لم يعد الحديث عن التطبيع بين السعودية والاحتلال الإسرائيلي مجرد تكهنات أو تسريبات، بل بات سلسلة خطوات متسارعة تكشف حجم الانحدار الذي يقوده محمد بن سلمان. في الوقت الذي تتصاعد فيه جرائم الحرب في غزة، وتُدفن النساء والأطفال تحت الركام، تسمح الرياض لليهود بالتملك في مكة المكرمة والمدينة المنورة، في سابقة تاريخية لا يمكن قراءتها إلا في إطار مشروع توسعي أوسع: مشروع “إسرائيل الكبرى”، الذي طالما تبنته الأدبيات الصهيونية كحلم توراتي يمتد من النيل إلى الفرات، وصولًا إلى الجزيرة العربية ومقدساتها.
أطماع قديمة بوجه جديد
منذ تسعينيات القرن الماضي، حين كشف ياسر عرفات عن عملة إسرائيلية تحمل خريطة تشمل أجزاء من الجزيرة العربية، كان جليًا أن المشروع الصهيوني لا يقف عند حدود فلسطين. اليوم، تصريحات نتنياهو وهاكابي وترامب، وخطابات القساوسة الإنجيليين، تعيد إنتاج هذا الحلم تحت مسمى “إسرائيل التوراتية”. كل حرب وكل توسع استيطاني يتم تسويغه بخطاب ديني يزعم أن الأرض الموعودة تمتد حتى مكة والمدينة.
خطاب تعبوي يبرر الدم
ما قاله المجند الفرنسي في جيش الاحتلال، وهو يدعو يهود أوروبا للانضمام إلى الحرب في غزة من أجل “إسرائيل الكبرى”، ليس حدثًا عابرًا، بل انعكاس لخطاب متكامل يجمع بين التوراة والسياسة. كذلك، حين تصرح القسيسة دومينيك بيرمان بأن “كل حرب تخوضها إسرائيل تمنحها المزيد من الأراضي”، فإنها تعطي غطاءً دينيًا لمشروع استعماري واضح. هنا يتضح أن الحرب على غزة ليست مجرد عملية عسكرية، بل حلقة من حلقات إعادة رسم خريطة المنطقة على المقاس الصهيوني.
ابن سلمان يفتح الأبواب
وسط هذا السياق، يأتي القرار السعودي بالسماح لليهود بالتملك في مكة والمدينة. قرار لم يكن ليُتخيل في الماضي، لكنه اليوم يُسوّق كجزء من “الانفتاح” و”جذب الاستثمارات”. في الحقيقة، هو أكبر هدية تقدمها الرياض لتل أبيب، إذ يمنحها موطئ قدم رمزي وسياسي في قلب أقدس بقاع المسلمين. وكأن ابن سلمان يقول للصهاينة: مشروعكم التوراتي لم يعد مجرد حلم، بل صار واقعًا يتجسد في عقود بيع وشراء بجوار الكعبة والمسجد النبوي.
خيانة على أنقاض غزة
المفارقة المروعة تكمن في التوقيت: بينما يعاني أهل غزة من المجاعة ويُقتلون يوميًا، تختار السعودية أن تفتح الحرمين الشريفين أمام المستثمرين اليهود. الرسالة واضحة: دماء الفلسطينيين تُباع وتُشترى في مزاد سياسي واقتصادي، حيث تصبح قدسية مكة والمدينة ورقة تفاوض ضمن مسار التطبيع. إنه تطبيع مضاعف: تطبيع سياسي مع الاحتلال، وتطبيع عقائدي يشرعن وجوده في قلب المقدسات.
ازدواجية الخطاب السعودي
طالما صدّرت الرياض نفسها كـ”خادمة الحرمين الشريفين” و”نصيرة القضية الفلسطينية”. لكن الواقع يفضح ازدواجية مقيتة: على الأرض، تتحول هذه الشعارات إلى سياسة متماهية مع أطماع إسرائيل. من عقود الاستثمارات المشتركة، إلى صفقات الطاقة والربط الإقليمي، وصولًا إلى فتح باب التملك لليهود في مكة والمدينة، تتكشف حقيقة المشروع: **تحالف استراتيجي على حساب الدين والقضية**.
من القداسة إلى السوق العقاري
بيع الأراضي في مكة والمدينة لليهود ليس قرارًا اقتصاديًا بريئًا، بل خطوة تُفرغ الحرمين من رمزيتها الروحية لتجعلها مجرد عقار يُعرض في السوق. لم يعد السكن بجوار الكعبة أو مسجد النبي امتيازًا إيمانيًا، بل سلعة خاضعة لرأس المال، حتى لو كان مصدره كيان استيطاني يغتصب فلسطين ويقتل شعبها. هذا القرار يمثل إهانة لمليار ونصف مسلم، ويحوّل أقدس الرموز إلى أوراق مساومة في يد ابن سلمان.
إسرائيل الكبرى تبدأ من مكة
ما يردده نتنياهو عن “غور الأردن” كجبهة شرقية، وما يلمّح إليه قساوسة إنجيليون عن الخليج كأرض توراتية، يجد اليوم تطبيقًا عمليًا في سياسات الرياض. السماح لليهود بالتملك في مكة والمدينة ليس مجرد “استثمار”، بل خطوة على طريق مشروع توسعي أوسع يرى الجزيرة العربية جزءًا من “الأرض الموعودة”. حين يتقاطع هذا القرار مع الأدبيات الصهيونية، تصبح الصورة أكثر وضوحًا: السعودية نفسها تتحول إلى ساحة اختراق لصالح مشروع “إسرائيل الكبرى”.
غضب شعبي وصمت رسمي
لم يمرّ القرار السعودي بالسماح لليهود بالتملك في مكة والمدينة دون إثارة موجة انتقادات واسعة. فقد كتب الصحفي البريطاني ديفيد هيرست أن هذه الخطوة تمثل “أخطر أشكال التطبيع لأنها تمسّ الرمز الديني الأسمى للمسلمين”. أما الحقوقي الفرنسي فرنسوا بورغا فحذّر من أن “تحويل الحرمين إلى سوق عقاري يشرعن خرافة إسرائيل الكبرى، ويمنح الصهيونية غطاءً لمطامعها التوراتية”. هذه المواقف تعكس قلقًا متناميًا في الأوساط الدولية من أن السعودية لم تعد مجرد طرف في مسار التطبيع، بل تحولت إلى جسر تمر عبره أخطر الأطماع التي تهدد فلسطين والعالم الإسلامي معًا.
ملايين المسلمين حول العالم يرون في هذا القرار استفزازًا مباشرًا لمشاعرهم واعتداءً على قدسية الحرمين. لكن في الداخل السعودي، حيث يسود القمع، لا يُسمح بأي اعتراض. العلماء الذين قد يجرؤون على رفض مثل هذه الخطوة مهددون بالسجن، والإعلام الرسمي يكتفي بالترويج لأسطورة “الانفتاح”. النتيجة: صمت داخلي قسري، مقابل غضب خارجي مكتوم ينتظر لحظة الانفجار.
بيع الحرمين.. الوجه الأخطر للتطبيع
قرار السماح لليهود بالتملك في مكة والمدينة ليس مجرد خطوة سياسية، بل زلزال ديني واستراتيجي يضرب قلب الأمة. إنه إعلان صريح بأن ابن سلمان مستعد لبيع أي رمز عقائدي أو قومي مقابل رضا واشنطن وتل أبيب. وبينما يُحرم أطفال غزة من رغيف الخبز، يُسمح لحاخامات تل أبيب بشراء بيوت بجوار الكعبة.
من حلم إسرائيل الكبرى إلى صفقة بيع الحرمين.. التطبيع السعودي يفتح أبواب الكعبة أمام الصهاينة






