السعودية بين ديون متفاقمة وغطرسة إنكار الفشل

السعودية بين ديون متفاقمة وغطرسة إنكار الفشل

لا يحتاج المراقب لعدسات مكبرة ليرى أن الاقتصاد السعودي يعيش مأزقًا عميقًا. الأرقام وحدها كافية لفضح الوهم: ديون متصاعدة، إنفاق جنوني على الترفيه والرياضة، وقرارات مالية تُتخذ بعقلية المقامرة لا الإدارة الرشيدة. ومع ذلك، يصرّ النظام على الترويج لرواية النجاح والانفتاح وكأن شيئًا لم يحدث. الغطرسة في إنكار الواقع صارت سياسة رسمية، لا تزيد الوضع إلا هشاشة وتكشف للعالم صورة بلد يرقص على حافة الإفلاس وهو يتظاهر بالقوة.

تضخم الديون: أرقام تفضح هشاشة البنوك

التقارير الأخيرة من إس أند بي جلوبال تكشف حقيقة لا يمكن تغليفها بالشعارات: خلال ستة أشهر فقط قفز صافي الدين الخارجي للبنوك السعودية من 34 مليار ريال إلى 123 مليار ريال (32.8 مليار دولار). الأخطر أن 52% من هذه الديون قصيرة الأجل، مرتبطة ببنوك أجنبية، ما يجعلها عرضة للانكشاف فور أي أزمة جيوسياسية أو تقلب في أسعار النفط.

السبب الجوهري ليس خفيًا: تجاوز نمو الإقراض نمو الودائع في البنوك السعودية لسنوات، ما دفعها للاحتماء بالديون الخارجية. رؤية 2030، بدل أن تكون برنامج إصلاح اقتصادي، تحولت إلى محرك إضافي لهذا النزيف، إذ فرضت مشروعاتها الوهمية على البنوك نمط تمويل لا يتناسب مع قدراتها ولا مع حجم السوق المحلي.

كرة القدم: مختبر جديد لحرق الأموال

إذا كان الاقتصاد يئن من الديون، فإن كرة القدم أصبحت رمزًا للبذخ غير المسبوق. كيف يمكن تفسير قفزة راتب لاعب مثل ماتيو دامس من 2,500 يورو شهريًا إلى 250,000 يورو مع انتقاله إلى الدوري السعودي؟ راتب يزيد بمئة ضعف بين ليلة وضحاها، فقط لأن النظام يريد أن يصنع وهمًا بأن دوريّه المحلي أصبح قبلة النجوم. هذه ليست سياسة رياضية، بل استعراض سلطوي يشتري الولاء بالصمت والضحك على حساب المال العام.

الأرقام الرسمية من صحيفة الاقتصادية السعودية تكشف الفضيحة: خلال خمس سنوات أنفقت الأندية السعودية نحو 7.1 مليار ريال على استقطاب 739 لاعبًا أجنبيًا. في المقابل، لم تتجاوز العائدات من بيع العقود 567.4 مليون ريال، أي 8% فقط من إجمالي ما أُنفِق. بمعنى آخر، أكثر من 90% من الأموال ذهبت أدراج الرياح، بلا استثمار حقيقي أو مردود مالي.

هذه المقامرة لا تصنع دوريًا عالميًا ولا ترفع قيمة الأندية، بل تستهلك خزائن الدولة وصندوق الاستثمارات العامة، وتحوّل الرياضة إلى واجهة جديدة للهدر والفساد.

غطرسة الإنكار: حين يُكابر النظام بدل أن يعترف

المعادلة صارت واضحة: أرقام كارثية، إنفاق جنوني، ديون متفاقمة، وعوائد هزيلة. لكن بدلاً من الاعتراف بالفشل ومراجعة الاستراتيجيات، يخرج المسؤولون بتصريحات متعالية عن “نجاح الرؤية” و“الفرص الواعدة”. هذه الغطرسة لا تعكس ثقة، بل إنكارًا مرضيًا يضاعف الأزمة. فحين يُكابر النظام ويرفض التراجع عن القرارات الكارثية، فإنه يراكم الفشل على الفشل ويضاعف التكلفة على المواطن والأجيال القادمة.

