في الوقت الذي يغرق فيه الاقتصاد السعودي في أسوأ حالاته منذ عقود، وبينما تتراكم الديون والعجز حتى باتت المملكة على أعتاب 60% من الناتج المحلي دينًا متوقعًا وفق صندوق النقد الدولي، يخرج النظام بصفقة جديدة تكشف جوهر سياسته: إنقاذ الخارج وشراء الوجاهة الدولية مقابل إفقار الداخل.
فقد أعلنت دار أوبرا ميتروبوليتان في نيويورك، التي تعاني أزمة مالية خانقة منذ الجائحة، عن توقيع صفقة مع السعودية بقيمة أكثر من 100 مليون دولار لتقديم عروض سنوية في الرياض حتى عام 2032. صفقة تُقدَّم كإنجاز ثقافي، لكنها في الحقيقة رشوة مالية لشراء صورة حضارية زائفة، بينما الشعب السعودي يئن تحت وطأة الضرائب وغلاء المعيشة.
أوبرا نيويورك على حساب لقمة المواطن
ميتروبوليتان، التي أوشكت على الانهيار، تجد في الرياض طوق النجاة. لكن السؤال: من أين يأتي المال؟ الإجابة واضحة: من جيوب السعوديين، عبر ديون جديدة وسندات تباع في الأسواق العالمية لسد عجز يتفاقم عامًا بعد آخر. في حين يتحدث النظام عن “تنويع الاقتصاد” و”بناء المستقبل”، فإن الواقع أن هذه الأموال ليست استثمارًا إنتاجيًا، بل مصاريف بروباغندا ثقافية موجهة للغرب كي يصفق ويصف الرياض بأنها “مركز عالمي للفنون”.
شراء صورة بدلاً من بناء اقتصاد
الصفقة تكشف بوضوح كيف يتحول الاقتصاد السعودي إلى ماكينة دعائية. فبدل أن تُستثمر الأموال في خلق وظائف، أو دعم قطاع الإسكان، أو إصلاح التعليم، تُنفق على عروض أوبرا يستمتع بها نخبة صغيرة في الرياض بينما لا علاقة للمواطن بها. هذا النمط ليس جديدًا: من استثمارات المليارات في أندية كرة القدم الأوروبية إلى صفقات مع هوليوود ومغنيي البوب، يواصل النظام هدر المال العام على استعراضات لا تضيف شيئًا للاقتصاد سوى ديون جديدة وصورة مؤقتة لولي العهد.
اقتصاد على حافة الانهيار
المشهد الاقتصادي الداخلي أكثر قتامة من أي وقت مضى:
- مبيعات السندات السعودية تخطت 20 مليار دولار هذا العام للاقتراض وسد العجز، وفق بلومبيرغ.
- أسعار النفط، العمود الفقري للاقتصاد، تراجعت 8% منذ بداية العام، ما قلّص الإيرادات بشكل خطير.
- صندوق الاستثمارات العامة، الذراع المالي لابن سلمان، سجل عوائد قريبة من الصفر في 2024، وهو ما يعني أن ما يُصرف لا يعود بفائدة.
في ظل هذا الواقع، تبدو صفقة الأوبرا كأنها مشهد من مسرحية عبثية: بلد يغرق في المديونية لكنه يكتب شيكًا بـ100 مليون دولار لينقذ مؤسسة ثقافية في نيويورك!
السياسة الناعمة على حساب السيادة الاقتصادية
ولي العهد يسعى لتقديم نفسه للعالم كـ”راعي للفنون” و”محدث للمجتمع”. لكن ثمن هذه الصورة البراقة يُدفع من الاستقرار الاقتصادي والمالي للسعودية. ما يُقدَّم كـ”قوة ناعمة” ليس سوى شراء اعتراف دولي بالمال، أشبه برشوة ثقافية تهدف إلى إعادة تلميع صورة نظام يلاحقه سجل أسود في حقوق الإنسان وفشل اقتصادي متواصل.
انتقادات لا يمكن تجاهلها
الخبير الاقتصادي البريطاني كريستوفر ديفيدسون وصف مثل هذه الصفقات سابقًا بأنها: “محاولات يائسة لشراء الشرعية الدولية، بينما الداخل السعودي يزداد هشاشة ويُترك بلا إصلاحات حقيقية”.
أما الباحث الأمريكي بن هابيرد فأكد أن: “محمد بن سلمان يستخدم الفنون والترفيه كغطاء دخاني ليخفي أزمات اقتصاده، لكن الحقيقة أن هذه الأموال لا تحقق شيئًا سوى المزيد من الديون”.
أوبرا نيويورك تُغنّي على ركام الاقتصاد السعودي
حين تُعلن دار أوبرا أجنبية عن صفقة بمئات الملايين لإنقاذها من الإفلاس، ويدفع الثمن نظام يعيش على الديون، فإن الرسالة صريحة: الرياض تشتري الأوهام بينما اقتصادها ينهار. هذه ليست صفقة ثقافية، بل وثيقة جديدة على عبثية رؤية 2030، التي تحولت من مشروع إصلاحي إلى مسرح كبير تُنفق فيه المليارات لتغطية فشل لا يمكن إخفاؤه.
“ميتروبوليتان تغني في الرياض والاقتصاد السعودي يبكي في صمت”






