مستقبلي في سداد الالتزامات لن يكون مشكلة محلية فقط، بل أزمة تمتد إلى شركاء دوليين، ما يضع السعودية تحت ضغط سياسي ومالي مضاعف.
بكلمات أخرى: التمويل ليس مجرد أداة لتشييد المحطات، بل هو أداة نفوذ بيد هذه المؤسسات، خصوصاً البنوك الصينية التي تسعى لترسيخ حضورها في مشاريع الطاقة الخليجية.
أمن الطاقة أم استنزاف الموارد؟
المدافعون عن الصفقة يرفعون شعار “تعزيز أمن الطاقة” في ظل الطلب المتزايد على الكهرباء داخل المملكة. لكن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أن الطلب المتزايد ذاته هو نتاج سياسات تنموية غير متوازنة، حيث يتوسع الاستهلاك في قطاعات الترفيه والمشاريع الضخمة (نيوم، البحر الأحمر، وغيرها) دون وجود خطة حقيقية لإدارة الكفاءة الطاقية.
بدلاً من الاستثمار في ترشيد الاستهلاك أو التوسع في الطاقة الشمسية والرياح – وهي مجالات تمتلك فيها السعودية إمكانات هائلة – يجري ضخ المليارات في محطات غازية ذات عمر افتراضي محدود، ما يعني أن المملكة تدفع تكاليف مضاعفة: مالية، بيئية، واستراتيجية.
الصين تطرق الأبواب
وجود بنوك صينية كبرى في قلب الصفقة ليس تفصيلاً عابراً. إنه مؤشر على أن بكين باتت شريكاً مالياً لا غنى عنه في مشاريع البنية التحتية السعودية. هذا الارتباط المالي يعزز تبعية المملكة للاقتصاد الصيني، الذي قد يستخدم لاحقاً الديون كأداة نفوذ سياسي، كما فعل في إفريقيا وأميركا اللاتينية.
بمعنى آخر، بينما تحاول السعودية موازنة علاقاتها بين واشنطن وبكين، فإن التمويل الصيني في مشاريع استراتيجية كالكهرباء يفتح الباب واسعاً أمام ارتهان طويل الأمد قد يقيد هوامش القرار السعودي.
المخاطر الاقتصادية والاجتماعية
1. عبء مالي طويل الأمد: سداد القرض على مدى 28 عاماً يعني استنزاف جزء من الإيرادات العامة لعقود.
2. تأجيل الاستثمار في الطاقة المتجددة: ضخ المليارات في الغاز يحرم القطاعات البديلة من التمويل اللازم.
3. احتمال الفشل التجاري: إذا انخفضت تكلفة الطاقة المتجددة أكثر (وهو متوقع)، ستصبح المحطات الغازية غير قادرة على المنافسة، ما يحولها إلى “أصول عالقة”.
4. انعكاسات اجتماعية: أي ضغوط على الموازنة قد تدفع الحكومة إلى فرض ضرائب جديدة وتقليص الدعم، ما يزيد الاحتقان الداخلي.
قيد استراتيجي أم قنبلة موقوتة؟
صفقة أكوا باور تبدو في ظاهرها خطوة لتعزيز أمن الطاقة، لكنها في حقيقتها قيد استراتيجي طويل الأمد يرهن السعودية للديون، ويعمّق اعتمادها على الوقود الأحفوري في زمن يتجه فيه العالم إلى التخلص منه.
إنها مقامرة سياسية واقتصادية: مليارات تُنفق لتوليد كهرباء من الغاز في وقت يتحول فيه العالم إلى الطاقة النظيفة. مقامرة قد تمنح النظام دفعة قصيرة الأمد لإظهار “إنجازات تنموية”، لكنها تزرع بذور أزمة مالية وجيوسياسية مستقبلية قد تنفجر في وجه المملكة نفسها.
الطموح المعلن هو “قيادة ثورة الطاقة”، لكن الواقع يكشف أننا أمام سياسات تعيد السعودية إلى أسر النفط والغاز، وتضعها على مسار تصادمي مع المستقبل.