وهم الرؤية: صورة براقة فوق واقع متصدع

رؤية 2030 قُدّمت للعالم كخطة إنقاذ وتحول اقتصادي، لكنها تحولت عمليًا إلى آلة لشراء الوقت والصمت الدولي. مشاريع مثل نيوم، ذا لاين، ومواسم الترفيه تستهلك مليارات الدولارات، بينما العجز يتفاقم والديون تتراكم. الاقتصاد المحلي لا يستفيد من هذه المشاريع سوى عبر الضرائب الجديدة وارتفاع تكاليف المعيشة. أما الأرباح الحقيقية فتذهب لشركات أجنبية ولاعبين عالميين لا يعرفون شيئًا عن المملكة سوى أن أموالها متاحة بلا حدود.

المواطن بين المطرقة والسندان

بينما يتم إنفاق 54 مليون دولار على لعبة غولف أو مئات الملايين على صفقات رياضية عقيمة، يجد المواطن نفسه محاصرًا بضرائب متزايدة ورسوم خدمات متصاعدة. البطالة بين الشباب لم تتراجع، والأزمات السكنية والتعليمية والصحية لا تجد حلولًا حقيقية. المواطن السعودي هو الخاسر الأول: أمواله تُهدر في الخارج أو على استعراضات داخلية، فيما يُطلب منه الصمت وقبول التضحية بحياته المعيشية باسم “المصلحة الوطنية”.

المفارقة أن ما يُسوَّق كنجاح داخلي، يُنظر إليه خارجيًا كمادة للسخرية. الصحف الغربية لم تعد تخفي استهجانها من هذه السياسات، وتصف رواتب اللاعبين والمبالغ المرصودة للرياضة والترفيه بأنها هدر غير مسبوق من دولة تواجه عجزًا ماليًا متصاعدًا.

تاريخ يعيد نفسه: أزمات متكررة تحت قناع الازدهار

ما يعيشه الاقتصاد السعودي اليوم من عبث مالي ليس حدثًا معزولًا، بل امتداد لمسار طويل من القرارات المرتجلة التي تُدار بالغطرسة ذاتها. في عام 2006، شهدت المملكة أزمة سوق الأسهم حين فقد المؤشر أكثر من نصف قيمته خلال أشهر، ليتبخر ما يقارب تريليون ريال من مدخرات المواطنين. يومها قيل إن السوق “متين” والاقتصاد “قوي”، لكن الإنكار لم يمنع الانهيار.

كذلك الحال مع مشاريع عقارية كبرى مثل مشروع أبراج جدة (برج الميل)، الذي رُوِّج له كأطول ناطحة سحاب في العالم، لكنه تجمد لسنوات قبل أن يُعلن رسميًا عن تعثره. هذه السوابق تكشف أن نمط “الإعلان الضخم ثم الفشل الصامت” ليس جديدًا، وأن رؤية 2030 ليست سوى فصل متجدد في قصة إنكار قديمة يدفع المواطن ثمنها في كل مرة.

اقتصاد على شفا الانهيار

ما يحدث اليوم ليس إصلاحًا ولا تحديثًا، بل إدارة عبثية للثروة، تحوّل المال العام إلى لعبة استعراض في ملاعب الكرة وحفلات الترفيه. الأرقام تكشف بوضوح: مليارات تُنفق، ديون تتضاعف، عوائد شبه معدومة، ونظام يصر على المكابرة بدل الاعتراف بالفشل.

إنها وصفة كاملة لانهيار اقتصادي وشيك: حين يجتمع العجز المالي مع الغطرسة السياسية، تصبح النتيجة بلدًا يبيع المستقبل مقابل وهم الحاضر.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية