ضحك على الدماء: مهرجان الرياض للكوميديا يتحول إلى فضيحة عالمية

 ضحك على الدماء: مهرجان الرياض للكوميديا يتحول إلى فضيحة عالمية

لم يكن مهرجان الرياض للكوميديا مجرد حدثٍ ترفيهي تستضيفه السعودية ضمن موجة الفعاليات الضخمة التي يرعاها تركي آل الشيخ، بل تحوّل سريعًا إلى ساحة مواجهة بين نجوم الكوميديا العالميين من جهة، والنظام السعودي الذي يحاول شراء الصمت والسمعة عبر “الضحك المعلّب” من جهة أخرى.

فبين رفض، وسخرية علنية، وتسريبات عن عقود مُذلّة تفرض قيودًا على حرية التعبير، بات المهرجان عنوانًا إضافيًا على مأساة “التبييض الفني” الذي يصرّ النظام على ممارسته، ولو بإنفاق ملايين الدولارات من المال العام.

فضيحة الشروط السرية

أبرز التسريبات جاءت على يد الكوميدية اليابانية–الأمريكية أتسوكو أوكاتسوكا، التي رفضت المشاركة وكشفت بنود العقد الذي عُرض عليها.

العقد تضمّن:

  • مبلغًا ضخمًا لا يقل عن 100 ألف دولار للعرض الواحد.
  • تغطية كاملة لتكاليف السفر والإقامة.
  • إلزام الفنان بالترويج للمهرجان عبر منشورات على منصاته الخاصة.
  • والأخطر: قائمة محظورات تمنع أي انتقاد للسعودية، العائلة المالكة، الحكومة، أو الدين.

أوكاتسوكا علّقت بحدة:

 “المال يأتي مباشرة من ولي العهد، الذي يُعدم الصحفيين والمدونين وحتى أشخاصًا بسبب مخالفات مخدرات غير قاتلة، دون أي محاكمة.”

بهذا الرفض العلني، حطمت أوكاتسوكا “السرية” التي حاول المنظمون فرضها، ووضعت المهرجان في قلب معركة السمعة التي أراد النظام التهرب منها.

أصوات ساخرة لكن ضد الرياض

لم يتوقف الأمر عند أوكاتسوكا. فالممثل الأمريكي زاك وودز سخر علنًا من آل الشيخ بالقول إن هناك جناحًا في أحد السجون السعودية يحمل اسمه، في إشارة فاضحة لارتباط “راعي الترفيه” بآلة القمع.

أما الكوميديان الأمريكي مارك مارون فذهب أبعد، حين علّق بسخرية سوداء:

 “هناك مهرجان كوميديا في الرياض. الشخص الذي سيدفع لهم، هو نفسه الذي دفع لذلك الرجل ليُقطّع جمال خاشقجي بالمنشار. سيكون عرضًا ممتعًا!”

هذه التصريحات التي تناقلتها الصحافة الغربية وضعت المهرجان في خانة “المهزلة”، وأكدت أن محاولة التغطية على سجل ابن سلمان الدموي بالضحك فشلت قبل أن تبدأ.

اعتراف صادم من الداخل

الأكثر إحراجًا للنظام لم يأتِ من معارضين أو حقوقيين، بل من داخل المهرجان نفسه. المؤدي الأمريكي تيم ديلون، الذي شارك فعلًا، اعترف أمام الجمهور والصحافة:

 “سأحصل على 375 ألف دولار لعرض واحد. إنهم يدفعون مبلغًا كبيرًا من المال مقابل عدم الاهتمام بما يفعلونه في بلادهم. أنا الشخص الوحيد الصادق الذي سيقول ذلك.”

لكن صدقه هذا كلّفه الطرد من المهرجان بعد ساعات قليلة. خطوة أظهرت هشاشة المنظومة: يريدون شراء الأصوات، لكنهم عاجزون عن تحمل كلمة صدق واحدة.

من الكوميديا إلى محكمة الرأي العام

ما كشفه الفنانون لم يكن مجرد انتقادات عابرة، بل تحوّل إلى إدانة علنية لا يمكن للنظام السعودي تجاهلها. الصحافة الغربية تلقفت تلك التصريحات بوصفها “أدلة حية” على أن ملايين الدولارات التي تُدفع للكوميديين ليست استثمارًا في الفن، بل رشاوى مُقنّعة لشراء صمتهم.

لكن المفارقة أن هذه الأموال، بدلًا من إسكات العالم، أعطت المنصة لهؤلاء النجوم ليكشفوا المستور: من قتل خاشقجي، إلى السجون المليئة بالمعارضين، إلى الإعدامات التي تتسارع كل عام.

الترفيه كقناع هش

منذ سنوات، يعتمد محمد بن سلمان على استراتيجية “التسلية مقابل السمعة”، عبر استقدام نجوم الرياضة والفن بعقود خيالية. لكن مهرجان الكوميديا الأخير كشف ثغرة هذه السياسة: الكوميديا، بطبيعتها، تقوم على السخرية وكسر التابوهات. حين تحاول أن تضع عليها قيودًا صارمة، تفقد معناها وتتحول إلى مسخرة.

والأهم أن الكوميديين ليسوا مجرد لاعبين في فريق يمكن شراؤهم بعقد؛ إنهم أصحاب منصات مستقلة، لديهم جمهور عالمي ومصداقية لا تشتريها الأموال. لذلك جاءت النتيجة عكسية: بدلاً من أن يروّجوا لصورة “السعودية الجديدة”، فضحوا حقيقتها بصوت عالٍ.

 ضحك يتحوّل إلى صفعة

مهرجان الرياض للكوميديا لم يكن عرضًا للضحك، بل مسرحية فاشلة للتغطية على الدماء. فبين تسريب العقود المهينة، واعترافات النجوم، وسخريتهم من آل الشيخ وابن سلمان، خرجت السعودية بسمعة أسوأ مما دخلت.

لقد أراد النظام أن يشتري الضحك ليغطي على القمع، فإذا بالضحك نفسه يتحول إلى صفعة عالمية تكشف زيف روايته.

حين يصبح الضحك أداة فضح، تسقط آخر أوراق التوت عن نظام يحاول إخفاء الدماء بالمهرجانات.

شارك المقالFacebookX
اترك تعليقاً

الرئيسية