لم يعد يكفي النظام السعودي أن يبيع شعارات اقتصادية جوفاء، فها هو يحاول الآن إعادة تعريف العمارة ذاتها. مشروع ذا لاين، الذي قُدم كأيقونة “رؤية 2030”، لم يكن سوى لوحة دعائية مصممة بدقة لإبهار الرأي العام العالمي. وُصف بأنه “مدينة الخمس دقائق”؛ أي أن كل ما يحتاجه السكان سيكون على بُعد خطوات.
لكن المعماري الكندي دانييل تيتشنر اختصر الموقف بكلمات لاذعة: “هذا ادعاء سخيف.. لا يمكن لمدينة تمتد 170 كيلومترًا أن تكون قريبة أو متماسكة”.
مدينة الشريط الحديدي هندسة ضد المنطق
الفكرة تبدو مأخوذة من فيلم خيال علمي: مدينة ممتدة بطول 170 كيلومترًا، بارتفاع 500 متر، تحوي ملايين السكان في شريط زجاجي ضيق. لكن بدل أن تكون “مدينة المستقبل”، وصفها خبراء بأنها “أطول ممر أزمة عمراني في العالم”.
تيتشنر فنّد دعاية أخرى للنظام حين زعم أن سكان ذا لاين يمكنهم قطعها في 20 دقيقة فقط: “هذا هراء هندسي.. المسافات بهذا الطول تحتاج أنظمة نقل معقدة باهظة التكلفة، وحتى لو وُجدت فلن تُحل مشكلة الخدمات اليومية أو الحركة الداخلية”.
المال العام يموّل الخيال
كل دقيقة في ذا لاين تُكلّف خزينة الدولة مليارات. في الوقت الذي تكشف فيه تقارير بلومبيرغ عن بيع السعودية سندات ديون جديدة بقيمة 5.5 مليار دولار لتغطية عجز متفاقم، يصرّ النظام على حرق الأموال في مشروع دعائي لا مردود له. ما يُسوّق كـ“استثمار للمستقبل” ليس أكثر من نزيف جديد للمالية العامة، يضاف إلى فشل الاستثمارات السابقة لصندوق الاستثمارات العامة الذي سجل عوائد قريبة من الصفر.
الوجه المظلم: قمع وتهجير
وراء الجدران الزجاجية التي تعرضها مقاطع الفيديو الرسمية، هناك مأساة مسكوت عنها. قبيلة الحويطات أُجبرت على مغادرة أراضيها بالقوة لإفساح المجال للمشروع، وتعرض بعض أفرادها للاعتقال والقتل. ذا لاين، إذن، ليس فقط مشروعًا خياليًا، بل أيضًا جريمة تهجير ممنهجة تهدم قرى وبيوتًا حقيقية من أجل بناء مدينة لم تولد بعد.
نقد الخبراء من تيتشنر إلى المجلات العالمية
تيتشنر ليس الصوت الوحيد. مجلات مثل Wired وDezeen وصفت ذا لاين بأنه مشروع “غير قابل للتنفيذ” و“يوتوبيا ديستوبية” تُخفي كارثة عمرانية. الخبير البريطاني كريستوفر ديفيدسون علّق: “ذا لاين ليست سوى وسيلة دعائية، الهدف منها إثبات أن محمد بن سلمان قادر على بناء معجزات عمرانية، بينما الحقيقة أنها مقبرة مالية وسياسية”. هذه الآراء تكشف أن العالم لم يعد يبتلع الرواية الرسمية، بل يرى المشروع كما هو: واجهة زجاجية لفشل الرؤية.
في مقابلة مباشرة، قال المعماري الكندي دانييل تيتشنر:
“لا توجد أي دراسة عمرانية حقيقية تدعم فكرة ذا لاين. إنها مجرد مخطط ضخم صُمم للعرض وليس للحياة. تسويقها كمدينة خمس دقائق هو تضليل، والواقع أنها ستكون مدينة مشكلات لوجستية بلا نهاية”.
هذا التصريح يلخص ما يحاول النظام إخفاءه: أن المشروع غير عملي وغير إنساني منذ لحظة ولادته.
المواطن خارج المعادلة
المفارقة القاسية أن ذا لاين لم يُصمم لتلبية احتياجات السعوديين. بينما يواجه المواطن أزمة سكن خانقة، وبطالة مرتفعة، وتكاليف معيشة تثقل كاهله بالضرائب والرسوم، تُهدر مليارات على مشروع لا يخدمه. وبدل أن تكون الأولوية لبناء مستشفيات أو مدارس، تُصرف الأموال على رسومات رقمية وعروض تسويقية. إنها مدينة بُنيت للكاميرات، لا للناس.
ذا لاين ناطحة وهم على رمال متحركة
ذا لاين ليست معجزة هندسية ولا مستقبلًا حضريًا، بل خدعة دعائية تُستخدم لتلميع صورة ولي العهد وشراء اهتمام الإعلام العالمي. كل خبير يخرج إلى العلن، وكل تقرير عن عجز الموازنة، وكل حالة تهجير قسري، تضيف دليلًا جديدًا على أن المشروع محكوم عليه بالفشل.
النهاية: “ذا لاين.. مشروع زجاجي يتشقق قبل أن يولد”






