حين يتحدث النظام السعودي عن “رؤية 2030″، يتغنى بشعارات التنمية المستدامة وتنويع مصادر الدخل، لكن الوقائع على الأرض تكشف وجهًا آخر للرؤية: رؤية العبث والبذخ على حساب المال العام.
ياسر الرميّان، رئيس صندوق الاستثمارات العامة، يعلن بكل فخر عن وعد شخصي بدفع 54 مليون دولار لأي لاعب غولف يحقق نتيجة “54 ضربة”، وكأن أموال الدولة مجرد أوراق تُلقى في ملعب نخبة لا يعرفها معظم السعوديين. وفي المقابل، يطل تركي آل الشيخ بمغامرة جديدة لا تقل غرابة: إدخال كرة القدم الأمريكية إلى موسم الرياض، مستعينًا بالمعتزل توم برادي، لتكرار إخفاقاته السابقة في المصارعة والملاكمة.
المشهد برمته يشي بأن المملكة تحوّلت إلى مختبر عبثي، حيث تُدار ثروات الناس بروح المقامر الباحث عن الاستعراض لا التنمية.
عبث الغولف: 54 مليونًا من أجل “يوم سعيد”
الغولف، رياضة نخبوية لا يعرفها سوى قلة من الأثرياء، تحولت في السعودية إلى منصة لصرف المليارات. مشروع “ليف غولف”، الذي وُلد من رحم صندوق الاستثمارات العامة، لم يحقق أي أثر يذكر على الرياضة المحلية ولا على الاقتصاد، بل صار أداة لتلميع صورة النظام في الخارج.
تصريح ياسر الرميّان الأخير بتخصيص 54 مليون دولار لأي لاعب يحقق 54 ضربة لم يكن مجرد وعد مالي، بل رمز لانهيار المسؤولية في إدارة المال العام. المبلغ، الذي يكفي لبناء عشرات المدارس والمستشفيات، يقدَّم على طبق من ذهب لإرضاء نزوة شخصية، وصفها الرميّان نفسه بأنها ستكون “أحد أسعد أيام حياته”.
لكن أي سعادة يمكن أن تجلبها هذه الصفقة للشعب السعودي؟ آلاف الشباب عاطلون عن العمل، الأطباء والمعلمون يعانون من ضعف الرواتب، والقطاعات الحيوية في تراجع، بينما رئيس الصندوق يربط فرحه بأداء لاعب غولف أجنبي لا يعرف السعوديون اسمه.
كرة القدم الأمريكية: نسخة جديدة من فشل متكرر
إذا كان الرميّان قد بالغ في العبث عبر الغولف، فإن تركي آل الشيخ لا يقل عنه إصرارًا على تجريب كل ما لا يمت بصلة إلى المجتمع. بعد إخفاقات المصارعة الحرة وبطولات الملاكمة التي انتهت بمقاعد فارغة وخسائر مالية، قرر هذه المرة استيراد لعبة كرة القدم الأمريكية إلى موسم الرياض. اللعبة قد تكون أسطورة في الولايات المتحدة، لكنها في السعودية مجرد عرض غريب لا جمهور له، ولا يمتلك أي قاعدة ثقافية أو رياضية.
استقدام المعتزل توم برادي لم يكن مشروعًا رياضيًا حقيقيًا لبناء أكاديميات أو تدريب شباب سعودي، بل مجرد شراء اسم لامع لتصدير بطولة مصغّرة لن يشاهدها أحد بجدية. إنها وصفة جديدة للفشل، تُضاف إلى سلسلة “الاستعراضات الفارغة” التي يديرها آل الشيخ، ويدفع المواطن ثمنها من جيبه.
الاستعراض بدل التنمية
الجامع بين الرميّان وآل الشيخ أن كليهما يتعامل مع المال العام بوصفه أداة استعراض، لا وسيلة للتنمية. الرميّان ينثر عشرات الملايين على ضربة غولف قد لا تحدث يومًا، وآل الشيخ يبعثر الملايين على بطولة لا جمهور لها. وفي الوقت نفسه، تعلن وزارة المالية عن عجز متصاعد، وتلجأ المملكة إلى إصدار سندات ديون بمليارات الدولارات لتغطية النفقات.
المفارقة المؤلمة أن المواطن السعودي يسمع خطابًا رسميًا عن “ترشيد الإنفاق” و”تحمل المسؤولية” و”الضرائب ضرورة وطنية”، بينما يرى بأم عينه كيف تتحول ثرواته إلى مسرحية هزلية: حفرة غولف هناك، وملعب كرة قدم أمريكية هنا.
الإعلام الغربي يفضح العبث
لم يعد هذا العبث يمر مرور الكرام في الخارج. الصحافة العالمية تسخر علنًا من محاولات السعودية شراء الاعتراف عبر الرياضة. مقالات في صحف بريطانية وأميركية شبّهت استثمارات الغولف بأنها “رشوة مقنّعة” لشراء صورة جديدة للنظام، فيما وصف خبراء استقدام نجوم معتزلين كـ توم برادي بأنه “عرض سياحي” لا علاقة له بالرياضة.
حتى اللاعبين والفنانين أنفسهم لم يعودوا يترددون في كشف الحقيقة. الكوميديان الأميركي تيم ديلون، الذي تلقى 375 ألف دولار لعرض واحد بالرياض، قالها صراحة: “إنهم يدفعون مبلغًا كبيرًا من المال مقابل عدم الاهتمام بما يفعلونه في بلادهم”. اعتراف كهذا يختصر المشهد: العالم يقبض المال، لكنه لا يحترم مصدره.
المواطن الخاسر الأكبر
بينما ينفق الرميّان وآل الشيخ المليارات على ألعاب بلا جمهور، يعاني المواطن السعودي من أزمة سكن متفاقمة، بطالة متصاعدة، وضرائب تثقل كاهله. المفارقة أن هذه الملايين المهدورة يمكن أن تمول برامج تدريب وتشغيل حقيقية، أو مشاريع إسكان لآلاف الأسر، أو تطوير نظام صحي يعاني من ضعف التمويل. لكن في منطق النظام، المواطن آخر من يفكرون فيه، إذ يُعتبر مجرد ممول صامت لمغامرات لا معنى لها.
من المصارعة إلى الغولف مختبر للفشل
التجربة تتكرر بشكل مثير للسخرية: من مصارعة WWE، إلى بطولات ملاكمة خاسرة، إلى ألعاب فيديو بمليارات، وصولًا إلى كرة القدم الأمريكية. كلها محاولات لشراء “الحدث العالمي”، لكنها تنتهي بالخيبة نفسها: عزوف جماهيري محلي، انطباع سلبي عالمي، وفاتورة باهظة يدفعها الشعب. أما الغولف، فصار أيقونة لهذا العبث، حيث يتباهى الرميّان بجائزة تفوق ما يحققه آلاف الموظفين السعوديين في حياتهم مجتمعة.
أموال تُهدر في الحفر والملاعب الفارغة
من الغولف إلى كرة القدم الأمريكية، المشهد واحد: نظام غارق في الوهم، يبعثر ثروات الشعب على استعراضات لا معنى لها. ياسر الرميّان يربط “أسعد أيام حياته” بضربة غولف، وتركي آل الشيخ يراهن على لعبة لا يعرفها السعوديون. وفي النهاية، لا مدارس تُبنى، لا وظائف تُخلق، ولا تنمية تُنجز.






