“منبر إعلامي أم مقبرة استثمارية؟ صندوق ابن سلمان يبتلع MBC بعد انهيار أسهمها”

“منبر إعلامي أم مقبرة استثمارية؟ صندوق ابن سلمان يبتلع MBC بعد انهيار أسهمها”

في لحظة تكشف حجم العبث الذي يعيشه الاقتصاد السعودي، أعلن صندوق الاستثمارات العامة عن استحواذه على 54% من مجموعة إم بي سي بقيمة تتجاوز 2 مليار دولار، في وقت تتهاوى فيه أسهم المجموعة إلى مستويات قياسية. الاستحواذ لا يبدو كصفقة استثمارية مدروسة، بل أقرب إلى عملية “إنعاش اصطناعي” لشركة تتهاوى قيمتها السوقية، لتتحول أموال الشعب إلى وسادة أمان لمؤسسة إعلامية باتت أداة بيد النظام أكثر من كونها مشروعًا تجاريًا.

أسهم إم بي سي انخفضت بنسبة 27.2% منذ إدراجها في البورصة عام 2024. وخسرت قرابة 40% من قيمتها منذ بداية 2025 فقط.

فأي منطق استثماري يجعل الصندوق يضخ مليارات الدولارات في شركة تسير بهذه السرعة نحو القاع؟ إن ما يحدث ليس “شراء فرصة” كما يدّعي المروجون، بل تثبيت لصفقة خاسرة، وتجميل لورقة مالية ميتة تُستعمل لدوافع سياسية ودعائية.

إم بي سي من واجهة إعلامية إلى ثقب أسود

منذ تأسيسها، عُرفت مجموعة إم بي سي بوصفها منصة إعلامية ضخمة تحمل طابعًا ترفيهيًا وتسويقيًا. لكنها في السنوات الأخيرة تحولت إلى ذراع دعائية مباشرة للنظام السعودي، تُسخَّر برامجها ومسلسلاتها وحتى نشراتها لتلميع صورة ولي العهد والترويج لمشاريع “رؤية 2030”. ومع تراجع الثقة الجماهيرية في المحتوى، تراجع الأداء المالي.

والآن، بدلاً من ترك السوق يقول كلمته، يُجبر صندوق الاستثمارات العامة على ابتلاع هذه المؤسسة، ليس لحماية “الاستثمار”، بل لضمان بقاء المنبر الإعلامي تحت السيطرة المباشرة. بكلمات أخرى: الصندوق لا يشتري مستقبلًا اقتصاديًا، بل يشتري ميكروفونًا ضخمًا على حساب المال العام.

أطلق عدد من الخبراء تحذيرات صريحة بشأن مسار صندوق الاستثمارات العامة وخياراته الاستثمارية. فقد دعا تيم كالن، الرئيس السابق لقسم الخليج في صندوق النقد الدولي، إلى مراجعة خطط الصندوق جذريًا، مؤكدًا أن ضخ المليارات في مشاريع “رمزية” أو استحواذات خاسرة مثل إم بي سي قد يفاقم المخاطر المالية بدل أن يحقق التنمية.

من لوسيد إلى إم بي سي المقامرة مستمرة

هذه الصفقة ليست استثناءً، بل امتداد لسلسلة من الكوارث الاستثمارية:

  • مليارات أُغرقت في شركة لوسيد الأميركية للسيارات الكهربائية، التي خسر سهمها أكثر من 78% خلال خمس سنوات.
  • مليارات أُخرى ضُخت في مشروع نيوم، الذي وصفته تقارير غربية مؤخرًا بـ“الكارثة المالية الوشيكة”.

والآن، الدور على إم بي سي: صندوق استثمارات يُفترض أن يقود تنويع الاقتصاد، لكنه في الواقع يتحول إلى صندوق إنقاذ للشركات الفاشلة، فيما المواطن يواجه الضرائب وارتفاع الأسعار.

اقتصاد الرؤية دعاية تبتلع أموال الدولة

من المفترض أن رؤية 2030 تهدف إلى تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط. لكن كل صفقة جديدة تكشف أنها في الواقع رؤية تقوم على شراء الانطباعات، لا بناء الحقائق:

إم بي سي لا تُدر أرباحًا مستدامة، بل تُستخدم كأداة لخلق صورة “إعلام حديث” يواكب الانفتاح.

الصندوق لا يستثمر في قطاعات إنتاجية حقيقية (مثل الصناعة أو التكنولوجيا)، بل يضخ الأموال في مشاريع ذات عائد دعائي سريع.

كل هذا يحدث بينما تكشف بيانات وزارة المالية عن عجز متزايد في الموازنة، يُغطى بالديون والسندات التي ستثقل كاهل الأجيال القادمة.

إم بي سي كرمز لانحدار الثقة

الاستحواذ على إم بي سي ليس مجرد عملية مالية، بل رمز لانحدار أكبر:

تضليل السوق: إذ يُراد للمستثمرين المحليين والدوليين أن يصدقوا أن الصفقة “إيجابية” بينما الأرقام تقول العكس.

تضليل الجمهور: لأن المجموعة ستواصل بث برامجها كأنها “مشروع وطني ناجح”، بينما حقيقتها أنها مشروع فاشل يعيش على أجهزة التنفس الاصطناعي التي يموّلها الصندوق.

تضليل الذات: إذ يظن ولي العهد أنه قادر على شراء الثقة بالمال، متناسيًا أن الإعلام الفاقد للمصداقية ينهار مهما كان تمويله.

لو كانت إم بي سي شركة خاصة، لكان السوق عاقبها وأجبرها على إعادة هيكلة أو إعلان إفلاس.

لكن لأنها أداة سياسية، اختار الصندوق أن ينقذها بأموال الشعب.

بذلك، يُثبت النظام أن معيار “الاستثمار” ليس الربحية أو الكفاءة، بل الولاء والقدرة على خدمة الدعاية الرسمية.

ثمن الصمت من يدفع الفاتورة؟

كل دولار يُضخ في إم بي سي هو دولار يُسحب من جيب المواطن. المواطن الذي يُقال له “تحمّل الضرائب” و“شدّ الحزام” لتمويل رؤية كاذبة. المواطن الذي يرى المدارس بلا تطوير حقيقي، والمستشفيات بلا طواقم كافية، بينما مليارات تتبخر في “مقامرات إعلامية”.

الأسوأ أن هذا النمط يُطبع في ذهنية الجيل القادم: أن الثروة ليست وسيلة للبناء، بل وسيلة للسيطرة والتجميل.

إعلام على أنقاض اقتصاد

صفقة استحواذ الصندوق على إم بي سي ليست “استثمارًا تاريخيًا” كما يُسوّق لها، بل فضيحة جديدة في سجل رؤية 2030. مجموعة فقدت 40% من قيمتها خلال أشهر تتحول فجأة إلى “إنجاز” بمليارات الدولارات من جيوب الشعب.

إنها ليست قصة عن الإعلام فقط، بل عن اقتصاد يُدار كحساب شخصي، تُصرف منه المليارات لإسكات النقد وتضخيم الدعاية. وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: كم صفقة عبثية أخرى سيحتاجها النظام قبل أن يدرك أن شراء الولاء لا يبني اقتصادًا، وأن منابر الإعلام حين تتحول إلى مقابر للأموال، تصبح شاهدًا صارخًا على فشل الدولة؟

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية