في أواخر سبتمبر، تُضيء الرياض الأضواء استعدادًا لـ “أكبر مهرجان كوميديا في العالم”، يدعو إليه نجومٌ أمثال ديف تشابيل وكيفن هارت وبيل بور. مهرجان تُموّله الحكومة السعودية وتديره الهيئة العامة للترفيه. لكن الضحكات التي تنطلق من المسرح لا تُخفي صرخات ضحايا حرية التعبير، ولا تُغطّي دماء الصحفيين المُعدمّين والمعارضين المُعتَقَلين. هيومن رايتس ووتش ناشدت الفنانين ألا يكونوا جزءًا من ما يُسمّى “اقتصاد تبييض السمعة”، أي أن يُشاركوا في مهرجانات تُستخدَم كغطاء لجرائم تُرتكب ضد الحقوق والحريات.
مهرجان الكوميديا: الجانب المشرق؟
من الناحية الشكلية، المهرجان يبدو استعراضًا ثقافيًا لامعًا: أسماء كبيرة، عروض يومية، ورش، فعاليات عائلية، وإعلانات ضخمة تُحسّن من صورة السعودية كبلد منفتح. التنظيم الرسمي يُروّج بأن الترفيه جزءٌ من “تحسين جودة الحياة”، وأن مشاركة النجوم العالميين دليل على أن المملكة أصبحت وجهة ثقافية مهمة.
لكن هذا الجانب الجميل براقٌ فقط إذا تجاهلنا الأساس: آلاف المعتقلين، قوانين تكميم الكلام، إعدام صحفيين، حظر سفر وتهديد للنشطاء، وغير ذلك من الانتهاكات التي لا تُعطى مساحة واضحة للنقاش في هذا المسرح الشهير.
الدعوة لعدم التواطؤ: صرخة أخلاقية
هيومن رايتس ووتش دعت النجوم إلى اتخاذ موقف واضح: إما أن يرفضوا المشاركة، أو على الأقل أن يستخدموا المنصة للتذكير بالانتهاكات التي لا تزال مستمرة. الباحثة جوي شيا قالت إن الاستثمار الحكومي في الترفيه والفعاليات الرياضية يهدف إلى “صرف الأنظار” عن الإعدامات المُرتفعة وغيرها من الانتهاكات.
كلما ازداد تمويل الحكومة للمسرحيات العالمية، كلما تخفت الأصوات الداخلية. وكلما كبرت العقود المالية، كلما صار التزام الفن بالتعبير صعبًا ومخيفًا. لهذا يصرّ الحقوقيون على أن يكون الفنانون وصانعو الكوميديا ليسوا مجرد أدوات تصفيق، بل أصوات معلّقة بالضمير.
الكوميديا التي تُحصَر ضمن الشروط المرسومة
النجوم الذين يقبلون التعاقد مع الفعالية مضطرّون لأن يصعدوا المسرح مع التزام ضمني بعدم المساس بالسياسات الداخلية أو الحديث عن الدين أو انتقاد القيادة. المنظم الرسمي هو الحكومة، والممول غالبًا هو الكيان ذاته الذي يُرتكب بواسطته الانتهاكات.
هذا يعني أن الضحكات ستُسمع، لكن الأصوات التي تطالب بالعدالة غالبًا ما تُقمع أو تُمنع. المشاركة الصامتة هنا ليست حرية، بل شهادة مُجبَرة على القبول.
ما يجري اليوم ليس طارئًا، بل امتدادٌ لسلسلة من الفعاليات التي رُوج لها كعلامات للتحديث والانفتاح، لكن سُجّلت معها الانتهاكات والاعتقالات والتغييُب. الثقافة تُعرض للعالم، لكن الحقوق تُختبئ خلف الستار. وعندما يُثار السؤال، يُقال إن التغييرات “جارية”، وأن “الأكيد أن الأمور ستتحسن”، لكن لا إصلاح جوهري قد تحقق بعد.
الفن لا يُباع بثمن الدماء
المهرجان الكوميدي القادم ليس مجرد رحلة ضحك للجمهور أو صفقة ربح للفنانين، بل اختبار أخلاقي. إن وافق الفنانون الصامتون على الحضور، فهم لا يُجسِّدون الفن ولا حرية التعبير، بل يصبحون جزءًا من آلة التبييض التي تُلبس القمع رداءً من الضحك والأنوار. بالمقابل، كل من يؤكد صوته، ينطق بالضمير، يذكر عائلات الضحايا، يطالب بحرية التعبير—فهو الفنان الحقيقي، والصوت الذي لا يُشترى ولا يُسكَت.
“إذا أصبحت الضحكات تُدفن تحت القمامة، فإن الكوميديا تتحوّل من فن إلى صمت مُرافِق للجرائم.”






